اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
واشنطن- حذر الباحث دانيال دبليو. دريزنر، العميد الأكاديمي وأستاذ السياسة الدولية بجامعة تافتس، في مقال مشترك مع إليزابيث أن.ساندرز، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كولومبيا ونشراه بدورية “فورين أفيرز”، من أن يدفع تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بطة عرجاء بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس إلى المجازفة في السياسة الخارجية. وناقشا أن ترامب أصبح بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي في المرحلة الانتقالية من رئاسته.
وقال الكاتبان إن الرؤساء الذين يفقدون سيطرتهم على الكونغرس في ولايتهم الثانية، يكتشفون أن الوقت قد فات لإقرار تشريعات رئيسية أو إطلاق مبادرات سياسية داخلية أخرى. وبينما يفكرون في إرثهم، غالبا ما يتجه هؤلاء الرؤساء إلى السياسة الخارجية، حيث تتيح لهم سلطة الرئاسة التصرف بحرية تامة بعيدا عن ضغوط السياسة الداخلية.
وليس من المستغرب أن يسعى الرئيس المنتهية ولايته إلى تحقيق هدف نهائي نبيل في الخارج. فعلى سبيل المثال، بذل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون جهدا كبيرا في محاولة تقديم مقترح لتسوية نهائية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في نهاية ولايته. إلا أن فترة العامين المتبقين لترامب لن تكون مماثلة لفترات أسلافه. فقد مر بالفعل بما كان يعتبر على نطاق واسع آنذاك مرحلة انتقالية، بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 وكانون الثاني/يناير 2021. واستغلها للطعن في نتائج الانتخابات رغم الأدلة الواضحة على فوز جو بايدن.
ومن هنا يعد ترامب أول رئيس أمريكي خلال المئة عام الماضية يشغل منصب الرئاسة لفترتين غير متتاليتين، وبالتالي فهو الزعيم الأمريكي الوحيد في الذاكرة المعاصرة الذي يمر بفترة رئاسية ثانية غير مكتملة، وهذه المرة تمتد لأكثر من عامين.
ومع اقتراب تولي الديمقراطيين مجلسي النواب والشيوخ، فإن التهديد بعزله أو التحقيق في معاملات عائلته التجارية سيشعره على الأرجح بأنه محاصر وغاضب. وهذا ما يجعل ما تبقى من ولاية ترامب الرئاسية بالغ الخطورة. فترامب المحاصر، الذي لا يملك منفذا واضحا وحيويا في السياسة الخارجية لتوجيه طاقته، قد يقدم على هجمات دولية.
ويقول الكاتبان إن هناك العديد من الطرق التي يمكن لترامب من خلالها التصرف بعيدا عن الكونغرس، مثل إصدار تهديدات جديدة ضد كندا أو شن هجمات جديدة على تحالفات الولايات المتحدة، أو التواطؤ مع روسيا أو الصين على حساب أوكرانيا أو تايوان. لكن تحويل تلك التهديدات إلى سياسة يتطلب جهدا جادا، مثل إعادة تموضع القوات الأمريكية أو التفاوض المؤلم مع القوى العظمى الأخرى.
والملفان اللذان يمكن لترامب التحرك فيهما هما إيران وكوبا، فقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إدارة ترامب وإسرائيل وضعتا خططا لشن ضربات جديدة على إيران فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي. ومع ذلك، يقلل الكاتبان من فرصة نجاح محاولة أخيرة لإجبار طهران على الاستسلام، بل إنها ستعرّض الاقتصاد العالمي وأمن واستقرار حلفاء واشنطن في الخليج العربي للخطر. وربما يحاول ترامب أيضا فرض تغيير النظام في كوبا، ولن يتطلب العمل العسكري ضد كوبا وإيران سوى موافقة من الرئيس. ومع عدم وجود انتخابات في الأفق، فإن كل ما يقيده في الخارج هو شعوره بإرثه.
ويعرّف الكاتبان المرحلة الانتقالية للرؤساء بتلك التي لم يعودوا فيها بحاجة إلى خوض الانتخابات، سواء الرئاسية أو انتخابات التجديد النصفي. وبالنسبة لرئيس في ولاية واحدة خسر محاولته لإعادة انتخابه، تستمر هذه الفترة بضعة أشهر فقط بين انتخاب خليفته وتنصيبه. أما بالنسبة لرئيس في ولاية ثانية، فقد تستمر عامين، بين انتخابات التجديد النصفي ومغادرته منصبه.
وعادة ما يميل هؤلاء الرؤساء الذين تحرروا من أعباء الحملات الانتخابية والتشريعات ولم يعد لديهم رأس المال السياسي المحلي، نحو الدبلوماسية، مستغلين الفرص الخارجية التي ما كانوا ليجرؤوا على اغتنامها سابقا.
