×



klyoum.com
yemen
اليمن  ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
yemen
اليمن  ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار اليمن

»ثقافة وفن» شبكة الأمة برس»

الفقير بالقوة : لماذا تتجاهل الثقافة «شخصية العصر»؟

شبكة الأمة برس
times

نشر بتاريخ:  الجمعه ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ - ٢٠:١٤

الفقير بالقوة : لماذا تتجاهل الثقافة شخصية العصر ؟

الفقير بالقوة : لماذا تتجاهل الثقافة «شخصية العصر»؟

اخبار اليمن

موقع كل يوم -

شبكة الأمة برس


نشر بتاريخ:  ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ 

محمد سامي الكيال *

يركّز نقد الرأسمالية المعاصر، الذي يُفترض أنه يساري، على عدد من المفاهيم الدارجة، لدرجة أن تكرارها صار مولّداً لأرباح رأسمالية، أهمها ربما إشاعة «النيوليبرالية»، وكذلك مواجهة «الأولغارشية»، أو «القلّة المتحكّمة بالاقتصاد العالمي» (يُقال إنها 1% ويتضرر منها 99%)، ويحيل هذا أيضاً إلى «عدم العدالة في توزيع الثروة»؛ وأخيراً وليس آخراً «نقد الاستهلاكية»، بأضرارها النفسية والاجتماعية والبيئية، وبأشكالها السلعيّة والافتراضية، أي استهلاك الصور والرموز والعلامات عبر الإنترنت.

مبدئياً، تجب الإشارة إلى أن نقد الرأسمالية لم يكن يوماً حكراً على اليسار، فهنالك نقد ديني، ومحافظ، ورومانسي، بل حتى فاشي ونازي، دعك من أن بعض مضاربي وول ستريت أنفسهم قد ينتقدون الرأسمالية، وبالتالي فليس كل ناقد للرأسمالية يساريٌّ بالضرورة؛ كما أن «اليسارية» نفسها ليست تياراً محدداً، بل هي موضع نسبي حركي، ضمن خريطة قوى سياسية في مجتمع متعيّن، وهي تُفهم عادة في مقابل اليمين والمحافظين، ولذلك مثلاً فإن بعض تيارات الحزب الديمقراطي الأمريكي، بل بعض الشركات ووسائل الإعلام ومؤسسات صناعة الترفيه المرتبطة به، تُحسب على اليسار، بالمقاييس الأمريكية، التي لا تشبه أي مقاييس أخرى. وبالتالي فإن هنالك التباساً عاماً في الثقافة المعاصرة، سواء في ما يتعلّق بالرأسمالية أو باليسار.

من ناحية أخرى فإن المفاهيم المذكورة أعلاه عن «نقد الرأسمالية» تبدو إشكالية للغاية، فمثلاً قبل نقد «عدم العدالة في توزيع الثروة»، ألا يجب البحث في كيفية إنتاج الثروة أصلاً، ومعرفة الأسباب البنيوية لـ»انعدام العدالة» ذاك؟ أمّا «النيوليبرالية» فتبدو إشاعة مريحة، يمكن إلصاقها بأي شيء، وتفسير كل الأمور من خلالها، والقول إنها «إشاعة» لا يعني أنه لم توجد مدارس اقتصادية، وأجندات أيديولوجية وسياسية، عملت على تطبيق برامجها (التي لم تسمها «نيوليبرالية»)، ابتداءً من تشيلي في سبعينيات القرن الماضي، ولكن هل تملك تلك المفردة، وما تحيل إليه تاريخياً، كل هذه القدرة التفسيرية والنقدية، التي يسبغها عليها مرددوها؟ وما تفسير أن أحزاب الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا، الممثلة التقليدية لـ»العمل»، كانت في طليعة التحوّل «النيوليبرالي»؟ والأهم: هل «النيوليبرالية» مرحلة جديدة في الرأسمالية، ويمكن تفسير اختلافها بنيوياً؟ يبدو أحياناً أن أنصار هذه الكلمة يقسّمون التاريخ إلى «رأسمالية جيدة» قبل السبعينيات، وأخرى «نيوليبرالية» (أي شريرة) بعدها، وقد حدث هذا الانتقال السيئ بفعل فاعل مركزي (غالباً ما تُذكر أسماء مثل ميلتون فريدمان، ومارغريت ثاتشر، ورونالد ريغان، وأوغستو بينوشيه، و»أولاد شيكاغو»، ولجنة جائزة نوبل للاقتصاد).

