اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
البنية التحتية والجاهزية والتشريعات تحيط جهود التحول من مشكلة بيئية إلى مورد يمكن تثمينه واستثماره اقتصادياً
تتجه تونس نحو تنفيذ مشروع كبير يهدف إلى تحقيق الانتقال نحو 'صفر نفايات' في منطقة تونس الكبرى، التي تضم أربع ولايات، وهو مشروع انتظره التونسيون في ظل تفاقم أزمة النفايات في العاصمة، ونفاد الطاقة الاستيعابية لبعض المصبات، التي أصبحت تمثل مصدر خطر بيئي.
ويأتي المشروع في إطار التوجه نحو تحويل النفايات من مشكلة بيئية إلى مورد يمكن تثمينه واستثماره اقتصادياً، من خلال تطوير البنية التحتية لمعالجتها وتثمينها، وتعزيز الفرز وإعادة التدوير، وتشجيع تسميد النفايات العضوية والخضراء، إلى جانب الحد من استعمال البلاستيك أحادي الاستعمال وتوسيع مسؤولية المنتج.
ويشمل المشروع مساندة الولايات الأربع المعنية، التي تضم 34 بلدية، في إعداد خطط استثمارية وتمويلية لتطوير البنية التحتية اللازمة للتصرف في النفايات، مع استكشاف إمكان تحويل النفايات غير القابلة لإعادة التدوير إلى موارد وطاقات بديلة.
لكن هذا التوجه الجديد القديم يطرح أسئلة حول مدى جاهزية المنظومة الحالية للانتقال فعلياً من ردم النفايات إلى تثمينها، بخاصة في ظل تدهور البنية التحتية، وغياب بعض التشريعات الضرورية، إضافة إلى تعدد المتدخلين في هذا الملف، ومدى قدرة المنظومة على الانتقال إلى مقاربة متكاملة تقوم على الحد من إنتاج النفايات وإعادة استعمالها وتدويرها وتثمينها.
في هذا السياق اعتبر الخبير في المجال البيئي مهدي العبدلي أن تونس لا تزال تعتمد أساساً على منظومة ردم النفايات، ولم تنجح بعد في الانتقال إلى منظومة متكاملة تقوم على الفرز والمعالجة والتدوير والتثمين، مؤكداً أن معالجة أزمة النفايات تقتضي تغيير المنظومة من جذورها وليس الاكتفاء بإحداث مشاريع جديدة لمعالجة النفايات بعد إنتاجها.
وأوضح العبدلي أن الفرز الانتقائي من المصدر يمثل الحلقة الأولى لأي منظومة حديثة للتصرف في النفايات، مشيراً إلى أنه لا يمكن الحديث عن التثمين أو إنتاج الطاقة من النفايات في غياب منظومة فعالة للجمع والفرز والبنية التحتية الضرورية، واعتبر أن بعض المشاريع النموذجية المنجزة بدعم من مانحين أجانب تظل محدودة القدرة على التعميم ما لم تتوفر الشروط القانونية والمؤسساتية والفنية اللازمة.
وفي ما يتعلق بشعار 'صفر نفايات' شدد العبدلي على أن تحقيقه لا يعني فقط معالجة النفايات الموجودة، بل يستوجب بالأساس الحد من إنتاجها، وقال إن المنظومة يجب أن تبدأ من تصميم المنتجات، ثم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، قبل المرور إلى إعادة الاستعمال والتدوير والتثمين، وصولاً إلى التخلص النهائي من الكميات التي يتعذر تثمينها.
وأضاف المتحدث أن مواصلة إنتاج كميات متزايدة من النفايات ثم إنشاء منشآت لمعالجتها تعني معالجة أعراض المشكلة بدلاً من أسبابها، داعياً إلى ربط سياسة 'صفر نفايات' بمبادئ الاقتصاد الدائري والمشتريات العمومية المستدامة، بما يسمح بتقليص النفايات منذ مرحلة الإنتاج والاستهلاك.
وأشار العبدلي إلى أن الأزمة لا تقتصر على النفايات المنزلية، بل تشمل أيضاً النفايات الصناعية والاستشفائية والخطرة، وهي أصناف تتطلب منظومات خاصة للجمع والمعالجة والتصرف الآمن، مؤكداً أن استمرار الاعتماد على الردم لم يعد حلاً مستداماً، خاصة مع بلوغ عدد من المصبات حدود طاقتها الاستيعابية.
