اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ أب ٢٠٢٦
نسبة الإشغال تصل حالياً إلى 200 في المئة داخل بعضها مما يجعل الوضع غير إنساني
لم تختبر موجة الحر الأخيرة التي اجتاحت تونس، قدرات الدولة على مجابهة الحرائق التي اندلعت في عدد من غابات وأحراش تونس وحسب، بل امتدت إلى البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، حيث كشف الطلب المتزايد لاستهلاك الطاقة عن حقيقة قدرات الإنتاج لدى الشركة الوطنية للكهرباء والغاز، مما خلّف تداعيات على المؤسسات الاقتصادية، وسخطاً شعبياً إزاء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
وحوّل الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة حياة التونسيين إلى جحيم، بينهم آلاف المساجين الذين واجهوا أوضاعاً مأسوية، بسبب هشاشة البنية التحتية داخل السجون والاكتظاظ ونقص التهوئة وانقطاع المياه، مما جعل السجن فضاء مهدداً لحياة المحتجزين.
خليل يقطن في ضواحي العاصمة، والده مقيم في سجن شمال العاصمة، يقوم برفقة والدته وشقيقته بزيارته أسبوعياً، يقول 'هي لحظات لا تنسى عندما نكون في السجن نتحدث إلى الوالد الذي أنهكته أعوام الحبس الأربعة، خلال موجة الحر كنت أشعر بما يعانيه والدي البالغ من العمر 59 سنة، يبدو منهكاً، يستعين بمروحة من السعف التقليدي الطبيعي، كان قد طلبها منذ بداية الصيف، والدي لا يتذمر كثيراً إلا أن ملامح وجهه تكشف عن معاناته، السجن يضيق بطبعه، فما بالك بحرارة قياسية تجاوزت 48 درجة في مناطق عدة'.
ويردف أن 'السجون تفتقد إلى التكييف، توجد بعض المراوح الكهربائية المعلقة في الأسقف إلا أنها لا تلطف الجو، ولا تفي بالحاجة في ظل تكدس المساجين، الاكتظاظ معضلة كبرى'، ويروي نقلاً عن والده 'خلال موجة الحر، نُقل عدد من السجناء ممن يعانون مشكلات في التنفس إلى المستشفيات'.
ودعا خليل مؤسسات الدولة إلى التفكير في حلول للتخفيف من الضغط والاكتظاظ ضمن الوحدات السجنية، قائلاً 'يتزاحم السجناء على الحمام، يتبللون بالماء البارد للتخفيف من وطأة الحر، يكفي السجين أنه محروم من الحرية بعيداً من أهله، فكيف له أن يتحمل محنة إضافية؟'.
ولا يختلف وضع السجون التونسية بين تلك المخصصة للرجال والأخرى المخصصة للنساء، وتحدثت مفيدة العائدة لأهلها إثر تجربة سجنية قاسية، دامت عامين ونصف العام بتهمة ترويج مواد مخدرة، وانتهت مباشرة إثر موجة الحر، عن انقطاع التيار الكهربائي الذي يدوم ساعات، و'على رغم جهود إطارات الوحدة السجنية من خلال توفير بعض قوارير المياه الباردة، فإن الحرارة العالية تدفع السجينات إلى التزاحم على الحمامات لتلطيف الجو الحار'.
وتبدو قلقة على من بَقيْن داخل السجن من النساء اللواتي أقامت معهن أشهراً كاملة، وتضيف أن 'الشتاء أرحم، إذ يمكن التعامل مع الطقس البارد من خلال توفير الأغطية، أما الصيف فهو الجحيم بالنسبة إلينا، إنها محنة مضاعفة في فضاء ضيق باهت، كل جزء منه يروي قصة ومحنة، التجربة في السجن قاسية وتزداد قساوة أثناء الحر الشديد'.
وتقترح مفيدة مزيداً من العناية بالسجون وتخفيف الضغط والاكتظاظ، وتوفير مكيفات حتى لا تكون المعاناة مضاعفة، مستحضرة بألم شديد 'السجن والبعد من الأهل والحر الشديد والماء الساخن، هي أوجاع لا تنتهي حتى بعد الخروج من السجن'.
