اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
رياض خليف*
تحتاج علاقة الرواية بالتاريخ إلى تعهد دائم، رغم ما نالته من دراسات كثيرة… ولعل الوقت حان، لكشف طبيعة هذه العلاقة بأكثر واقعية، فهي لم تعد تعتبر علاقة تكامل وحنين ولا محاولة محاكاة مثلما يفعل ذلك كتاب الأنظمة المغرمة بتخليد تاريخها البطولي، ولو بنصوص مزيفة.. ولكنها علاقة تضارب أجناسي فلكل من التاريخ والرواية جنسه وأدواته، وهي أيضا علاقة تنازع واختلاف، فكثيرا ما بدت الرواية ساخرة من التاريخ وناقدة له، فالرّواية المعاصرة تمارس «الاستدعاء التهكمي الساخر، المتعمّد للتاريخ» (ليندا هيتشون جماليات ما وراء القص تعريب أماني أبو رحمة دمشق دار نينوى ط1، 2010) فكتابة التاريخ روائيا قراءة للنص التاريخي الذي نعتبره نصا سابقا، تبني عليه الرواية تاريخها، وتعلّق عليه، وتحاول مراجعته. ونحن نفهم مصطلح ما وراء القص التاريخي الذي أطلقته هيتشون وفق هذا التصوّر. فهو سرد متمعن في التاريخ ومعلّق عليه. «فالعلاقة بين الرواية والتاريخ أكثر تعقيدا من مجرد التفاعل والتضمينات المتبادلة» (المرجع السابق نفسه)، ولعلنا نذهب إلى أبعد من هذا النقد، فالروائي العربي كثيرا ما يرغب في محاكمة هذا التاريخ وفضحه وتقويضه، باعتباره تاريخا قائما على المحو والحجب والتلوين.
هذه الرؤية تتبدى في رواية نصر بالحاج بالطيب «سيف الصوان»، وهي في الحقيقة هاجس يظهر في مختلف رواياته، التي غاصت في ذاكرة الصحراء «انكسار الظل، تمبانين، بير عوين…»، فهو ينتصر في هذه الرواية للذاكرة الشعبية الجماعية المهمشة والمنسية مقابل التاريخ الرسمي. فشخصية مثل بوبكر الروبي، أو السرجان الشاف، هي شخصية اختلقها الروائي من الذاكرة الشعبية، التي تحفظ جيدا أمثالها ممن صمت التاريخ الرسمي عن ذكرهم، وربما وضعهم في المقام المقابل، فقد انتقل بعض خدم الاستعمار ومعاونيه إلى الواجهة الشريفة وعدوا من الأعيان والمقاومين، وهو ما تحاول الكتابة الروائية التصدي له وما يبدو هاجسا في سيف الصوان.
السرجان شاف…
في المنطقة نفسها التي دارت فيها أحداث روايتيه الأخيرتين تقريبا، يبعث الروائي شخصية بوبكر الروبي وهي شخصية متخيلة لتمثل نموذج الخائن وخادم الاستعمار في فترتي ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، تمارس جورها وبطشها بالسكان، ولاء للمستعمر الذي مكنه من الامتيازات، وتعرض الرواية نماذج من أعمال هذا الخائن ونظرياته في الحياة، مصورة هواجسه ونهايته، كاشفة عاره الذي لن يمحوه التاريخ.. لكن الطابع الخيالي لهذه الشخصية لا يقطع صلة الرواية بالتاريخي المرجعي.. فالتاريخي يحضر مجرد طعم ليوهم القارئ بمصداقية الخيالي وليؤطر السرد التخييلي، ويمكن ترصده في جملة من العناصر:
*تاريخية الفئة الاجتماعية التي نحت منها الروائي شخصية الروبي، فقد حرصت فئة على موالاة الاستعمار وخدمته واشتغلت في جيوشه وساهمت في التنكيل بالمواطنين وقمعهم.
* الفضاء الأنثروبولوجي والجغرافي الذي دارت فيه الأحداث.
* تاريخ الحرب العالمية وما جدّ خلالها من هزيمة لفرنسا من طرف قوات المحور ثم اندحار له..
* أسماء الشخصيات والمواقع العسكرية الفرنسية التي كان لها وجود وساهمت في سنوات الاستعمار…
ولكن الرواية وهي تعرض عن التاريخ الرسمي تجد في الشعر نصيرا لها..
ذاكرة الشعر:
يتخذ نصر بالحاج بالطيب من الذاكرة الشعرية المحلية سندا، فالمدونة الشعرية الشفوية المشهود لها بالحكمة، تبدو بشكل لافت في مختلف مفاصل الرواية، فالروائي يجعلها على ألسنة مختلفة، يرددها السارد والشخصيات لما فيها من حكم وتوثيق للحظات المهمة.. ولعل هذا الحضور المتميز يلوح منذ البداية فقد صدّر الروائي عمله بأبيات لشاعر شعبي:
«يقول الشيخ سالم بن عمران في رثاء الشيخ الشهيد علي بلطيف:
وتاريخهم بشهايده مليان لا ملفقة ولا مزيفة تزييف
وكانك مكذب انشد الجيران هم يعرفوا كان وقع تحريف…»
ولعله من شأن هذا التصدير أن يوحي للقارئ بهاجس التاريخ الكامن في هذا النص الروائي، وعلى هذا النحو يتتالى حضور الشعر داخل الرواية، ناهضا بخطابات مختلفة ومعبرا عن مواقف شتى، فيأتي صوت مظفر النواب وعلي الصيد وسالم بوخف والطاهر بن عمران وعبدالله بن عبد العزيز وحمد البرغوثي ومحمد الطويل والبشير عبد العظيم وغيرهم…
إن الشعر يلعب دورا مهما في مناصرة الرواية، ولعله الشاهد على فضحها للتاريخ الرسمي لكن حضور هذه الأصوات المحلية التي ينتمي أغلبها إلى جهة دوز يجعل الرواية تلعب دورا ثانيا بقطع النظر عن دفاعها عن الذاكرة التاريخية، فهي أيضا تحتفي بالذاكرة الثقافية وبالتاريخ الثقافي الشفوي للجهة، وهي خاصية أساسية من خصائص التجربة الروائية لنصر بن الحاج بالطيب، الذي وشح مختلف رواياته بمختارات شعرية محلية شفوية دالة ومعبرة.. فرواياته من هذه الناحية توغل عميق في ثقافة المكان ومعاجمه وجغرافيته، وهو ما لم تحد عنه هذه الرواية التي تعد فصلا آخر من رحلة كتابة ذاكرة الصحراء التونسية وتراثها ودروبها في تجربة نصر بالحاج بالطيب الروائية التي تخفي الكثير…
كاتب تونسي













