الأمر نفسه مع نغمة «الأولغارشية» و»الـ1%»، التي تذكّر بنقد الرأسمالية المعادي للسامية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي (فالمرابون اليهود، و»عائلة روتشيلد»، كانوا يعتبرون آنذاك الـ1%) هل المشكلة في امتياز أو جشع فئة ما؟ وإذا قمنا بالحد من طمعها اللاأخلاقي (أو ربما ألغيناها اجتماعياً أو حتى جسدياً) فهل ستتحسن الأمور؟ ألن ينتج النظام الرأسمالي 1% جديدة؟ ثم أليس من المضحك اعتبار أن 99% متضررون، من دون أي تمييز؟ وبالتالي فهل المشكلة مع فاعل مشخّص، أو فئة هوية معيّنة، أم في النظام نفسه، الذي لا يمكن إدراكه إلا بوصفه منظومة علاقات مجرّدة، وغير مشخصنة؟

وأخيراً، ما المشكلة مع الاستهلاك بالضبط؟ وهل بديله الزهد و»الاتصال بالطبيعة»، أو «العودة للإقليمية»؟ وهل البشر في عصرنا مرفّهون أكثر من اللازم؟ أم المشكلة أعمق من مجرد «استهلاك»، وإنما في علاقات اجتماعية مجرّدة، يتم تعميتها رمزياً وأيديولوجياً عبر السلعة المُستهلكة نفسها؟ يبدو النمط المذكور من نقد الرأسمالية أخلاقياً ورومانسياً، أو ذا «نزعة اقتصادية» بالمعنى السلبي للكلمة، أي أنه يفترض وجود اقتصاد صرف، في ما لا يمكن فصل العلاقات الاقتصادية عن أخرى فوق أو ما وراء اقتصادية، ولذلك فإن تحليل ونقد الرأسمالية الأكثر أهمية كان ينتمي دائماً لـ»الاقتصاد السياسي»، وبعدها للنقد الاجتماعي والثقافي. وبالطبع فإن الأسئلة المطروحة على نقد الرأسمالية المعاصر هي أسئلة ماركسية، إذ يبدو أن ذلك النقد لم يتطور كثيراً عن النقد الدارج في منتصف القرن التاسع عشر، الذي انتقده ماركس، الأدهى والأخطر أن بعضه يكرر ما كان دارجاً في النصف الأول من القرن الماضي.

وكما أن جانباً من نقد الرأسمالية المعاصر يبدو مقبلاً من النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإن الأوضاع الاجتماعية لملايين البشر يبدو أنها تنحدر إلى أوضاع ذلك العصر، ولكن ليس بمعنى أن الناس يعيشون البؤس نفسه لعمال ذلك القرن، وإنما بمعنى أنهم يتعرّضون لصيرورة من الإفقار، ونزع الملكية، ونزع التوطين، وتحطيم الروابط الاجتماعية، تشبه في خطوطها العامة العمليات الحاصلة آنذاك، مع العجز عن تكوين أنفسهم بوصفهم طبقة منظّمة، قادرة على تمثيل نفسها، وإنتاج ذات سياسية، ومُتخيَّل جماعي، وبالتالي هم عاجزون عن أن يكونوا قوة في أي تفاوض اجتماعي. ولكن هل هناك مفهوم واحد، يمكن أن يجمع تلك الظروف المختلفة، التي يعاني منها بشر شديدو التعدد في عصرنا؟

شخصية الفقير

قد يكون الفقير هو الرمز المجسّد لعلاقات عصرنا، ولكن مع كثير من الحذر، إذ لا نتحدث عن فقير بسبب «عدم العدالة في توزيع الثروة»، كما أن فقره لا يُقاس فقط تجريبياً، أي عبر مقارنة الدخل بالقوة الشرائية، ومن ثم تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات، حسب الاستهلاك (عليا ووسطى ودنيا)، وإنما نتحدث عن الفقير بسبب نمط إنتاج الثروة نفسه، الذي يمكن قياس فقره تجريبياً بالطبع، ولكن الأهم أن فقره «افتراضي»، أو بالأصح، وإذا استخدمنا تعبيرات الفلسفة الأرسطية، «فقر بالقوة».

