اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية يلجأ مئات إلى أعمال مثل بيع الحلويات التقليدية وإعداد الأطعمة الشعبية لتأمين دخل إضافي
يضفي شهر رمضان سحراً خاصاً على أزقة المدينة العتيقة والأحياء الشعبية في تونس، تنشط الأسواق نهاراً، ولا سيما قبيل موعد الإفطار، فتكتظ بالمارة والمتسوقين. وعلى رغم علامات السخط التي تبدو على كثير من التونسيين بسبب غلاء الأسعار ونقص بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، في ظل تراجع لافت في القدرة الشرائية، فإن طقوس هذا الشهر على مائدة الإفطار تبقى حاضرة ولا تغيب عن البيوت.
يتشكل في هذا الشهر مشهد اقتصادي مختلف مع ظهور مهن موسمية فريدة، إذ يتحول عشرات التونسيين من مختلف الفئات والأعمار إلى باعة يعرضون ما لذ وطاب لتلبية حاجات الصائمين.
فتراهم يملأون أرصفة شوارع المدن وأزقتها بعرباتهم الصغيرة، أو بطاولات يعرضون عليها بضائعهم في الأسواق وأمام المساجد وفي الساحات العامة، بل ويجوب بعضهم الشوارع لبيع ما لديهم.
تنتشر رائحة رمضان في الأزقة والأنهج في مختلف المدن والقرى، حاملة معها عبق هذا الشهر وأجواءه الخاصة. تتسلل رائحة البخور إلى أنوف المارة، فيما تتعالى أصوات الباعة وهم يتغنون ببضاعتهم الرمضانية، من خبز الطابونة العربي إلى أنواع عديدة من الخبز لا تظهر إلا خلال هذا الشهر، مثل خبز المبسس وخبز الزيتون والخبز المفوح. وإلى جانب ذلك تعرض حلويات تقليدية مثل المقروض القيرواني ومخارق باجة وهريسة اللوز، وهي من الأطباق التي تحضر بقوة على موائد التونسيين خلال الشهر المبارك.
يبيع كثير من الباعة هذه المنتجات لمواجهة المصاريف المتزايدة في رمضان، فهناك من يعد عصير الليمون، ومن يحضر السلاطة المشوية ويبيعها في علب جاهزة للاستهلاك، أو يعرض أوراق الملسوقة التي تستخدم في إعداد البريك، وهو طبق حاضر يومياً على موائد الإفطار لدى معظم التونسيين. وهي في مجملها مهن بسيطة يمارسها الكبار والصغار على حد سواء، وتجذب إليها المستهلكين.
خليل، طفل لا يتجاوز عمره 14 سنة، يدفع عربة صغيرة وضع عليها طبقاً دائرياً من هريسة اللوز، إلى جانب علب بلاستيكية صحية بأحجام مختلفة وسكيناً صغيرة ومقبضاً يدوياً للتقطيع.
يحرص على تغطية الطبق بغشاء بلاستيكي غذائي، ويقف مبتسماً للمارة أمام عربته بعد صلاة العصر قرب الجامع الكبير في بن عروس، حيث يبيع الهريسة الحلوة التي تعدها والدته منذ الظهيرة.
يقول خليل إن شهر رمضان يمثل بالنسبة إليه مناسبة مهمة، لأنه يستطيع جمع بعض المال لمساعدة والدته التي تعيله هو وأخاه الأصغر بعد وفاة والدهما قبل عامين في حادثة عمل. ويضيف أن والدته تعد هذا الطبق يومياً خلال رمضان، فيبيعه كاملاً بعد صلاة العصر، موضحاً أن الطبق الكبير مخصص لشهر رمضان، أما في بقية أيام السنة فتعد والدته طبقا أصغر يبيعه أمام المدرسة الإعدادية القريبة.
