اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
عبدالناصر مجلي*
الثيران
أوشكا على السقوط في البئر. كانت معركة طاحنة، حينما رأى الأسود غريمه الأبيض مزّق الحبل المشدود إلى عنقه بأسنانه، وانطلق مثل المجنون. خفتُ وأنا أرى الوحش متجهًا صوبي، يرغي ويزبد، لم يمسّني بسوء، نظر في عينيَّ عدوُّه ومضى كعاصفة من غبار، ويبدو بأن ثورنا قد فهم الرسالة، فأطلق خوارًا مدويًا كمن يحذرني بأن أترك الحبل، وقد فعلت، وطار وراء متحدّيه وأنا بعدهما، حتى وصلا إلى قلب ميدان القرية وخوارهما يمزّق عنان السماء، كان خوارًا ينذر بكارثة.
تقابلا وجهًا لوجه، رفسا الأرض، ونفخا من منخريهما، وبدأت المجزرة. تناطحا بوحشية، وعضّ كلٌّ منهما عدوَّه بحقد. خرجا من الميدان وخوفي يتبعهما. كان الوقت قرابة الرابعة بعد العصر، وجميع سكان القرية في بيوتهم يمضغون القات، ووحدي أشهد عراكًا ضاريًا. اتجها باتجاه الحقول، أحيانًا يسبق ثورنا، وأخرى يسبق الثور الآخر، وأثناء مطاردتهما كانا يلتحمان بجنون كعدوَّين قديمين. انكسر قرن ثورنا، فأطلق خوارًا موجعًا وعاود هجومه كمن يود الموت بأقل كرامة ممكنة. خرّبا الأعرام، وحصدا عيدان القات والذرة، واخترقا جميع الموانع والحواجز في معركتهما الكارثية تلك، وأنا وراءهما أسمع وأرى. في إحدى المرات أوشكا أن يقعا في بئر عميقة، بئر كفيلة بسلقهما حتى العظم. كان الثور الأسود خبيثًا، مفتول العضلات، شديد المكر، وكذلك كان ثورنا الأبيض، لكنه لم يكن ماكرًا.
عندما كنت أتأخر في النوم، كان يناديني بخواره المبهج الشفيق، فأفزّ من النوم وآخذ «كُبانتي» وقربة الماء، وأنطلق معه إلى الوديان. وحينما أصل إليه، كان يداعبني بلسانه، ويتمسّح برأسه الكبيرة على صدري الصغير. وعندما كان يلحظ إعيائي أو تعبي أثناء عودتنا عند غروب الشمس، كان ينوخ حتى أعتليه. كان بمثابة صديق، وكنت أحبه حتى سرت قصة حبي له بين أقراني وأهل القرية. وكثيرًا ما كنت أُسأل: «من تحب أكثر في الدنيا؟»، فأجيب دون تردد: «أمي وأبوي وحقّنا الثور».
والآن، ها هو ثوري المسالم يقاتل عن كرامته بشجاعة في معركة فُرضت عليه فرضًا. كنت أصرخ فيه: «إعور عينه يا أبيض.. أجدم سنامه يا أبيض.. أدهفه إلى البير يا أبيض». كنت أدعو الله في سري أن ينصره: «يا الله، انصر الأبيض». كانت معركة غير متكافئة؛ فالثور الأسود كان جبارًا وشديد الضخامة. كنا نسميه الشيطان الأسود لشراسته وكثرة أذاه، وها هو ابن البقرة يوشك أن يفتك بالأبيض متوسط الضخامة.