والفقير بالقوة، بأبسط ما يمكن، هو الشخص الذي يعيش تحت ضغط الإمكانية الدائمة للانحدار إلى درجة مطلقة من الإملاق، قد تصل إلى التشرّد، والوفاة تحت ظروف سوء التغذية وضعف الرعاية الصحيّة، وأيضاً التعرّض للعنف «القانوني» من قبل أجهزة الدولة، الذي تزداد فرصته كلما انحدرت مكانة الإنسان الطبقية. لا يعيش الفقير بالقوة هذه الظروف دائماً، وفي كل لحظة من لحظات حياته، ولكنها كامنة في خلفية كل خياراته ومساراته الحياتية، فهو يتعلّم، ويعيد التعلّم، ويبيع قوة عمله، تحت هذا الضغط. كما أن «الفقر بالقوة» يمكن أن يجمع أفراداً متباينين في الدخل والاستهلاك والمكانة، وغير متساوين في مواردهم، أو في درجة تعرضهم للفقر الفعلي، ما داموا لا يملكون إلا قوة عملهم.

والمهم في تعريف الفقير بالقوة، وما يميّزه عن فقراء العصور السالفة، أنه يتمتع بنوع من «الحريّة»، فهو متحرر من الروابط الاجتماعية التقليدية، ولكن هذا ليس إيجابياً بالضرورة، ففيما مضى كان لقب النبالة، أو الانتماء لرابطة حرفيّة، أو مجموعة طائفية، أو حتى قنانة الأرض، قد يقي الإنسان من الفقر المطلق، إذ أنها توفّر بالحد الأدنى نوعاً من الحماية الاجتماعية للأفراد، فيما الفرد «المتحرر» لا يوجد ما يحميه أو يعتمد عليه إلا قوة عمله؛ من جهة أخرى فإن ذلك الفرد «حر» في بيع تلك القوة ضمن شروط السوق، وتلك الشروط تمنح الرأسماليين أيضاً الحرية في شرائها، أو ضغط سعرها، أو التخلي عنها تماماً. وهكذا فإن هذه «الحرية المزدوجة» تفضي إلى الفقر بالقوة، أو بلغة ماركس في «الغروندريسة» 1857-1858: «لا يستطيع العامل أن يعيش بوصفه عاملاً إلا بقدر ما يستبدل ذلك الجزء من رأس المال، الذي يشكّل صندوق الأجور، بقدرته على العمل، وهذا التبادل مرتبط بشروط عارضة بالنسبة إليه، ولا تكترث هذه الشروط بوجوده العضوي، أي بحاجاته الحياتية الفعلية، وهكذا فهو فقير بالقوة».

هذا يعني أيضاً أن النظام الرأسمالي، بوصفه علاقات مجردة، لا يمكنه العمل من دون «الفقير بالقوة»، وذلك بغض النظر عن فترات الازدهار الاقتصادي، التي قد ترتفع فيها أجور العمّال، فإمكانية «رميهم في الشارع»، عند أول أزمة، أو ضغط أجورهم تحت منافسة طاحنة من «جيش عمل احتياطي»، هي «التأمين» الأساسي للسيطرة على العمل البشري (رأس المال المتحرّك بتعابير ماركس)، وتحقيق فائض القيمة منه. وعندما لا يكون الإنسان فقيراً بالقوة، فهو ببساطة لن يقبل أن يبيع قوة عمله في شروط السوق المختلة، لمصلحة الأقوى والأكثر ثراءً. ولدى كل أزمة اقتصادية يتحقق الفقر بالقوة ليصبح فقراً مطلقاً بالفعل، ورأينا الفقراء بالفعل في أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي، وأزمة 2008، واليوم أيضاً، وذلك في قلب «العالم المتقدّم».

