اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
في غضون ساعات قليلة، تحولت واقعة سرقة تعرض لها مندوب شحن إلى قضية رأي عام، بعدما اجتاحت تفاصيلها مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبة بمشاعر تعاطف واسعة مع الضحية، وغضب عارم تجاه الجاني. لكن، وكما يحدث في كثير من القضايا التي تتصدر 'التريند'، لم تظل الرواية على حالها طويلًا، إذ سرعان ما ظهرت خيوط جديدة قلبت المشهد وفتحت الباب أمام تساؤلات معقدة حول حقيقة ما جرى.
فبين رواية مندوب الشحن الذي أكد تعرضه لعملية سرقة محكمة، ورواية أسرة الطالب وُجهت إليه الاتهامات، تتشابك التفاصيل، وتبقى الحقيقة الكاملة رهن التحقيقات الرسمية، التي بدأت بالفعل في كشف مفاجآت غير متوقعة.
بدأت القصة بمنشور نشره مندوب شحن يعمل بإحدى شركات التجارة الإلكترونية، روى فيه تعرضه لواقعة سرقة أثناء تأدية عمله. ووفقًا لروايته، كان في طريقه لتسليم عدد من الهواتف المحمولة إلى أحد العملاء داخل شقة سكنية، قبل أن يفاجأ بسيناريو أقرب إلى مشاهد الأفلام.
بحسب المندوب، تسلم الشخص الطلب من أمام باب الشقة بشكل طبيعي، ثم باغته بالفرار بطريقة صادمة، حيث قفز من شرفة العقار هاربًا بالهواتف المحمولة. وأكد أن قيمة المسروقات بلغت نحو 96 ألف جنيه، ما وضعه في موقف صعب، خاصة مع مسؤوليته المباشرة عن الشحنة.
لم يكتفِ المندوب بسرد الواقعة، بل ناشد عبر منشوره كل من يستطيع مساعدته في استرداد حقه، وهو ما دفع آلاف المستخدمين إلى التفاعل مع القصة، مطالبين بسرعة القبض على الجاني.
ومع الانتشار السريع للقصة، بدأت بعض الحسابات في تداول بيانات يُعتقد أنها تخص المتهم، من بينها صورة بطاقة رقم قومي. وفي وقت قياسي، تحولت هذه البيانات إلى 'دليل إدانة' لدى البعض، وتم توجيه الاتهام إلى طالب في المرحلة الثانوية، دون انتظار نتائج التحقيقات الرسمية.
هذا التسرع في تداول المعلومات أدى إلى موجة من الجدل، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أن الأدلة واضحة، ومن يحذر من خطورة إصدار أحكام مسبقة قد تدمر حياة أبرياء.
في خضم هذا الجدل، خرجت والدة الطالب عن صمتها لتكشف تفاصيل جديدة، مؤكدة أن نجلها بريء تمامًا من الاتهامات المتداولة. وأوضحت أنها فوجئت بتلقي رسائل عدة تحتوي على الفيديو والمنشورات، مشيرة إلى أن اسم نجلها تم تداوله بشكل مفاجئ دون أي دليل قاطع.
وأكدت الأم أن بطاقة نجلها الشخصية مفقودة منذ شهر سبتمبر 2025، وأن الأسرة حررت محضرًا رسميًا بفقدانها في محافظة مطروح، قبل أن يتم استخراج بدل فاقد لاحقًا في الإسكندرية، وهو ما يعني أن البطاقة التي تم تداولها قد تكون استُخدمت من قبل شخص آخر.
وأشارت والدة الطالب إلى أن لديها ما يثبت عدم تواجد نجلها في مكان الواقعة وقت حدوثها، موضحة أنه كان داخل مدرسته يؤدي امتحانًا رسميًا في نفس التوقيت الذي وقعت فيه السرقة. وأضافت أن حضوره مثبت من خلال سجلات المدرسة، إلى جانب شهادات المعلمين وزملائه.
كما أوضحت أن الامتحان تم عبر التابلت المدرسي التابع لوزارة التربية والتعليم، وأن الطالب قام بأداء الامتحان ورفعه على المنصة الإلكترونية، وهو ما يمكن التحقق منه رسميًا.
وشددت الأم على أن نجلها لم يغادر محافظة الإسكندرية منذ عودته من مطروح، وأنه ظل متواجدًا في منطقة العجمي طوال الفترة الماضية، ولم ينتقل إلى أي مكان آخر، وهو ما يتعارض مع الرواية المتداولة بشأن تورطه في الواقعة.
وأكدت أن كل ما حدث يرجع إلى استخدام البطاقة المفقودة في تنفيذ الجريمة، مطالبة بضرورة التحقق من الحقائق قبل توجيه الاتهامات.
وفي ختام تصريحاتها، وجهت والدة الطالب مناشدة إلى الجهات المعنية بسرعة إنهاء التحقيقات وكشف الحقيقة، مؤكدة أن نجلها يمر بحالة نفسية صعبة بسبب الاتهامات، خاصة أنه في فترة امتحانات دراسية مهمة.
كما طالبت بعدم التسرع في الحكم على نجلها، مشددة على ثقتها في أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن الشخص الحقيقي المسؤول عن الواقعة سيتم التوصل إليه.
