اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
بقلم فاهم بوكدوس
كلما ظهرت أزمة في قطاع من القطاعات، يتكرر الاقتراح نفسه: دعوا الجيش يتولى الأمر. من الماء إلى الكهرباء، ومن السدود إلى الطرق السيارة، ومن النقل إلى النسيج، وصولاً إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وكأن كل عجز في إدارة قطاع مدني يمكن حله بمجرد نقل المسؤولية إلى المؤسسة العسكرية.
ان هذه الدعوات ليست مجرد اقتراحات عابرة، بل تكشف عن استسهال خطير لمعالجة أزمات السلطة، وعن رغبة في البحث عن حل سريع ومريح بدل مواجهة الأسباب الحقيقية للفشل.
فالجيش في تونس له أدوار واضحة ومحددة، ترتبط أساساً بالدفاع عن الوطن وحماية حدوده وسيادته، والمساهمة في حماية البلاد في حالات الكوارث والأزمات وفق ما يضبطه القانون، إلى جانب المهام التي توكل إليه في إطار الأمن القومي والدفاع المدني والنجدة عند الضرورة. وقد أثبت الجيش في أكثر من مناسبة قدرته على التدخل عندما تستدعي الظروف ذلك، لكنه لم يُنشأ لإدارة شركات الماء والكهرباء، أو تسيير الطرقات، أو إنقاذ المؤسسات العمومية المتعثرة، أو إدارة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
المؤسسة العسكرية ليست بديلاً عن الدولة المدنية ومؤسساتها:
عندما يُطلب من الجيش التدخل في كل مرة تعجز فيها إدارة أو مؤسسة أو وزارة عن القيام بدورها، فإننا لا نعالج الخلل، بل نخفيه مؤقتاً. وقد يبدو الأمر ناجعاً في اللحظة الأولى لأن المؤسسة العسكرية تتمتع بالانضباط والقدرة على التعبئة وسرعة التنفيذ، لكن ذلك لا يحل سؤالاً أساسياً: من الذي سيدير القطاع غداً؟ ومن سيضع السياسات؟ ومن سيضمن التمويل والصيانة والتخطيط والاستثمار؟
ان أزمة الماء، مثلاً، لا تُحل بمجرد تكليف الجيش بتوزيع الماء أو إدارة المنشآت. وأزمة الكهرباء لا تُحل بإرسال وحدات عسكرية إلى محطات الإنتاج. وأزمة السدود لا تعالج بتغيير الجهة التي تشرف عليها، وإنما تحتاج إلى سياسة مائية واضحة، واستثمارات، وصيانة، وحوكمة للموارد، ومساءلة لمن يتحمل مسؤولية القرارات المتراكمة،والأمر نفسه ينطبق على الطرقات والنقل والنسيج والمؤسسات العمومية وغيرها،ففشل القطاعات هو قبل كل شيء سؤال سياسات عمومية.
وإذا كانت مؤسسة عمومية عاجزة، فعلينا أن نسأل عن أسباب هذا العجز، وعن الخيارات التي قادت إليه، وعن المسؤولين عن إدارته، وعن الموارد التي رُصدت له، وعن القرارات التي اتُخذت أو لم تُتخذ. وإذا كانت البنية التحتية متهالكة، فعلينا أن نسأل عن سياسات الاستثمار والصيانة. وإذا كان قطاع استراتيجي يعيش أزمة، فعلينا أن نراجع طريقة إدارته وتمويله وحوكمته.
لا يمكن تحويل الجيش إلى مخرج دائم من أزمات الإدارة والسياسات العمومية:
ان الأخطر أن تتحول هذه الذهنية تدريجياً إلى قاعدة عامة: كلما عجزت مؤسسة مدنية، استدعينا الجيش؛ وكلما تعقدت أزمة اجتماعية، طلبنا منه التدخل؛ وكلما احتدم خلاف سياسي، ظهرت أصوات تريد إقحامه في المشهد. وهنا يصبح الأمر أخطر بكثير من مجرد نقاش حول إدارة قطاع اقتصادي.
ان الجيش يجب أن يبقى بعيداً عن التجاذبات السياسية، كما يجب أن تبقى السياسة بعيدة عن محاولة استخدامه كأداة لحسم الخلافات المدنية،فإقحام المؤسسة العسكرية في المجال السياسي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا يقوي الدولة، بل يضعف مؤسساتها المدنية ويخلط الأدوار ويهدد التوازن الضروري بين مؤسسات الجمهورية.
كما أن استدعاء الجيش لحل كل مشكلة يحمل في داخله اعترافاً ضمنياً بالعجز عن بناء حلول مدنية مستدامة. وهو، في كثير من الحالات، حل سهل وغير مكلف سياسياً: بدلاً من إعادة هيكلة مؤسسة، أو تغيير سياسة، أو توفير التمويل، أو مواجهة لوبيات ومصالح، أو تحمل مسؤولية قرار خاطئ، يتم رمي الكرة إلى طرف آخر ليس معنياً أصلاً بإدارة ذلك القطاع.
القضايا الكبرى لا تُدار بهذه الطريقة:
ان الأزمات الحقيقية تحتاج إلى تفكير استراتيجي، وتخطيط طويل المدى، وتدبير عقلاني للموارد، وإصلاح المؤسسات، وتحمل المسؤولية السياسية والإدارية. وهذه كلها أعمال صعبة، وتحتاج إلى وقت وقرارات وقد تفرض كلفة سياسية على من يتخذها،أما القول «دعوا الجيش يتولى الأمر» فهو في أحيان كثيرة اختصار لكل ذلك الطريق،لذلك، المطلوب ليس منع الجيش من أداء أدواره المشروعة، بل إعادته إلى موقعه الطبيعي داخل الدولة، واحترام اختصاصاته، وعدم تحميله مسؤوليات ليست من صميم مهمته. والمطلوب في المقابل أن تتحمل الحكومة والوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية مسؤولياتها كاملة، وأن تُحاسب على نتائج سياساتها وقراراتها.
لا نحتاج إلى جيش يدير كل شيء، بل إلى دولة تعرف من يدير ماذا، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يُساءل عندما يفشل فالجيش ليس عصاً سحرية لعجز الدولة، ولا يجوز أن يتحول نجاحه في أداء مهامه المحددة إلى ذريعة لتحميله فشل الآخرين'.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للثقافة الوطنية

