فقد حاول كلينتون التوسط في اتفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية، وترتيب زيارة رئاسية إلى كوريا الشمالية في نهاية ولايته الثانية. وبعد خسارته انتخابات التجديد النصفي لعام 2014، أبرم الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي الإيراني، وطبع العلاقات مع كوبا.
كما استخدم الرؤساء المنتهية ولايتهم القوة العسكرية بطرق ربما لم يكونوا ليستخدموها في الفترة التي تسبق الانتخابات. فعلى سبيل المثال، تدخل جورج بوش الأب في الصومال نهاية عام 1992 بمهمة محدودة لتخفيف حدة المجاعة. وبعد أكثر من عقد من الزمان، في عام 2007، أرسل جورج دبليو بوش دفعة من القوات لتحقيق الاستقرار في العراق بعد انتخابات التجديد النصفي القاسية التي بدا فيها أن الناخبين يرسلون رسالة مفادها أنه يجب عليه الانسحاب من الحرب الفاشلة هناك.
ولم تكن نتائج هذه التوجهات الخارجية واحدة، فقد فشلت مفاوضات كلينتون الإسرائيلية الفلسطينية، وكانت المكاسب الدبلوماسية لأوباما قصيرة الأجل، ونجحت مهمة جورج بوش الأب في الصومال إلى حد كبير بمنع الجوع، لكنها تركت جذور الصراع دون حل، مما أغرى كلينتون بتوسيع نطاق المهمة بعواقب وخيمة، أما زيادة القوات في العراق فقد خففت العنف على المدى القصير، لكنها لم تسهم إلا قليلا في تحقيق استقرار دائم للبلاد. وقد نوقشت هذه الجهود، على أقل تقدير، ووضعت خطط لها بمشاركة جهات حكومية معنية وخبراء خارجيين. وكانت أهدافها واضحة، حتى وإن لم تتحقق. وفي كل حالة، حاول الرئيس شرح سياساته وتبريرها، وهي معايير لطالما فشل ترامب في تحقيقها.
ومع تراجع شعبية ترامب بعد انتخابات التجديد النصفي ومع استمراره في السعي للفوز بجائزة نوبل للسلام، قد يتوقع المرء أن يلجأ إلى الدبلوماسية. لكن المشكلة تكمن في أنه استنفد بالفعل العديد من المناورات الواضحة المتاحة له في نهاية ولايته. فخلال ولايته الأولى، انتهج ترامب سياسة خارجية جريئة، فسحب نفسه من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والتقى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون ثلاث مرات، واستبدل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية باتفاقية تجارية إقليمية خاصة به، وسهل تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وانسحب من مجموعة من الاتفاقيات الدولية.
ومنذ عودته إلى منصبه عام 2025، أشرف ترامب على وقف إطلاق النار في غزة، وقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ومن هنا، لا تتوقع عودة ترامب إلى معظم هذه المبادرات، لأنه وصل إلى حدود ما يمكن أن تحققه دبلوماسيته الاستعراضية. فقد تعهد على سبيل المثال، بضم غرينلاند، لكنه اكتفى باتفاق يوسع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة. وسيستمر “مجلس السلام” الذي روج له كمنافس لمجلس الأمن الدولي في أداء مهامه، إذ لم تعد الدول الأخرى تشعر بالحاجة إلى الخضوع لنزواته.
وهناك محاولات أخرى بعيدة المدى قد يلجأ إليها ترامب، مثل محاولة إنهاء النزاعات المستعصية في كشمير أو السودان، لبناء سمعة صانع سلام. لكن هذه مشاكل صعبة جدا، وتتطلب مستوى من البراعة والخبرة الإقليمية والصبر، وهي أمور يفتقر إليها ترامب. فهو نادرا ما يستثمر وقتا ذا قيمة في الدبلوماسية، كما يتضح من مزاعمه المشكوك فيها بإنهاء سلسلة من النزاعات، التي لا يزال الكثير منها مستمرًا.
ولعل أكبر خطوة يمكن أن يتخذها ترامب هي تشكيل “مؤتمر القوى العظمى”، وهو منتدى يعمل فيه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينغ لفرض نظام عالمي. ولكن كما هو الحال في معظم اجتماعاته السابقة مع بوتين وشي، فمن غير المرجح أن تسفر القمم المستقبلية عن أي شيء ذي قيمة، حيث لم تبد روسيا الصين اهتماما يذكر بمعاهدة الحد من الأسلحة النووية الثلاثية التي طرحها ترامب. كما أنهما ليستا متحمستين للضغط على إيران للموافقة على اتفاق مع الولايات المتحدة.
