اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
تداول حالات اختناق وتحويل مصابين إلى المستشفيات بسبب تعطل الآلات الطبية المنزلية
خلّف القطع المتكرر للكهرباء في تونس، جدلاً واسعاً في صفوف التونسيين بين مستهلك متذمّر غير قادر على تحمل درجات الحرارة، ومريض يحتاج إلى التيار الكهربائي على مدار الساعة، ومصانع ومؤسسات باتت متعطلة.
وبرّرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز عمليات قطع الكهرباء بارتفاع الطلب ومن أجل الحفاظ على سلامة الشبكة وحتى لا يقع انقطاع.
ويعد مسؤولو الشركة تلك الانقطاعات ضرورة ملحة للحفاظ على تزويد البلاد بالتيار الكهربائي، إلا أن تلك العملية تعمّق محنة فئات واسعة من التونسيين الذين هم في أمسّ الحاجة إلى التيار الكهربائي لتشغيل آلات طبية في المنازل كآلات المساعدة على التنفس أو آلات تعديل نبضات القلب والأسِرّة الطبية التي تعمل بالكهرباء.
فكيف عاش هؤلاء تلك الانقطاعات المتكررة التي تدوم ساعات؟ وهل من حلول بديلة لاستمرار التيار الكهربائي لهذه الفئات؟
في غياب معلومات رسمية، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المحلية وفاة امرأة في محافظة القصرين (وسط)، في العقد الخامس من العمر، إثر تعطل آلة التنفس المنزلية التي تستعملها، بسبب انقطاع للتيار الكهربائي، وتم تداول حالات اختناق وتحويل مصابين إلى المستشفيات بسبب تعطل الآلات الطبية المنزلية، علاوة على صعوبات مشابهة يواجهها طيف واسع من التونسيين الذين يحتاجون إلى التيار الكهربائي على مدار الساعة.
كلفة إنسانية قاسية ومرعبة يدفعها التونسيون بسبب انقطاع الكهرباء الذي يمثّل للآلاف منهم خطراً وجوديّاً حقيقيّاً.
تقول السيدة آمنة، وهي ستينية تقطن بالضاحية الجنوبية للعاصمة، إنها 'بحاجة إلى تشغيل مكثف الأوكسجين على مدار الساعة، أو كلما شعرتُ بحاجتي إلى الأوكسجين'، مضيفة 'عملية قطع الكهرباء حوّلت حياتي إلى جحيم، أقطن في الطابق الثالث في عمارة حديثة، وعند قطع الكهرباء يتعطل المصعد الكهربائي، فلا يمكنني مغادرة المنزل، التيار الكهربائي ضرورة حياتية، إنها مسألة حياة أو موت'.
تقضي آمنة ساعات طويلة إلى جانب جهاز الأوكسجين، ولا تبارحه إلا لفترات قصيرة، ويمثل انقطاع الكهرباء كابوساً لأنه يقطع أنفاسها ويشلّ حركتها.
تتساءل السيدة آمنة 'لماذا لا تضع شركة الكهرباء والغاز في اعتبارها مثل هذه الحالات الاستثنائية؟ أنا مضطرة إلى ملازمة جهاز تكثيف الأوكسجين، فكيف يمكنني أن أعيش من دون كهرباء؟ ماذا أفعل؟'.
يبقى سؤال السيدة آمنة معلقاً ينتظر إجابة من الجهات الرسمية التي تتعامل مع جميع التونسيين كمستهلكين متشابهين، ولا تضع في اعتبارها مثل تلك الحالات.
وحالة آمنة تشبه وضع عدد من المؤسسات التي يتوقف نبض الحياة فيها بانقطاع التيار الكهربائي كالمصحات الخاصة والمصانع وغيرها من وحدات التبريد.
تقول نور، وهي ممرضة في مصحّة خاصة، إنّ 'الأجهزة الطبية في المصحة التي تعمل فيها تتوقف تماماً وتضطر إلى تعويض تلك الآلات بالعمل اليدوي من أجل المحافظة على حياة المريض، وبينما تحتاج أقسام الإنعاش والجراحة إلى درجات حرارة منخفضة، فإنّ انقطاع التيار الكهربائي يخرجها عن الخدمة تماماً'.
يمثل قطع التيار الكهربائي محنة لكل التونسيين، بينما تكون هذه المحنة مضاعفة بالنسبة إلى عبدالرؤوف الذي أصيب بشلل نصفي بسبب حادثة مرور مأسوية، أقعدته عن الحركة، يستخدم في المنزل كرسياً متحركاً تتطلب بطاريته شحناً كهربائياً، وسريراً طبياً يعمل بالكهرباء، علاوة على كثير من الأجهزة الطبية الأخرى التي تساعده على الحركة وتتابع دورته الدموية، حتى لا يكون عالة على غيره.