في ما يسمى «الثلاثين سنة المجيدة» (1945-1975) أثمر النضال العمالي الطويل، وأيضاً بعض مشاريع التحديث القومية (مثل التحديث البروسي في النصف الثاني القرن التاسع عشر)، وكذلك ضرورات إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، عن تحسين شروط «الفقر بالقوة»، إذ استطاعت النقابات القوية، والسياسات الاجتماعية للدول، والحاجة المتنامية لليد العاملة بعد كارثة الحرب، أن تحمي البشر من شبح الفقر المطلق، فبات طردهم من عملهم، وضغط أجورهم، أصعب فأصعب، وإذا لم يجدوا عملاً فهنالك شبكة متينة من الرعاية الاجتماعية وتعويضات البطالة، وأيضاً رعاية صحية مضمونة قانوناً، كما تأمنت لهم سلسلة من المؤسسات التعليمية، والثقافية، والسكن الاجتماعي. ومن المهم ملاحظة أن ذلك أخلّ نسبياً بأحد جانبي «الحرية المزدوجة»، فالعامل لم يعد بلا روابط اجتماعية وسياسية تحميه، فهناك النقابة، والعائلة العمالية، وكذلك الدولة الاجتماعية.

ما حدث بعدها كان إعادة إنتاج لآليات اشتغال الرأسمالية، بعد أزمة ركود تضخّمي طويلة (أيضاً جيل جديد من العمّال تمرّد على أبوية الروابط الاجتماعية لدولة الرفاه)، والمسألة ليست مؤامرة «نيوليبرالية»، بقدر كونها أزمة نظام رأسمالي، عانى من انخفاض متوسط الأرباح، وكانت عودة الرأسمالية إلى «عادتها القديمة»، أمراً موجوداً بالقوة أيضاً، في قلب بنيتها. الحرية المزدوجة للفقير بالقوة، هي باختصار الشرط البروليتاري الحديث، ما يجعل «شخصية الفقير» هي روح العصر فعلاً، ولكن كيف تتبدى هذه الشخصية في زمننا؟ وهل تشبه بروليتاريي النصف الأول من القرن قبل الماضي؟

شبح الطبقة

بالنسبة لكثيرين فإن الطبقة العاملة انتهت، ونحن في عصر «الفئات الجديدة»، مثل النساء والشباب والملونين والمثليين والمهاجرين (يُقال عنها «جديدة» منذ ستينيات القرن الماضي)، وذلك لأنه لم يعد يوجد عمّال صناعيون، بياقات زرقاء، يحملون المطارق والمفاتيح الإنكليزية، وتقود تنظيماتهم النقابية والحزبية الإضرابات.

من حسن الحظ أن وجهة النظر هذه تراجعت كثيراً في السنوات الماضية، نظراً لأنها لم تكن تقوم إلا على الجهل، الجهل بتعريف الطبقة العاملة وتاريخها؛ وأيضاً على تصورات موروثة من «الثلاثين سنة المجيدة» وقبلها. إذ أننا نملك مادة أرشيفية وتاريخية وأدبية ونظرية شديدة الغنى عن حال الطبقة العامة ونشأتها، وهي لم تكن دائماً عمالاً رجالاً بياقات زرقاء، وهوية قومية متينة، بل شتاتاً بشرياً ممن لا يملكون إلا قوة عملهم، شديد التنوّع، فيه النساء والرجال والأطفال، المقيمون والمهاجرون، عمال الورش والمصانع المياومون، إلى جانب الخدم والمشردين والمثقفين والطلاب وعاملات الجنس، وكانوا أيضاً مقسّمين في بعض الأحيان إلى جماعات وهويات، تلعب دوراً مهماً في التوظيف والفصل (كأن يكسر رب عمل أمريكي إضراب العمال من أصول إيرلندية مهاجرة، عن طريق تعويضهم بعمّال من أصول إيطالية)، وفي إنتاج الروابط التضامنية والتمرديّة. تحوّل هؤلاء إلى «طبقة لذاتها» مرّ بمراحل وصراعات كثيرة، وعمل سياسي وثقافي وأدبي وصحافي، واستجابات حكومية لاضطرابات اجتماعية هددت بنيان الدول.

