اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
أحمد زهاء الدين عبيدات*
مَرَّ الخِضْرُ بفتى عربي فقال له عِظنِي،
فقال الخِضْرُ «كُنْ ذكيَّاً»،
فَثَنَّى الشاب ثُمَّ أَيْ؟ قال: «كُنْ ذكيَّاً»،
فَثَلَّثَ الشاب ثُمَّ أَيْ؟ قال «فاعمل بما أوجبه عليك الذكاء»،
فزاد الشاب ثُمَّ أَيْ؟ فقال الخِضْرُ: «ولا ثمَّ».
ولما بلغ هذا الشاب الأربعين انكشفت له تحليقات سبعة لطائر الذكاء، وسقطات سبع لخفاش الغباء، فدوَّنها حتى يُطْلِعَ الخضر عليها في لقاء موعود هذا وَصفُهَا:
من علامات الذكاء سبع باهرة:
أولا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الذكاءَ متوافرٌ في غَيْرِك، (وإلا فمَن علمك اللغة والمعقولات والقيم والفنون وحقائق الطبيعة والتقنية إلا من يتوافر على ذكاء من قبلك؟).
ثانياً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الذكاءَ متوافر في غَيْرِك أحياناً على نحو أشد، (وإلا فهل سبق أن شيدت مباحث المعقولات أو حقائق الطبيعة أو علوم اللغة ما شهد لك به الأساتذة والأقران؟).
ثالثاً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ من هو أذكى منك وإن كان جبلاً عظيماً في العلم والذكاء يخطئ، (وإلا كيف تقدمت العلوم وَوُجِدَ من يُثَنِّي على منطق أرسطو، ويصوِّب فلك بطليموس، وينقد طب جالينوس، ويخالف فقه أبي حنيفة، ويضعِّف رواية أصحاب السنن وهم من هم؟).
رابعاً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ طريقَكَ إلى الذكاء لا يكون إلا بالتعلم ممن هو أذكى منك، فالتناصح مع من يساويك في الذكاء، مع المباعدة عن الأغبياء، (وإلا هل رأيتَ مبتدئاً في مسار التعلم مساوياً لنفسه بعد عقد أو عقدين من طلب العلم؟).
خامساً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ طريقَكَ إلى الذكاء يكون بتقريب الجهول والغافل والغبي من الذكاء وتحبيبهم به أيضاً (وإلا هل كان سقراط إلا داعيةً، وأرسطو إلا مُعلِّماً، وابن خلدون إلا مُهَذِّباً ومُوَلِّفاً للعلوم؟).
سادساً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ كل ما قدمتَ من أجل الذكاء لا يمكن أن يحقق اكتماله. فالذكاء لا يكتمل لا في حوزة الذات ولا حوزة الجماعة. (وإلا كيف يجاوز الذكيُ نفسَهُ بين مذهب الصِبَا ومذهب الكهولة، والمؤلِّفُ بين طبعة الكتاب الأولى والأخيرة، وكيف يتطور المذهب نفسه بين مرحلة المؤسس وبين تهذيب المتأخرين بعد قرون؟)
سابعاً: وأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ دوام تكامل الذكاء من كامل لأكمل فأكمل، لا يلزم عنه بلوغ تمام الحق، ولا الإجابة عن كل سؤال، ولا معرفة كل مجهول، إذ مكابدة المعرفة لا تنتهي. (وإلا فانظر عقوداً وقروناً من التداوي والتطبب بأساليب ثبت فشلها في أجيال لاحقة، وكذا انظر حال أنظمة الحكم الاستعبادية والإقطاعية قروناً ما صِرنا نراهُ ظلماً اليوم). أو قُلْ طائر الذكاءُ يطير بجناحين ورأس. الأول استيعاب لتاريخ العلم والعلماء بأَنْ تَعْلَمَ بأَنَّ الذكاءَ متوافرٌ في غَيْرِك، بل قد يزيد عند هذا الغير، وأن الذكاء يَرِدُ مخلوطاً بالخطأ. الجناح الثاني انشغال اجتماعي حاضر يوجب فيه الذكاءُ التعلم من جماعة الأذكياء وتعليم من فاتهم الذكاء. ورأس الطائر هو إقرار بأن كل ذكاء فوقه نقد ينقله لذكاء بعده، وأنه وعلى دوام النقص فلا يَعِيبُ مَطلَبَ المعرفةِ دوامُ نَقصِهِا. وباجتماع جناح الماضي وجناح الحاضر مع رأس حاذقة جازَ لطائر الذكاء أن يطير إلى مستقبل الإبداع، وهو ثمرة مراتب الذكاء. وعليه فالذكاء شعور بدوام الافتقار للمعرفة، وعمل بدوام تقليب الحقائق من مَظَانِّها طلباً لمجاوزة الماضي والحاضر إلى ما لا سابق له من الإبداع. مع الإقرار بعدم التأَلُّهِ والتكيف مع النقص البشري.
وعلى الضد فعلامات الغباوة سبع فاضحة:
أولا: فإن كُنْتَ لا ترى الذكاء إلا في نفسك، فأنت غَبِيٌّ مصمت الذهن لا سبيل لك إلى التعلم وما رأيت الذكاء في نفسك إلا توهماً أو لفسحة عابرة. (وهذا أشبه بالشاب الصغير الذي يتصدى لنقد الأديان والطوائف والمذاهب والفلسفات، ولم يدرس من مداخِل كتبها أبداً، بل يعجز عن فعل ذلك).