يقول 'هل من حقنا أن نتمتع بالتيار الكهربائي باعتبارنا من المسهمين في الضرائب ولا نتخلف عن دفع ما نستهلكه من الكهرباء؟ إذاً لماذا يتم حرماننا من أبسط حقوقنا؟'.
لا يكترث عبدالرؤوف والسيدة آمنة لبلاغات الشركة الوطنية للكهرباء والغاز حول المواعيد والمناطق المعنية بانقطاع التيار الكهربائي، ما يعنيهم هو أعمق من المعلومة، هو حقهم في الحياة لأن التيار الكهربائي في المنزل بالنسبة إليهم ليس ترفاً بل هو نبض حياتهم.
لا تجيب الشركة الوطنية عن مثل هذه الأسئلة، وما يعنيها هو سلامة الشبكة واستمرار التزويد بالكهرباء وهو ما دفع بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى إصدار بيان عدت فيه 'الانقطاع المتكرر والمستمر للكهرباء والماء في كثير من الجهات، يمثل إخلالاً جسيماً بحقوق التونسيين والتونسيات الأساسية، وانتهاكاً صارخاً لكرامتهم وحقهم في الحياة والصحة، ويجسد تقاعس الدولة عن الوفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان استمرارية المرافق والخدمات العمومية الأساسية'.
وأكدت الرابطة 'تضامنها الكامل مع المواطنات والمواطنين المتضررين من هذا التقصير'، وحمّلت السلطات المعنية 'كامل المسؤولية القانونية والسياسية عن الأضرار الناجمة عنه، وبخاصة ما يتعلّق بتهديد السلامة الجسدية والصحية للمواطنين'، وطالبت بفتح 'تحقيق عاجل ومستقل في أسباب هذه الانقطاعات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته'.
في المقابل، أكد المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة، في تصريحات إعلامية، أن 'الانقطاعات التي تشهدها كثير من المناطق في تونس، تعود إلى الارتفاع غير المسبوق في استهلاك الكهرباء، الذي تجاوز القدرة المتاحة للإنتاج'، مضيفاً أن الشركة اضطرت إلى اعتماد ما يعرف بـالقطع الدوري للكهرباء، بهدف المحافظة على استقرار الشبكة الوطنية وتفادي انهيارها، لافتاً إلى أن 'القطع الدوري يبقى إجراء وقائياً وضرورياً في مثل هذه الظروف الاستثنائية، لتفادي الانقطاع الشامل للكهرباء على كامل تراب الجمهورية'.
يرى متابعون أن ما تمرّ به الشركة الوطنية للكهرباء والغاز ليس مجرد خلل فني عابر بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بل هو نتيجة حتمية لمنظومة حوكمة اقتصادية فاشلة استمرت لأعوام كثيرة من دون إصلاح.
ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية رضا الشكندالي، في تصريح خاص، أنّ 'ديون الشركة الوطنية للكهرباء والغاز غير المستخلصة تجاوزت 6 مليارات دينار (3 مليارات دولار)، وتنتج تونس أكثر من 95 في المئة من الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي المستورد بالعملة الصعبة، بينما تبيع الشركة الكهرباء إلى التونسيين بأسعار مدعومة، وهو ما عمّق عجز الشركة، ومنَعها من تجديد محطات النقل والتوزيع التي لم تعد قادرة على تحمّل ذروة الطلب على الاستهلاك في الصيف' .
يدفع المستهلك في تونس فاتورة عالية من استهلاك الكهرباء، مقابل خدمات متدنية قد تصل إلى قطع أنفاس المرضى في منازلهم، علاوة على تعطيل العجلة الاقتصادية في كثير من القطاعات والمرافق الحيوية.
وللخروج من هذا المأزق يدعو الشكندالي إلى 'ضرورة التدخل العاجل لإنقاذ شركة الكهرباء، بتطهير ديونها المتخلدة لدى المؤسسات العمومية، ووقف نزف السرقات والربط العشوائي بصورة فورية، ومراجعة منظومة الامتيازات المجانية داخل الشركة لمواءمتها مع واقع الأزمة، وتحرير إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، لتخفيف الضغط على الغاز المستورد بالعملة الصعبة'.

