فجأة، وعلى حين غرة، انقضّ على الأبيض في حركة دائرية سريعة، ونطحه نطحة قاضية ألقت به على الأرض، واستعد لقتله بقرنيه اللعينين. رأيت أنه قد يفعلها ويقتل ثوري الحبيب، فتقدمت مرتجفًا، وحلت بينه وبين ثورنا الكبير، وأنا أبكي وأهشّ بيديَّ الصغيرتين التراب والحصى في وجهه. كان الأبيض يلعق جراح الهزيمة، والوغد الأسود يستعد للانقضاض عليه في هجمة أخيرة. وكنت قد عقدت العزم على الموت مع الأبيض، فأي حياة بعده؟
رفع خواره المفجع في وجهي، يأمرني بالابتعاد، والأبيض من خلفي يحاول برأسه أن يزيحني عن طريقه حتى لا أُصاب بسوء، لكنني عاندت وبقيت مكاني. هجم الأسود علينا، فخفت وجثوت على ركبتيَّ مفزوعًا حتى أعماق قلبي. أحسست بأنفاسه الحارة تلهب رقبتي، ورفس بقدمه وأطلق خوارًا عاليًا، كما لو كان يضحك، وغادر مزهوًّا بنصره الظالم.
نهضت وأنا أرتجف والدموع في عيوني، وأخذت رأس الأبيض بين ذراعيَّ أواسيه وأبكي عليه. أنهضته وأخذنا طريق العودة إلى البيت، تحزّ في داخلنا هزيمة موجعة، والشمس توشك على المغيب. وطول الطريق، تجمعت الثيران، لا أدري من أين أتت، وأخذت تنظر إلينا في أسى.
الضباع
كانت أشراكًا قاتلة تلك التي كنا نقوم باختراعها. نطارد الضباع بصراخنا الطفولي ومطر أحجارنا محيطًا بها من كل حدب وصوب، ونحن جيش عرمرم من الفتيان الأشقياء. لم يكن يخيفنا شيء. كنا أيام العلّان نقفز إلى الآبار من أعاليها الشاهقة ونحن نصرخ رعبًا وهياجًا، ونصطاد الحيات والأفاعي والعقارب، وكذلك نصطاد الصقور والثعالب، ونسرق الحمير والدجاج، وأخيرًا نصطاد الضباع التي قيل بأن أضراسها تشفي المجانين.
كنا نحيط بالضبع المسكين من كافة الجهات، مثيرين فوضى عظيمة وغبارًا كثيفًا، حتى نجبره على العودة إلى جحره أو مغارته. وحينما يلج مأواه، نقوم بإشعال نار هائلة أمام المأوى، وندفع الدخان باتجاه الفتحة، فيموت الحيوان مختنقًا. ثم نقوم بسحبه من الأقدام أو بالذيل، ولكي نتأكد من موت هذه الطرائد، نقوم بتهشيم جماجمها بأحجار كبيرة، ونخلع الأضراس ونقوم بتنظيفها من بقايا الدم واللحم العالق بها بالماء والتراب.
وفي سوق القرية الأسبوعي نبيع بضاعتنا، وبعد كل بيعة موفقة نبدأ على الفور بإقامة مراسم احتفال تليق بالمناسبة. نشتري بطاطًا مسلوقًا وبيضًا وكبدة مشوية ومياهًا غازية وعصائر، وكل ما يفرحنا.
مرات كثيرة اقتتلنا فيما بيننا عندما نختلف على نصيب كل واحد فينا. وفي العادة، كان الذي يدخل إلى المغارة أو الجحر يحوز على نصيب الأسد؛ لأنه يخاطر بحياته. ولا نزال نتذكر أحد رفاقنا، وكيف أوشك أن يلقى حتفه عندما دخل وراء ضبع أنثى، وقد كانت أمًّا لعدة جراء، ولذلك فقد قاومت الموت خشية على صغارها، الذين بركت فوقهم لتحميهم من الاختناق، على الرغم من انقضاء وقت طويل على استنشاقها للدخان القاتل. ولأنه كان أشرسنا وأكثرنا حبًّا للمشاكل، فقد كان من الطبيعي أن يكون معه خنجر دافع به عن نفسه، ولولاه لكان قد نُهش حتى العظم.
خاض رفيقنا معركة لم يتوقعها، ولحسن الحظ، كانت الضبع الأنثى في حالة دوخة من جراء الدخان، ولولا ذلك لما رأى الشمس ثانية. خرج منهوشًا بعض الشيء، خصوصًا يداه وصدره.
«كانت الضبع شاتكلني يا أبناء الحرام، وأنتم ولا أنتم داريين!».