يقبل التونسيون بكثرة على استهلاك هريسة اللوز، أو الهريسة الحلوة كما يسميها بعضهم، وهي مزيج من السميد وعطر الزهر والسكر وقشور البرتقال المطحونة. توضع في طبق داخل الفرن حتى يصبح لونها ذهبياً، ومن ثم تقطع إلى مربعات وتزين بحبات اللوز. وتستهلك غالباً في شهر رمضان مع القهوة العربية، بينما يقل الإقبال عليها في الأيام العادية.
وتوفر هريسة اللوز مورداً مالياً لمئات العائلات خلال هذا الشهر، لذلك يسجل السميد المتوسط أو الخشن والسكر أحياناً نقصاً في الأسواق بسبب الطلب المتزايد عليهما.
غير بعيد من خليل، يضع العم خميس، وهو متقاعد (65 سنة)، طاولة صغيرة يرص فوقها قطع الملسوقة بعناية، يفصل بين كل ست قطع بورقة صغيرة. يبيع الملسوقة منذ أكثر من عقدين، وهي تساعده في تغطية جزء من مصاريفه خلال هذا الشهر.
تعدها زوجته يدوياً، وتحضر يومياً ما بين 100 و200 قطعة. يبيع العم خميس الدزينة، أي 12 قطعة، بدينار و500 مليم، أي ما يعادل نحو نصف دولار. ويؤكد أن لديه زبائن أوفياء يشترون منه يومياً، وقد نشأت بينهم علاقة خاصة بفضل جودة بضاعته.
وبسبب الصيام تغلق كثير من المطاعم أبوابها نهاراً، بينما تفتح أخرى ليلاً لإعداد وجبات الإفطار. كما تتحول بعض المطاعم إلى محال لبيع الحلويات التقليدية، مثل المقروض والزلابية والمخارق وأذنين القاضي.
في الواقع يستبدل كثير من أصحاب هذه المطاعم نشاطهم المعتاد، بنشاط موسمي أكثر ربحاً خلال رمضان. شكري، وهو صاحب مطعم متخصص في السندويشات والأكلات الخفيفة مثل الصحن التونسي والكفتاجي، يحول مطعمه في هذا الشهر إلى محل لصناعة أنواع مختلفة من الحلويات.
ويقول إنه اعتاد على ذلك منذ سنوات لأن هذه الخطوة تساعده في الاستمرار في العمل وتجنب تسريح العمال، إضافة إلى تمكينه من تسديد التزاماته المالية خلال هذا الشهر.
في حي باب الجديد في العاصمة تونس، يعمل حسني في إعداد السلطة المشوية خلال شهر رمضان، ويقوم بتحضيرها أمام الزبائن بصورة فورية. يقول إنه يمارس هذه المهنة منذ ثلاث سنوات، ويضيف إليها في كل مرة لمسة جديدة، مؤكداً أنه ينوي الاستمرار فيها حتى بعد رمضان بعد أن أصبح لديه عدد من الزبائن، بعضهم من خارج البلاد.
وعن ارتفاع أسعار الخضار، خصوصاً الفلفل الأخضر، يوضح أن كلفة السلطة المشوية باتت مرتفعة، وهو ما يدفع بعضهم إلى التذمر. ويقول إنه يبيع الرطل بـ10 دنانير، أي نحو ثلاثة دولارات و30 سنتاً، ويعمل معه في هذا النشاط إخوته إضافة إلى تشغيل فتاتين. ويضيف أنه يبدأ عمله من التاسعة صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر، مشدداً على أن عمله يتطلب احترام شروط النظافة، ومؤكداً أن الإقبال جيد على رغم الصعوبات.
هذه الخريطة الجديدة من المهن الموسمية تعد ظاهرة لافتة في المجتمعات العربية التي تتكيف مع تغير العادات الاستهلاكية خلال شهر رمضان، وهي أيضاً صورة من صور التدبير الاقتصادي الذاتي، كما تمثل لدى بعضهم وسيلة لإدارة الوقت واستثماره خلال يوم الصيام الطويل.

