وحذر في المقابل من اختزال البعد الاقتصادي للنفايات في تحويلها إلى مصدر للربح، مؤكداً ضرورة تحديد المسؤوليات بوضوح: من يجمع النفايات؟ ومن يفرزها ويثمنها؟ ومن يتحكم في المواد القابلة للتدوير؟ ومن يتحمل كلفة النفايات غير القابلة للتثمين؟ ومن يراقب الجودة والسلامة البيئية؟
واعتبر أن تحويل النفايات إلى قيمة اقتصادية يجب أن يتم ضمن منظومة شفافة تضمن أولاً حماية البيئة والصحة العامة، ولا تجعل من النفايات مجرد فرصة تجارية لفائدة الشركات والخواص، بينما تواصل الدولة والبلديات تحمل كلفة التخلص منها.
وشدد العبدلي على أن الإرادة السياسية والبنية التحتية والإطار القانوني تمثل شروطاً أساسية لإنجاح أي تحول في هذا المجال، داعياً إلى الانتقال من الإعلان عن المشاريع إلى متابعتها وتقييم نتائجها، وعدم تقديم المشاريع على أنها حلول نهائية قبل التثبت من إنجازها ونجاعتها على أرض الواقع.
وانتقد العبدلي في هذا السياق الاكتفاء أحياناً بنقل التصريحات الرسمية حول المشاريع البيئية، مؤكداً أن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الإعلان، بل يشمل متابعة المشروع والتحقق من مدى تقدمه والنتائج التي حققها، بما يسمح للمواطن بمعرفة ما تحقق فعلياً.
وختم بالتأكيد أن تونس تحتاج إلى خطة واضحة للخروج التدريجي من منظومة الردم والانتقال إلى منظومة متكاملة للتصرف السليم في النفايات، تبدأ بتقليص الإنتاج والفرز من المصدر، ثم إعادة الاستعمال والتدوير والتثمين، ولا تجعل الردم إلا حلاً أخيراً للكميات التي يتعذر تثمينها.
من جهته اعتبر الخبير البيئي عبدالباسط السماري أن النفايات في تونس لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مجرد مشكلة نظافة، بل كمورد اقتصادي يمكن تثمينه وتحويله إلى ثروة وطنية.
وأوضح السماري أن محدودية نسب إعادة تدوير النفايات تعني خسارة مواد أولية وطاقة وفرص استثمار وتشغيل، مشيراً إلى إمكان تحويل النفايات إلى مواد معاد تدويرها، وسماد عضوي، وغاز حيوي، وطاقة ووقود بديل، بما يجعل قطاع النفايات جزءاً من الاقتصاد الدائري وليس مجرد خدمة بلدية.
ويرى الخبير أن ضعف التثمين في تونس لا يرتبط بالعوامل التقنية فقط، بل أيضاً بإشكاليات الحوكمة والتشريع والاقتصاد، وفي مقدمتها غياب الفرز من المصدر، الذي يؤدي إلى تلوث المواد القابلة للتدوير وارتفاع كلفة استرجاعها.
وأشار السماري إلى ضعف الحوافز الموجهة للمواطنين والبلديات والمستثمرين، وغياب سوق منظمة للمواد المعاد تدويرها، داعياً إلى تطوير منظومة اقتصادية متكاملة تشجع على استعمال المواد المسترجعة. وشدد على ضرورة إدماج العاملين في القطاع غير المنظم، وخاصة جامعي البلاستيك والكرتون والمعادن، ضمن منظومة رسمية توفر لهم الحماية الاجتماعية وتحول نشاطهم إلى حلقة منتجة في الاقتصاد الدائري.
ودعا الخبير البيئي إلى وضع برنامج وطني يقوم على الفرز من المصدر، وأنظمة الاسترجاع والحوافز المالية، وتطوير الصناعات المرتبطة بإعادة التدوير، وتثمين النفايات العضوية وإنتاج السماد والغاز الحيوي، إلى جانب منح حوافز للمؤسسات التي تعتمد المواد المعاد تدويرها.
وأكد أن الاقتصاد الدائري يجب ألا يبقى ملفاً بيئياً فقط، بل أن يندمج ضمن السياسات الصناعية والفلاحية والطاقية والتشغيلية، معتبراً أن نجاحه يقاس بالقيمة الاقتصادية التي يخلقها، ومواطن الشغل التي يوفرها، والواردات التي يمكن تعويضها.
وختم بالتأكيد على أن النفايات تمثل مورداً اقتصادياً ضائعاً وصناعة مؤجلة، وأن حسن إدارتها يمكن أن يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية وتعزيز السيادة الإنتاجية في تونس.

