ثانياً: وإن كُنْتَ لا ترى الذكاء فيمن هو أذكى منك بطبقات، فأنت جهول لم تنقِّبْ عن أساطين العلوم وحذاق البحوث. (وهذا أشبه بالداعية المحموم الذي يتصدى لنقد الأديان والطوائف والمذاهب والفلسفات، ولم يخالط أمهات كتبها ويتعرف على دقائق احتجاجها أبداً).
ثالثاً: وإن كُنْتَ لا تتخيل الخطأَ على من هو أذكى منك بطبقات، فأنت غِرٌّ ابن لحظتك لم تَدرُس تاريخَ العلوم وتطور المباحث. (وهذا أشبه بالمُتَمِذهِب الذي يتصدى لنقد الأديان والطوائف والمذاهب والفلسفات ولم يخالط كتب تاريخ العلوم أبداً، ولم يقع على الشكوك على ما هو سائد منها اليوم).
رابعاً: وإن كُنْتَ لا تتعلم ممن هو أذكى منك، ولا تتناصح مع أقرانك، ولا تنأى عن الأغبياء، فأنتَ فارٌ من التمدرس بعد أن أُكْرِهْتَ عليه، أو حامِلٌ نفسك على تقاعد في غير أوانه بعد أن كان لك في البحث العلمي بعض نصيب، أو نازل بنفسك إلى قبر المعرفة.
خامساً: وإن كُنْتَ متوافراً على قدر من الذكاء ولا شأن لك بتقريب الجهول والغبي من الذكاء، فلن تُنتج إلَّا طلاسمَ لن يفهمها سواك، أو مخطوطات مُخبَّئَةٌ ستضيع بموتك.
سادساً: وإن كُنْتَ جاوزتَ عثرات الغباء عَثَرَةً عَثَرَةً حتى بلغت مظنة اكتمال الذكاء، فلا قَدَرْتَ أنت على مجاوزة أطروحات نفسك، ولا الجماعةُ قَدَرَتْ على مجاوزة أطروحات نفسها، فقد بدأتَ أنت وجماعتك في الانزلاق إلى الغباوة.
سابعاً: وإن كُنْتَ نجوتَ من تعظيم الذات وعصمة الجماعة وعملتَ بدوام نقد الذات والمجاوزة، لكن تكالب عليك لا تناهي السؤال، وادلهمام الإشكال، وتعاظم الوجه المجهول وتصاغر القدر المعلوم فأستعظمْتَ المكابدةَ وقلت بعموم الجهل والقعود عن البحث واليأس من الطلب، فقد انهدم سد الذكاء لديك وفاض كل ما جمعت إلى صحراء اليأس، فكأن كل ما كان ما كان. فانقلب كثير من ذكائك إلى غباوة.
أو قُلْ خفاش الغباء يطير بجناحين ورأس. الأول عماوةً عن تاريخ العلم والعلماء بأَنْ تُنْكِرَ أَنَّ الذكاءَ متوافرٌ في غَيْرِك، أو تُنْكِرَ أنه قد يزيد عند هذا الغير، وألا تتصور وقوع كبار الأذكياء في الخطأ. الجناح الثاني حبسةٌ اجتماعية حاضرة تأمر بعدم الانشغال بالتعلم من جماعة الأذكياء وتمنع تعليم من فاتهم الذكاء. ورأس الخفاش عماوة عن كون كل ذكاء فوقه نقد ينقله لذكاء بعده، وأنه مع دوام النقص يصار إلى اليأس من مطلب المعرفة لدوام نقصها. وباجتماع جناح الماضي وجناح الحاضر مع رأس يائسة وجب على خفاش الغباء أن يطير إلى كهف الجاهلية المظلم. وعليه فالغباء شعور بدوام الاستغناء عن المعرفة (أو دوام الجمود على المقررات المعهودة دون استيساع)، وعملٌ بالتخاذل عن موجباتها طلباً للنكوص عن الحاضر والمستقبل لما لا سابق له من الارتزاء. مع الميل إلى التأله الفكري أو الكآبة من النقص البشري.
الحاصل من سلوك الطائِرَيْنِ أن الذكاء استشعارٌ وجودي لموقع الإنسان من حقائق الوجود وكوامنه وغوامضه، والفعل المتولد عن ذلك الاستشعار. بينما الغباء تبلد وجودي يعيق من استشعار الإنسان لموقعه من حقائق الوجود وكوامنه وغوامضه، والإفساد المتولد عن ذلك التبلد. وعليه فحتى تكون ذكياً فاحذر أن تكون مُصمت الذهن، جهولاً، غِراً، فاراً، عازفاً عن تعليم الغير، ثابتاً على خلاصة ما، يائساً من وجوب المكابدة قاعداً عن دوام الافتقار والطلب.
فمر الرجلُ بالخِضْرِ واطلعه على خلاصته من سَبْعٍ وسَبْعٍ، فأجابه بالإقرار لكن قال الخِضْرُ: أخبرتَنَا عن المقاصد والاستعدادات الفردية المُوصِلَةِ للذكاء وسلوك الجماعة الحاملة له، لكن لم تخبرنا عن «ماهيته»؟ فقال الرجل زدنا من ذلك يا خِضْر. فقال: تركت فيكم صاحب «المنهجية الاستئلافية»، سيخط لكم عن ماهية الذكاء في قابل الأيام.
*أكاديمي أردني













