في أيامنا يبدو أن الطبقة العاملة عادت لصورة مشابهة، بل إن عمليات البلترة (التحويل إلى بروليتاريا) تتصاعد بشكل غير مسبوق تاريخياً، فالملايين والملايين من البشر يصبحون بشكل متزايد «فقراء بالقوة»، ويعانون من «الحرية المزدوجة»، إلا أن هذا لا يعني أن التاريخ عاد ببساطة إلى مطلع الثورة الصناعية، فتقدّم التقنية، والتعليم، وما يسمى «العمل غير المادي» (وهي عبارة غير دقيقة، ولكنها ضرورية للتمييز عن أشكال الإنتاج القديمة)، وتغيّر مفهوم «وقت العمل»، وتداخل عمليات الإنتاج وإعادة الإنتاج، كل هذا ليس مجرد تغيير شكلي، إلا أن الرأسمالية في مراحلها المتأخرة، كما في مراحلها الأولى، لا يمكنها التخلي عن تحويل البشر إلى «فقراء بالقوة»، وإلا ستنعدم قدرتها على توليد فائض القيمة أصلاً، وينتفي تعريفها بوصفها رأسمالية.

صارت خطابات اليسار الغربي تميل اليوم إلى الحديث عن «طبقة عاملة ملوّنة»، ليس بمعنى لون البشرة بالضرورة، وإنما بمعنى التنوّع والاختلاف، كما أن كلاً من أنطونيو نيغري ومايكل هاردت، تحدثا في مطلع القرن الحالي عن «الكثرة المتفرّدة» Multitude، أي مجموع البشر المتعددين، الذين هدموا أسوار المؤسسات الانضباطية القديمة، ويعملون في مجال الإنتاج وإعادة الإنتاج الحيوي والثقافي، عملاً مادياً وغير مادي، ضمن «إمبراطورية العولمة». مفهوم Multitude نفسه تقادم، بعد أن كان مبتكراً جداً قبل عشرين سنة، إذ أن التعويل المتفائل لمبتكريه على «النمط الجديد» لتحركات ذلك الجمهور المتعدد خاب في معظم الأحيان (ربما مثل معظم التنظيرات التي تستخدم مفردة «الجديد» بانبهار، وبوصفها حجة بذاتها) ورأينا ما حصل في انتفاضات العقد الثاني من القرن، ومنها «الربيع العربي». يومها كتب هاردت ونيغري أن «العرب روّاد الديمقراطية الجدد»، وكم يبدو هذا الآن مثيراً للتهكّم السوداوي! إلا أن أفكار نيغري بالتحديد تبقى ملهمة، من زاويتين: الأولى تأكيده على «ِشخصية الفقير»، بوصفها الشخصية التي تجمع كل أولئك المتعددين، حتى في عصر «الإنتاج غير المادي»؛ والثانية تأكيده الدائم، هو ومعظم الفلاسفة القريبين منه، أن مفهوم Multitude ليس بديلاً عن مفهوم الطبقة، وإنما عن مفهوم «الشعب»، وربما ما يزال تحويل كل هؤلاء «الفقراء بالقوة» إلى طبقة هو التحدي الأبرز، الذي يختبر جديّة اليسار المعاصر، وهو لا يبدي كثيراً من النجاح للأسف.

