اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
مع غياب شمس هذا اليوم، تهفو قلوب ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نحو ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، التي جرى العرف والاجتهاد الفقهي على أنها أرجى الليالي موافقة لليلة القدر العظيمة؛ تلك الليلة التي وصفها القرآن الكريم بأنها 'خير من ألف شهر'، ومحطة سنوية لتغيير الأقدار واستنزال الرحمات.
ليلة التشريف والتقدير
تكتسب هذه الليلة مكانتها المركزية في الوجدان الإسلامي لكونها الليلة التي شهدت نزول القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً على النبي ﷺ بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. ويؤكد علماء الشريعة أن تسميتها بـ 'القدر' تعود لمعنيين عظيمين: الأول من 'القدر' بمعنى الشرف والمكانة، والثاني من 'التقدير' حيث تُكتب فيها مقادير الخلائق لعام كامل.
وورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: 'مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ'.
لماذا السابع والعشرون؟
رغم أن الشارع الحكيم أخفى موعدها الدقيق في العشر الأواخر من رمضان ليجتهد المسلم في العبادة طيلة الأيام الأخيرة، إلا أن جمهور العلماء والعديد من الصحابة ذهبوا إلى ترجيح ليلة السابع والعشرين.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عندما سُئل عن ليلة القدر، أقسم أنها ليلة سبع وعشرين، مستنداً إلى 'العلامة' التي أخبر بها رسول الله ﷺ، وهي أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. كما ذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى ترجيحها استناداً إلى دلالات عددية في سورة القدر، وإن كان التوجيه النبوي العام ظل يحث على تحريها في 'الأوتار' كافة.
خارطة العبادة ومقاصد الليلة
تتحول المساجد الكبرى، وفي مقدمتها الحرم المكي والمسجد النبوي، -وسابقا المسجد الأقصى، قبل أن يقوم الاحتلال الإسرائيلي بإغلاقه هذا الشهر- في هذه الليلة إلى خلايا ضوئية من الذاكرين والقائمين. ولا يقتصر إحياء الليلة على الصلاة فحسب، بل يشمل التدبر، والصدقة، والدعاء الذي يعد 'مخ العبادة' في هذه الليلة.
وعن أفضل ما يدعو به المسلم، أوردت كتب السنن (الترمذي وابن ماجه) بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: 'يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أدعو؟ قال: تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني'.
علامات فارقة
يرصد المهتمون بالشأن الديني والفلكي في صبيحة هذه الليلة 'العلامات الكونيه' التي ذكرتها الأحاديث الصحيحة، ومن أبرزها:
السكينة والطمأنينة: ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة (كما جاء في مسند أحمد).
شروق الشمس: أن تطلع الشمس في صبيحتها مستوية حمراء ضعيفة الشعاع (صحيح مسلم).
نزول الملائكة: استناداً لقوله تعالى: 'تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا'.
يبقى جوهر ليلة القدر هو الإخلاص والتقرب إلى الخالق، فإذا كانت العبادة فيها توازي عبادة أكثر من 83 عاماً، فإن المسلمين يستقبلونها اليوم بروح منكسرة ودعوات لا تنقطع بأن يحفظ الله بلادهم، ويرفع الغمة عن المكروبين، ويجعل صيامهم وقيامهم مقبولاً، مستحضرين أن الفائز الحقيقي هو من وُفِّق لقيامها، والمحروم من حُرم خيرها.













