كان مخطوف اللون، ولكي نثبت له إخلاصنا لقيادته الباسلة، فقد أخذنا الجراء جميعًا، وصعدنا بها إلى قمة شاهقة، وقذفنا بها من حالق، ثم أتبعناها بسيل من الصخور ونحن نضحك.
كنا قساة لا نرحم. بعد تلك الحادثة، قررنا زيادة نصيب أكثرنا عرضة للأخطار.
مرت الأيام وكبرنا، ورفيقنا المؤذي يزداد انطواءً وابتعادًا عنا، حتى أتى ذلك اليوم المشهود الذي رأينا فيه ذلك الزعيم يركض في أزقة القرية عاريًا تمامًا. جُنّ، ولا ندري كيف حدث ذلك. حزنا عليه قليلًا، وعاودنا حياتنا بشكل عادي. منا من ذهب إلى المدرسة، وآخرون إلى الحقول لمساعدة آبائهم، والبعض أخذ يعمل أُجراء عند الناس. لكن صاحبنا فلت عياره إلى درجة محزنة، فقررنا أن نقوم باصطياد ضبع وخلع أسنانه لنعيد للمجنون عقله. بل إننا صنعنا قلادة كاملة من الأسنان ووضعناها على عنقه، لكن صاحبنا ظل يذرع أزقة القرية ذهابًا وإيابًا، عاري البدن، متسخ الهيئة، مطلقًا أصواتًا تذكّرنا بأصوات الضباع التي كنا نصطادها.
النحل
لو أن مجنونًا أمضى من عمره ألف عام في الجنون، وقيل له أن يفعل ما فعلته، لرفض رفضًا قاطعًا. فقد تحداني بعض أقراني تحديًا كاد أن يؤدي بي:
«نتحداك أن تطلع دامن بالليل وتسرق جبح العسل حق مسعد المعلّق في ضاحة الجن».
كانت فعلًا ضاحة لا يسكنها سوى الرعب والصمت، ولا يستطيع أحد، كائنًا من كان، الصعود إليها سوى الماعز الجبلي مسعد اللعين، الذي كنا ندعوه «ربيح» لكثرة الشبه بينه وبين الرُّباح. كان تحديًا أشبه بالقتل. وكنا في أواخر رمضان تلك السنة البعيدة، وبمجرد أن فرغنا من عشائنا، التقينا في ساحة القرية، وبدأنا سرد شروط الاتفاق:
«تحضر جبح العسل، ولك يوم العيد حقنا العيدية، ونخليك رئيسنا».
كنت قد أفرطت أمامهم في سرد بطولاتي الخيالية، وكيف أنني طاردت «صَيَّادًا» ذات ليلة إلى خارج القرية. نعم، كنت شجاعًا ويهابني أقراني الصغار، لكن ليس إلى ذلك الحد الذي أكذب فيه عليهم بما لا يُصدَّق.
قبلت الشرط دون مناقشة؛ فإما القيادة وإما العار. وذهبت باتجاه حافة الجن، ليس معي سوى كشّاف يعمل بالبطاريات الجافة. وكان الشرط أن أقوم، بمجرد وصولي إلى هناك، بإرسال ثلاث إشارات ضوئية دليلًا على وصولي. ودّعني رفاقي، وأخذت طريقي شرقًا باتجاه التحدي.
في تمام التاسعة، بعد صلاة العشاء، كنت أقف أسفل العسل البري المعلّق في هاوية سحيقة. كنت قد حاولت مرات عديدة الوصول إلى هناك نهارًا ولم أفلح، فكيف والظلام دامس؟ لم يكن معي أي سلاح يُذكر. أنا ابن الخامسة عشرة من العمر، الشديد الحماقة. لم تواجهني مصاعب، ولم تكن ثمة ضباع أو ذئاب تعترضني. كان عليّ أن أستغرق بعض الوقت حتى أصل إلى «الجبح».
كنت أعرق من كل مفصل. طبعًا، لم أذكر أنني أوشكت على الانزلاق عدة مرات. قد لا أموت إذا سقطت باتجاه غدير كبير كنا ندمره بسباحتنا الصبيانية، لكن الخوف كان أن أسقط باتجاه «الشروي» السحيق، وهناك تكون الخاتمة العمياء.