وقد يستغل ترامب تلك الاجتماعات للتضحية بأوكرانيا أو تايوان في محاولة يائسة للتوصل إلى اتفاق سلام. لكن كما أظهر العامان الماضيان، فإن بوتين غير مهتم بالتسوية، ولديه الموارد اللازمة لمواصلة القتال. كما ينظر شي إلى تايوان على أنها شأن داخلي صيني، ومن غير المرجح أن يقبل بأي قيود على نهجه تجاه الجزيرة. وسيدرك ترامب في نهاية المطاف أنه من الأفضل له استغلال الصورة العامة لقمة القادة الثلاثة بدلا من بذل جهود دبلوماسية أكثر.
وربما يقرر ترامب أن يتحرك ضد إيران، فهو يعتقد بأن تصعيد الحرب قد يكسر الجمود وينقذ إرثه السياسي. لكن القادة الإيرانيين لن يتراجعوا أمام المزيد من القوة. بل من المحتمل أن يكثفوا هجماتهم على السفن التجارية ويضربوا حلفاءهم في الخليج، ويتجاهلوا المساعي الدبلوماسية حتى يغادر ترامب منصبه. علاوة على ذلك، قد تكون خيارات ترامب محدودة: فتصعيد أمريكي أكثر جذرية ضد إيران، مثل نشر قوات في جزيرة خرج، من المرجح أن يكون غير شعبي لدرجة تجعله يتجنبه. حتى أشد مؤيدي ترامب سئموا من ارتفاع الأسعار الذي تسببت به حربه. وقد يؤدي تجدد الصراع إلى إغراق العالم في أزمة اقتصادية.
وربما يحاول ترامب فرض تغيير النظام في كوبا. فقد فرض حصارا شاملا على الجزيرة من بداية عام 2026 في محاولة لإضعاف دفاعاتها. ومع توقف شريان الحياة الفنزويلي وانقطاع الكهرباء عنها لساعات يوميا، تفاقمت المصاعب الاقتصادية والمعاناة الإنسانية في كوبا بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. ويعد إسقاط حكومة كوبا أولوية شخصية لماركو روبيو، وزير خارجية ترامب ومستشاره للأمن القومي، ويتماشى ذلك مع “مبدأ دونرو”، الذي يؤكد على سيادة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
وبالنسبة لترامب، يعد الهجوم على كوبا خيارا جذابا لأنه لا يتطلب موارد عسكرية كبيرة، وسيحل في رأيه على الأقل، مشكلةً لطالما أرقت الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية إدارة أيزنهاور.
وبالطبع، كما بيّن عالم السياسة ألكسندر داونز، فإن استخدام القوة لتغيير الأنظمة نادرا ما يجدي نفعا، وغالبا ما يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، وفي حالة كوبا، قد يعني ذلك تدفقا جديدا للاجئين إلى الولايات المتحدة.
وبالمحصلة، استنفد ترامب بالفعل العديد من الخيارات المتاحة له في نهاية ولايته.
إلا أن هذا قد لا يمنعه من المقامرة، على أمل أن يصبح رئيسا ويطيح أخيرا بالنظام الشيوعي. أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فلا شيء يسعد ترامب أكثر من محاولة حل معضلات مستعصية. وقد ينظر أيضا إلى تغيير النظام في كوبا كوسيلة لصرف الأنظار عن فشله في إيران.
وهناك احتمال آخر، وهو أن يركز ترامب جهوده السياسية في الخارج على إثراء عائلته. فقد خلق بالفعل فرصا كثيرة لجهات أجنبية لشراء النفوذ في إدارته. ووفقا لمجلة “ذي نيويوركر” فقد جنت عائلة ترامب 4 مليارات دولار.
لكن الخيار الأكثر إثارة للدهشة في السياسة الخارجية الذي قد يتخذه ترامب خلال فترة ولايته الأخيرة، هو عدم القيام بأي شيء على الإطلاق. فقد انشغل بإعادة تشكيل واشنطن العاصمة وفقا لرؤيته الخاصة، من خلال إعادة تصميم المكتب البيضاوي وتصميم قاعة احتفالات في البيت الأبيض ومحاولة تجديد مركز كينيدي.
وهناك احتمال أن يقضي العامين الأخيرين من ولايته في إصدار قرارات العفو ومحاولة مقاضاة خصومه السياسيين وإقامة النصب التذكارية لنفسه. وبالنظر إلى البدائل المتاحة، قد يكون التحرك في السياسة الخارجية هو السيناريو الأمثل لفترة ولاية ترامب الأخيرة.













































