اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ١٩ كانون الأول ٢٠٢٥
في قلب منتزه نيلسون ليكس الوطني بالجزيرة الجنوبية لنيوزيلندا، تختبئ بحيرة صغيرة آسرة بلون أزرق يميل إلى البنفسجي، تحيط بها غابات ألبية شديدة الانحدار، وتتغذى من مياه جليدية قادمة من بحيرة كونستانس ورغم مساحتها المحدودة، تحمل هذه البحيرة قيمة بيئية وثقافية استثنائية جعلتها محط أنظار العالم.
اكتشفت قبيلة نغاتي آبا الماورية البحيرة قبل قرون، وأطلقت عليها اسم Rotomairewhenua، أي “بحيرة الأراضي السلمية”. وبالنسبة لأفراد القبيلة، لم تكن البحيرة مجرد مسطح مائي، بل مكانا مقدسا تنقي فيه عظام الموتى، اعتقادا بأن ذلك يضمن للروح رحلة آمنة إلى موطن الأجداد في “هاوايكي”.
ورغم توقف هذه الطقوس اليوم، لا تزال البحيرة تحتفظ بمكانتها الروحية العميقة لدى أبناء القبيلة، باعتبارها جزءًا من هويتهم الثقافية المتوارثة.
لفترة طويلة، كان هواة المشي في الطبيعة يلاحظون اللون الفريد للبحيرة وصفاء مياهها اللافت لكن قبل نحو عقد فقط، أكد العلماء ما كان ينظر إليه كإحساس شخصي، إذ أظهرت الدراسات أن مياه Rotomairewhenua تتمتع بـنقاء بصري استثنائي يسمح بالرؤية لمسافة تتراوح بين 70 و80 مترًا، وهو مستوى يضاهي نقاء المياه المقطرة.
هذا الاكتشاف منحها لقب “أنقى بحيرة في العالم”، لتتحول صورها إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويزداد الإقبال عليها، خصوصا خلال أشهر الصيف النيوزيلندي بين ديسمبر ومارس.
لكن هذه الشهرة لم تمر دون قلق إذ يخشى حماة البيئة وقبيلة نغاتي آبا أن يؤدي تدفق الزوار إلى تهديد نقاء البحيرة الهش، لا سيما مع خطر انتشار طحالب ميكروسكوبية غازية تعرف باسم “ليندافيا”، أو ما يطلق عليه شعبيا “ثلج البحيرة” أو “بلغم البحيرة”.
وتوجد هذه الطحالب بالفعل في بحيرات تقع أسفل مجرى Rotomairewhenua، مثل Rotoiti وRotoroa وTennyson، مع احتمال انتقالها إلى البحيرة عبر أحذية المتنزهين أو معداتهم أو حتى قطرات الماء العالقة بزجاجات الشرب.
تُعد طحالب ليندافيا نوعا غازيا في نيوزيلندا، ويرجح العلماء أنها وصلت من أمريكا الشمالية عبر معدات الصيد فمجرد جزء صغير منها كفيل بتغيير النظام البيئي للبحيرة بشكل دائم، إذ تنتقل بسهولة عبر قطرات الماء.
ورغم أنها غير سامة للبشر، فإنها تفرز خيوطًا لزجة قد تسد معدات الصيد ومرشحات القوارب، وفي حالة Rotomairewhenua قد تحجب صفاء المياه الذي يجعلها فريدة عالميًا.
منذ نشر الأبحاث العلمية عام 2013، تضاعف عدد الزوار أكثر من مرتين، وفق بيانات وزارة الحفاظ على البيئة في نيوزيلندا ويصل معظم المتنزهين إلى البحيرة عبر مسارات تستغرق يومين أو أكثر، أو ضمن مسار Te Araroa الشهير الممتد على طول البلاد.
ومع ازدياد الإقبال، بدأت الوزارة بالتعاون مع منظمة Ngāti Apa ki te Rā Tō Trust وTe Araroa Trust بتطبيق إجراءات الأمن البيولوجي، شملت إنشاء محطات تنظيف قرب البحيرات المصابة بالطحالب، مع لوحات إرشادية تطالب الزوار بتنظيف أحذيتهم ومعداتهم قبل التوجه إلى Rotomairewhenua.
إلى جانب التنظيف، توجه دعوات صارمة للزوار بعدم لمس مياه البحيرة أو السباحة فيها أو حتى تبليل المناشف أو غمر الكاميرات ويعود ذلك ليس فقط إلى مخاطر التلوث البيولوجي، بل احترامًا لقدسية المكان.
خلال فصل الصيف، يتواجد حارس في الموقع من وزارة الحفاظ على البيئة أو من ممثلي قبيلة نغاتي آبا لمراقبة سلوك الزوار وتوعيتهم بالمخاطر البيئية والأهمية الثقافية للمكان.
ورغم مؤشرات إيجابية على التزام كثيرين بالتعليمات، تشير الاستطلاعات إلى فجوة بين فهم المخاطر واتخاذ الإجراءات الوقائية فعليًا، إذ يعتقد بعض الزوار أن التهديد يأتي من الآخرين لا منهم.
وبما أن البحيرة تقع داخل منتزه وطني، فإن تقييد أعداد الزوار ليس خيارا مطروحا حيث تركز الرسالة الرسمية على تشجيع السياحة الواعية، التي توازن بين الاستمتاع بالطبيعة والحفاظ عليها.


