وقبل أن أبدأ عملية النهب، قرّبت أذني لأسترق السمع، كما لو كنت أتنصت على معسكر للأعداء. لم أسمع أزيز النحل. مددت يدي بحذر وانتزعت عجينة شمعية مشبعة بالعسل والتهمتها. كانت شديدة الحلاوة، لها حموضة خفيفة. واصلت الالتـهام حتى شبعت. رغم حذري، فإن النحل قد انتبه للمعتدي، فانطلقت المقاتلات للذود عن وطن العسل.
أخرجت بسرعة كيسًا بلاستيكيًّا من جيبي، ووضعت فيه ما استطعت غرفة من عسل، حتى أحسست باللدغات الأولى في جبيني. لقد ابتدأت المعركة. تراجعت حتى أوشكت على السقوط، تماسكت بمعجزة، ودويّ النحل يحيط بي من كل مكان. أرسلت ثلاث إشارات ضوئية دليلًا على وصولي، وما هي إلا ثوانٍ فقط حتى بدأت بطني بالغليان، كما لو أن نارًا هائلة شبت فيها. كنت قد أكلت يرقات النحل دون أن أراها، كما يبدو. كانت بطني تمزقني بألم لا يُطاق، والنحل الذي كان قد حدد مكاني بدقة أخذ ينوشني دون شفقة.
انبطحت على حافة صخرية في محاولة يائسة للهروب من القرص المميت، وبطني في اتقاد. كنت أحس بالنار في لساني. انتابتني دوخة خفيفة كدت على أثرها أفقد توازني. تحاملت، وأوشكت على الموت.
«يا مه حيدي!»
خرجت عفوًا من فمي وبدأت بالبكاء. كان بكاءً موحشًا في ذلك الصمت المظلم الشديد الإطباق. فجأة، شعرت بالنار تخرج عنيفة من حلقي، فتقيأت أمعائي، وداهمني إسهال عاصف لم أستطع التحكم فيه. أحسست أني ميت لا محالة، خصوصًا أن النحل لم يترك لي فرصة للتنفس، بينما كان تراجعي بطيئًا خشية الانزلاق إلى الأسفل.
وبينما أنا أصارع الجحيم الذي يحيط بي، إذ بي أرى عصافير مضيئة فائقة السرعة تتقدم باتجاهي، لكن يا للعنة، لم تكن عصافير، بل طلقات محمومة تتجه نحوي. انبطحت على بطني، وحاولت أن أقي رأسي بذراعي. لم تصبني الرصاصات التي كانت تأزّ بجوار أذني بلا هوادة. خارت قواي، وأدركت بأن العيد سيأتي بينما أكون قد ذهبت إلى مكان بعيد.
صرخت بكل ما أملك من صوت:
«ييه، هذا أنا.. ليش تشتوا تقتلوني يا عيال القحاب؟».
طبعًا، لم يسمعني أحد. دارت الدنيا في عيني، وارتخت قبضتي الممسكة بحرف صخري. أحسست بالأشياء تنسحب من تحتي وأنا أنزلق قليلًا قليلًا. حاولت التشبث بأي شيء، وعصافير النار تهاجمني بضراوة. كانت تصفّر فوق رأسي وترتطم بالجدار الصخري مثل حبات البرد. جرحتني الشظايا، وكان جسمي مخدّرًا، وأثر القيء في فمي، والذرق يملأ سروالي.
كان وضعًا لا يُطاق. داهمني شعور قاتل بالخوف والبرد والبكاء والعار من وضعي، ولُمت نفسي على قبولي للتحدي الغبي. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أستعد فيها للموت. وقبل أن يُغمى عليّ، كنت قد أطلقت صرخة مروّعة. سمعت صداها يأتيني من كل حدب وصوب، وأنا أهوي من شاهق مثل حجر كبير ليس له اتجاه!
ربيع 97 – ديربورن (من مجموعة الأعمال الكاملة للقاص)
*عبدالناصر مجلي شاعر وقاص وروائي يمني أمريكي













