الوجود المذنب

ربما ما يميّز شخصية الفقير اليوم هو الشعور بالذنب، فهو يعتبر نفسه مقصّراً دائماً، ويلوم نفسه على انحداره الاجتماعي، لأنه لا يتعلّم ويعيد تأهيل نفسه دوماً (في جيل هو الأكثر تعلّماً في التاريخ)، ولا يعمل بما فيه الكفاية، أو لا ينجز مهماته ضمن «الديد لاين»، ولا يسدد ديونه، ولا ينسّق «بروفايله» جيداً، في كل مكان، من طلبات التوظيف وحتى تطبيقات المواعدة. إلا أن الأمر لم يعد مجرد قلق اجتماعي، يمكن التحايل عليه بالإدمان على عقاقير الاكتئاب، بل بات تهديداً وجودياً حقيقياً، يشمل الطرد من المسكن، وعدم القدرة على تأمين الغذاء الكافي، والعجز عن دفع فواتير التدفئة والكهرباء، والوصول إلى الرعاية الصحيّة المناسبة، والتهديد بالترحيل من مكان الإقامة، وذلك فيما كان يسمى «دول الرفاه»، فما بالك في «العالم الثالث». وما يزال كثيرون يرون أن هذا ذنبهم، بل يبدو أن الفردانية المعاصرة لا يمكن أن تقوم دون شعور الذنب ذاك، والذي يرافقه، في الأيديولوجيا الناشطية، ميل إلى التظلّم الهوياتي، وهكذا يترافق شعور الذنب الفردي بالتظلّم الهوياتي، في مفارقة ساخرة، وكأن البشر يشعرون بذنب من «تقصيرهم»، فيسعون إلى «النجاح» عبر التكسّب من التظلّم، بوصف ذلك تحسيناً لـ»البروفايل» الشخصي.

تربط الأيديولوجيا المعاصرة بين السلعة والهوية وإدارة الذات، فذلك الفرد، الذي يظن ذاته «مشروعاً» يجب إدارته، ويشعر بالذنب بسبب «سوء الإدارة»، هو نفسه الفقير بالقوة، البروليتاري بلغة القرنين الماضيين، ولكنه يظن أن العالم مليء بالفرص، ويساهم هو نفسه في إنتاج هذه التخيلات (التي سرعان ما يتضح أنها أوهام) مع انغماسه وعمله ضمن العالم الرمزي للرأسمالية المعاصرة، ما يشكّل عائقاً أساسياً في نشوء الوعي الطبقي.

تاريخياً، لعب العمل السياسي والثقافي، وإنتاج مُتخيَّل الطبقة (الصور الملموسة التي يفهم بها البشر ذاتهم الطبقية المشتركة)، دوراً كبيراً في تحويل الشتات البشري الفقير بالقوة إلى طبقة، إلا أن الثقافة السائدة المعاصرة، رغم كل الصور التي تنتجها عن الفقر والقلق، ما تزال تكرّس مشاعر الذنب والتظلّم عند البشر، وأكثر النقد «يسارية» يقع في المطبات الأخلاقية والرومانسية والعدوانية المذكورة أعلاه، ما يجعل «الصراع الثقافي» اليوم، عصر تقدّم العمل العاطفي و»غير المادي»، ضرورة قصوى، وجانباً أساسياً من أي نضال طبقي، وذلك الصراع يجب أن يوجّه ضد الذنب والتظلّم، أي ضد الاستغلال الرأسمالي والأيديولوجيا الناشطية، تماما مثلما يجب أن يوجه للأيديولوجيات اليمينية الشعبوية المتصاعدة، القائمة بدورها على التظلّم. وعندها قد يتحوّل «الفقراء بالضرورة» إلى قوة قادرة على التفاوض الاجتماعي والتغيير. وقد لا يتحولون، وتنتصر النزعات العسكرية والفاشية والقومية/الدينية، العائدة في العصر «ما بعد الصناعي»، فالتاريخ يُصنع هنا والآن.

*كاتب سوري

موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار اليمن:

احتدام المعارك في ريف تعز

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
19

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2542 days old | 804,597 Yemen News Articles | 8,378 Articles in Oct 2026 | 47 Articles Today | from 31 News Sources ~~ last update: 6 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


مقالات قمت بزيارتها مؤخرا



الفقير بالقوة : لماذا تتجاهل الثقافة شخصية العصر ؟ - ye
الفقير بالقوة : لماذا تتجاهل الثقافة شخصية العصر ؟

منذ ثانية


اخبار اليمن

رئيس هيئة الخدمة الوطنية العسكرية يزور أكاديمية الخدمة الوطنية في قطر - kw
رئيس هيئة الخدمة الوطنية العسكرية يزور أكاديمية الخدمة الوطنية في قطر

منذ ثانية


اخبار الكويت

صندوق النقد يبيع الوقت .. والصدمة على الأبواب - ps
صندوق النقد يبيع الوقت .. والصدمة على الأبواب