وحذرت المنظمات الحقوقية من تردّي الأوضاع داخل السجون التونسية، من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأطلقت نداءات عاجلة للسلطات لاتخاذ إجراءات فورية لحماية المحتجزين، معتبرة أن الظروف المناخية الاستثنائية كشفت عن هشاشة البنية التحتية للسجون، وأعادت طرح ملف إصلاح السياسة الجزائية والحد من اللجوء المفرط إلى الحبس.
ويؤكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي لـ'اندبندنت عربية' أن 'الرابطة تمكنت من زيارة كثير من السجون، وأصدرت تقارير عدة، خلصت من خلالها إلى أن ظروف الاحتفاظ بالمساجين وإيقافهم هي ظروف لا إنسانية مع تسجيل نقائص عدة نظراً إلى عدم وجود ما يكفي من الإمكانات'.
ويضيف أن 'نسبة الاكتظاظ تصل حالياً إلى 200 في المئة داخل بعض السجون، مما يجعل الوضع غير إنساني، علاوة على أن ظروف الإقامة متردّية جداً، فهناك نقص في التهوئة وانتشار للأمراض ونقص في الرعاية الصحية وفي التغذية ومشكلات في الوصول إلى المرافق الصحية والحاجات الأساسية، وهذا كله يؤثر في وضعية المساجين'.
ويردف الطريفي أن 'هذا الوضع يتفاقم عندما ترتفع درجات الحرارة بصورة كبيرة، في ظل وجود زنازين غير مكيفة وغرف مكتظة، مما يجعل ظروف الإقامة ترتقي إلى المعاملة اللاإنسانية والمهينة للكرامة البشرية'.
ويقول 'بصفتي محامياً، زرتُ عدداً كبيراً من المحتجزين، من موقوفي الحق العام وسجناء الرأي في تونس، وهم جميعاً ومن دون استثناء يعانون ظروفاً متردّية للإقامة في السجون، بخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وطالبنا السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية بإصدار عفو عن المساجين الذين تتوافر فيهم شروط العفو والسراح الشرطي'.
ويردف أن 'أكثر من 50 في المئة من نزلاء السجون هم في حال إيقاف تحفظي، ودعونا النيابة العمومية وقضاة التحقيق إلى عدم إصدار بطاقات إيداع بالسجن إلا عندما تقتضي الحاجة'، داعياً إلى 'إصدار عفو عام على مساجين الرأي والمساجين السياسيين بحسب الملفات، واعتماد العقوبات البديلة، مما يسهم في التخفيف من الاكتظاظ داخل السجون وتحسين ظروف الإقامة'.
وكانت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب رفعت بدورها جملة من التوصيات والمقترحات العاجلة إلى السلطة، بغية اتخاذ التدابير الوقائية من تداعيات موجة الحر الاستثنائية التي شهدتها تونس، على أوضاع الأشخاص المودعين في السجون، مع الاكتظاظ الذي تعرفه غالبية هذه الوحدات.
في المقابل، أكدت الهيئة العامة للسجون والإصلاح عبر بيان أنها 'اتخذت جميع الإجراءات المستوجبة داخل الوحدات السجنية من ناحية ظروف الإقامة والرعاية الصحية، إثر الظروف المناخية الاستثنائية المتمثلة في ارتفاع درجات الحرارة'، ونفت الهيئة ما يُروّج بخصوص تدهور الحال الصحية لبعض المساجين وحرمان ذويهم ومحاميهم من زيارتهم.
يُشار إلى أن عدد المساجين في تونس بلغ نحو 33 ألفاً عام 2025، يقيمون في 30 سجناً، تبلغ طاقة استيعابها 18 ألف سجين فقط، مما يعكس بوضوح حال الاكتظاظ اللافتة.

