وسط كل هذه التطورات، خرج المحامي محمد زيدان، بالنقض والإدارية العليا ومحامي عمال الديليفري، ليكشف تفاصيل جديدة في القضية، مؤكدًا وجود تناقضات في أقوال بعض الأطراف، قد تقود إلى فك لغز الواقعة خلال وقت قريب.
أوضح المحامي أن الواقعة بدأت فور تعرض مندوب الشحن لعملية نصب واستيلاء على عدد من الهواتف المحمولة، حيث حاول في البداية الإبلاغ عن الحادث عبر النجدة، إلا أن طبيعة الواقعة استلزمت تحرير محضر رسمي داخل قسم الشرطة.
وأشار إلى أن المندوب توجه بالفعل إلى قسم شرطة العبور، حيث لم يتم رفض تحرير المحضر كما تردد، بل تم استقباله واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأضاف أن المندوب قام بنشر فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد تأخر الإجراءات، ما ساهم في انتشار القضية بشكل واسع.
كشف زيدان أن رئيس مباحث قسم العبور، المقدم أحمد سليم، تواصل مع المندوب فور انتشار الفيديو، وتم استدعاؤه لسماع أقواله بشكل مفصل. وبعد ذلك، تحركت قوة من المباحث إلى موقع الشقة محل الواقعة، حيث أُجريت معاينة ميدانية.
وأظهرت المعاينة صحة رواية المندوب بشأن هروب المتهم، حيث تبين أنه فر من الشقة عبر الشرفة الخلفية، في مشهد يؤكد وجود تخطيط مسبق للجريمة.
أحد أبرز محاور القضية، بحسب المحامي، هو التناقض الواضح في أقوال صاحب الشقة، الذي ذكر أنه قام بتأجير الشقة في اليوم السابق مباشرة للواقعة دون تحرير عقد إيجار رسمي، وهو ما أثار شكوك رجال المباحث.
وأوضح زيدان أن هذا الادعاء يتعارض مع معلومات مؤكدة حصلت عليها الأجهزة الأمنية من شركة الشحن، حيث تبين أن الطلب تم تسجيله قبل الواقعة بنحو خمسة أيام وعلى نفس عنوان الشقة.
هذا التناقض دفع المباحث للاشتباه في وجود علاقة محتملة بين صاحب الشقة والجاني، خاصة أن توقيت الطلب لا يتسق مع روايته بشأن تأجير الوحدة السكنية.
في إطار جهودها لكشف الحقيقة، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على صاحب الشقة، كما تم التنسيق مع مديرية أمن الإسكندرية لضبط الشاب صاحب البطاقة الشخصية التي تم تداولها في الواقعة.
وأشار زيدان إلى أن الهدف من جمع جميع الأطراف هو إجراء مواجهات مباشرة بينهم أمام جهات التحقيق، بما في ذلك مناظرة بين المندوب وصاحب الشقة والشاب المذكور، للتأكد من هوية الجاني الحقيقي.
أكد المحامي أن المؤشرات الحالية ترجح براءة الشاب صاحب البطاقة، مشيرًا إلى أن المندوب لن يتعرف عليه كمرتكب للواقعة، كما أن صاحب الشقة قد ينفي معرفته به.
وأضاف أن هذا السيناريو سيؤكد أن الشاب ليس سوى ضحية، خاصة إذا ثبت أن بطاقته الشخصية كانت مفقودة وتم استخدامها دون علمه، وهو ما يتسق مع ما أعلنته أسرته سابقًا.
وفي تطور مهم، أوضح زيدان أن المباحث تواصلت مع شركة 'نون' وتمكنت من الحصول على بيانات مهمة، من بينها رقم الهاتف المستخدم في إجراء الطلب، وتفاصيل المكالمات المرتبطة به.
كما حصلت الأجهزة الأمنية على الأرقام التسلسلية للهواتف المسروقة، في خطوة تهدف إلى تتبعها ومنع إعادة بيعها أو استخدامها، ما يزيد من فرص الوصول إلى الجناة في وقت قريب.
اختتم المحامي تصريحاته بالتأكيد على أن رجال مباحث العبور يبذلون جهودًا كبيرة لكشف ملابسات الواقعة، مشيدًا بسرعة التحرك وجمع الأدلة، وذلك بتوجيهات من قيادات مديرية أمن القليوبية.
وأشار إلى أن الساعات المقبلة قد تحمل تطورات حاسمة في القضية، مع عرض جميع الأطراف على النيابة العامة، واستكمال التحقيقات التي ستكشف الحقيقة الكاملة للرأي العام.
تعكس هذه القضية واحدة من أبرز سلبيات العصر الرقمي، حيث يمكن لمنشور واحد أن يتحول إلى محاكمة جماعية قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها. وبين تعاطف مشروع مع مندوب فقد مصدر رزقه، وتمسك أسرة ببراءة نجلها، تظل الحقيقة غائبة مؤقتًا.
ومع استمرار التحقيقات، تبدو الصورة أقرب إلى الاكتمال، خاصة مع تعدد الأدلة والشهادات.


