منذ ثانيتين


اخبار فلسطين

زيارة أممية لمواقع عمل مشروع لأجلهم في مدينة الميادين - sy
زيارة أممية لمواقع عمل مشروع لأجلهم في مدينة الميادين

منذ ثانيتين


اخبار سوريا

سورية تدين الدخول غير الشرعي لوزير الدفاع الإسرائيلي الى أراضيها - ae
سورية تدين الدخول غير الشرعي لوزير الدفاع الإسرائيلي الى أراضيها

منذ ٣ ثواني


اخبار الإمارات

الجامعة الهاشمية توقع 10 اتفاقيات لتمكين الشباب وتنمية المجتمعات - jo
الجامعة الهاشمية توقع 10 اتفاقيات لتمكين الشباب وتنمية المجتمعات

منذ ٣ ثواني


اخبار الاردن

نقل مليوني برميل من النفط الخام العراقي إلى خارج هرمز - jo
نقل مليوني برميل من النفط الخام العراقي إلى خارج هرمز

منذ ٤ ثواني


اخبار الاردن

ستيلانتيس تستعد لطرح 60 سيارة جديدة خلال سنوات قليلة - eg
ستيلانتيس تستعد لطرح 60 سيارة جديدة خلال سنوات قليلة

منذ ٤ ثواني


اخبار مصر

مقاومة الجدار والاستيطان: 24 اعتداء من المستوطنين منذ صباح الجمعة - ps
مقاومة الجدار والاستيطان: 24 اعتداء من المستوطنين منذ صباح الجمعة

منذ ٥ ثواني


اخبار فلسطين

زين الأردن تصنف ضمن أفضل أماكن العمل في الشرق الأوسط - jo
زين الأردن تصنف ضمن أفضل أماكن العمل في الشرق الأوسط

منذ ٥ ثواني


اخبار الاردن

وفاة خمسيني وإصابة آخر بحادث شارع الجامعة الأردنية .. فيديو - jo
وفاة خمسيني وإصابة آخر بحادث شارع الجامعة الأردنية .. فيديو

منذ ٦ ثواني


اخبار الاردن

تجميد تفاهم إسلام آباد أبقى الحزب لوحده؟ - lb
تجميد تفاهم إسلام آباد أبقى الحزب لوحده؟

منذ ٦ ثواني


اخبار لبنان

هل يقبل الله توبة مرتكب الكبائر وما علامات القبول؟.. أمين الفتوى يجيب - eg
هل يقبل الله توبة مرتكب الكبائر وما علامات القبول؟.. أمين الفتوى يجيب

منذ ٧ ثواني


اخبار مصر

تراجع إيرادات النفط الروسية رغم صعود الأسعار لأعلى مستوى - ps
تراجع إيرادات النفط الروسية رغم صعود الأسعار لأعلى مستوى

منذ ٧ ثواني


اخبار فلسطين

افتتاح معرض تراثنا للمنتجات اليدوية والتراثية بمركز مصر للمعارض الدولية - eg
افتتاح معرض تراثنا للمنتجات اليدوية والتراثية بمركز مصر للمعارض الدولية

منذ ٨ ثواني


اخبار مصر

فالنسيا يفسخ عقد مدربه كوربيران لسوء النتائج - jo
فالنسيا يفسخ عقد مدربه كوربيران لسوء النتائج

منذ ٨ ثواني


اخبار الاردن

جامعة اليرموك تتقدم في تصنيف كيو إس للجامعات العربية للعام 2027 - jo
جامعة اليرموك تتقدم في تصنيف كيو إس للجامعات العربية للعام 2027

منذ ٩ ثواني


اخبار الاردن

الأطباء تحسم الجدل: لا قرارات بزيادة كشف العيادات الخاصة فيديو - eg
الأطباء تحسم الجدل: لا قرارات بزيادة كشف العيادات الخاصة فيديو

منذ ٩ ثواني


اخبار مصر

برج السرطان.. حظك اليوم الإثنين 20 يوليو 2026 - eg
برج السرطان.. حظك اليوم الإثنين 20 يوليو 2026

منذ ١٠ ثواني


اخبار مصر

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.






لايف ستايل