اخبار تونس
موقع كل يوم -جريدة الشروق التونسية
نشر بتاريخ: ٢٢ نيسان ٢٠٢٦
تتفكّك الإدارة الأمريكية بنسق متسارع بتواتر استقالات كبار المسؤولين من رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الى وزيرة العمل.
وتأتي موجة الاستقالات التي شملت أيضا وزيرة العدل و12 من كبار ضباط الجيش منهم قائد أركان جيش البرّ بالتزامن مع توقعات باستصدار الكونغرس قرارا بعزل الرئيس دونالد ترامب حال انتهاء العطلة البرلمانية في الثلاثين من أفريل الحالي.
كما تتزامن موجة الاستقالات في الإدارة الأمريكية مع توسع النقاش في المنابر الاعلامية والسياسية حول مدى سلامة المدارك العقلية لدونالد ترامب بما يدعم فرضية عزله بقرار من الكونغرس باعتباره فاقدا للآهلية.
وتشهد الولايات المتحدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية حيث ارتفع الدين العام في عام واحد بمقدار 2٫1 تريليون دولار ليتخطى عتبة 38 تريليون في ظل منحى تصاعدي للتضخم يفاقم أعباء خدمة الدين التي تجاوزت العام الفارط لأول مرة ميزانية البنتاغون فيما أدت حرب الرسوم الجمركية إلى إغراق المحاكم بطلبات التعويض الصادرة عن شركات الاستيراد وهيئات المستهلكين بعد أن قامت المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الاضافية التي فرضها دونالد ترامب على أغلب الدول بمقررات تنفيذية.
وعموما أدت كل الشعارات التي رفعها دونالد ترامب إلى نتائج عكسية على الأصعدة المالية والاقتصادية والمعيشية فيما تسببت موجة القمع التي استهدفت المهاجرين إلى حالة صدام بين الحكومة الفدرالية والسلطات المحلية.
أما على الصعيد جيوستراتيجي فقد تسببت أخطاء دونالد ترامب في تفجير حلف شمال الأطلسي مقابل تعزيز مكانة الصين كشريك موثوق حتى لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة التي خسرت أصدقاءها وقدمت هدايا لأعدائها.
وتعكس عدة مؤشرات منها تنامي إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب مقابل التخلي عن سندات الدين الأمريكية إلى جانب تغير هيكلة العلاقات التجارية لأصدقاء الولايات المتحدة مثل الكندا والاتحاد الأوروبي بإقامة شراكات جديدة مع الهند وجنوب إفريقيا والصين والتجمع الاقتصادي لدول أمريكا الجنوبية «ميركسور» مدى انهيار الثقة في الاقتصاد الأمريكي.
كما تواجه الولايات المتحدة خطر فقدان هيمنة الدولار الأمريكي بسبب تداعيات الحرب على إيران ولا سيما تنامي نفوذ روسيا الاتحادية على منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك +» في ظل الحصار المفروض على نفط الخليج وبروز دور الصين كموزع لحصص النفط باعتبارها أكبر شريك اقتصادي لإيران التي أصبحت تتحكم في الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز وهو ما بات يهدّد بقطع العلاقة بين الدولار والنفط التي تعد أساس الهيمنة المالية الأمريكية من خلال ما يعرف بالبترو دولار أي تسعير النفط بالعملة الأمريكية.
ونبّهت جامعة «هارفارد» الأمريكية إلى هذا الخطر الاستراتيجي في دراسة تحت عنوان «الحرب على إيران: الكلفة الباهظة» حيث أكدت أن منظومة البترو دولار أصبحت على المحك مشيرة إلى أن الكلفة الحقيقية للحرب أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.
وبالمحصّلة يمكن القول إن تداعيات الحرب على إيران كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس حيث زادت في إضعاف الاقتصاد الأمريكي وتعميق الأزمة المعيشية في ظل مستويات تضخم غير مسبوقة كما عمقت المخاوف من انهيار أسس الديمقراطية بسبب تعنت دونالد ترامب وسعيه إلى الاستحواذ على كل السلطات.
أما على الصعيد الخارجي فقد تسبّب الافراط في التهديد باستخدام القوة العسكرية والابتزاز المالي للحلفاء في تحويل الولايات المتحدة إلى خطر جسيم على الأمن والسلم الدوليين واستقرار الاقتصاد العالمي لا سيما بعد اندلاع الحرب الايرانية التي أدت إلى غلق مضيق هرمز متسببة في موجة تضخمية عنيفة وضعت الحكومات في سائر دول العالم أمام تحديات خطيرة.
وبالمحصّلة لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تتحمّل مزيدا من أخطاء دونالد ترامب لا سيما في ظل انعدام الحلول أمام «مأزق مضيق هرمز» فسواء رضخت واشنطن للشروط الايرانية أو واصلت في اتجاه التصعيد ستخسر هيبتها العسكرية وسيطرتها على نفط الخليج الذي يمثل واحدا من أهم أسس مركزية الاقتصاد الأمريكي بما يعني أن عزل دونالد ترامب سيكون الحل الوحيد المتاح أمام الدولة العميقة للحد من الخسائر الاستراتيجية وتنفيس الاحتقان الشعبي الداخلي حتى لا يخرج عن السيطرة.

























