اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
الحسام محيي الدين*
كان السؤال بالأمس: لماذا لا يقرأ العرب؟ وصار اليوم: لماذا لا يقرأ العربُ العرب؟! وبين الأمس واليوم انتقلنا مما هو خطير إلى ما هو أخطر، بعدما خُدِعنا بعالم الخوارزميات، الذي أسقط هذا الاستشكال الحضاري بدلاً من تثويره، وصار من أحلامنا الصغيرة أن نقرأ بعضنا لا أن نقرأ العالم، وأن نحاول، التواصل والتفاعل، بعدما عزّ التكامل. كانت الثقافة مركزية بفعل الإجماع السياسي العربي على قضايا الأمة كفلسطين والأمن القومي والاقتصاد والتنمية، وأنتج ذلك فعلاً شخصيات فكرية ثقافية مخضرمة في الآداب والفلسفة والعلوم كافة، ولا تزال أسماؤها تتردد على ألسنة البحّاثة والأكاديميين والطلاب حتى اليوم، لكن، ومع التراجع عن فكرة الأمة الواحدة، تعدّدت التوجهات السياسية للأنظمة، ودخلنا في اللامركزية الثقافية من بابها الخطأ، من مفاهيم بدأت ترفض الآخر العربي وتحسبه منافساً لها، خارج اهتماماتها، تنغلق على نفسها وهي تعدّ نفسها أكثر إبداعاً وفائدة، وكان من مفاعيل ذلك، أن ذابت القدرات في أروقة التصلّب القُطري وإيثار المصلحة الوطنية على المشروع القومي الشامل، فضاعت المواهب، وتشتّتت الأسماء، وأصبح من الصعوبة رصدها؛ فشاعر شهير في تونس غير معروف في مصر، وفيلسوف في سوريا لا يعرفه قارئ الكويت، وروائي في المغرب لا علم لأبناء لبنان به، وهكذا دواليك في محنة التواصل الثقافي المحكوم بسياسة الدول.
ربما أضجرنا فائض المنتجات المعرفية، التي ليست منجزات بالضرورة، أو التي يظن أصحابها أنها منجزات، هذا التسونامي الهائل من منجزات التأليف ورقياً وإلكترونياً زرع فينا السأم، أثّر فينا وفي رؤيتنا إلى ترتيب أولوياتنا الثقافية، من أين نبدأ؟ وكيف ولمن نقرأ؟ لا سيما أن منها، وهو كثير، يتعهد، بخفة وخفية، تفاهات المادة الخفيفة، التي يضيع فيها مفتاح الإبداع، مع الإشارة إلى أن تراجُع القراءة انعكس على المبدع نفسه، فلم يعد التحدي قائماً بالوتيرة نفسها، ولا بالزخم الإشكالي نفسه، وبتنا نفتقد اليوم لمعايير مشتركة لتقييم نتاجنا الفكري، وما يراه بعض العرب إبداعاً يتجاهله البعض الآخر، ما ثبّط من عزائم كتّاب كثر، فلم يقدّر لهم الانتشار مهما كانت كفاءتهم الإبداعية. لا شك في أنّ الثورة الرقمية لعبت دورا كبيرا في انفتاح العربي على العربي، فما كان يُعرف بالإعلام المتلفز والورقي وتواتر الأخبار من بعيد، تطوّر جداً الى الاتصال المباشر توّاً في اللحظة الزمنية وبسرعة قياسية، لكنه لم يفضِ إلى ثورةٍ قرائية يفترض أنها نتاج طبيعي لثورة التواصل، ولم يحسّن الصورة النمطية للعلاقة الثقافية بين العرب شرقاً وغربا، تلك العلاقة التي تشكل القراءة مدخلها الإلزامي للإفادة من شخصية الآخر العربي، أفكاره، توجهاته السياسية الثقافية، وتطوره المجتمعي.
المفارقة أن العربي قبل عصر النت كان يدفع مالا ويتجشم عناء السفر والانتقال باحثا عن المراجع والمعلومة، كي تشبع نهمه للقراءة، أما اليوم، وبعد سهولة الحصول على كل تلك النتاجات بكبسة زر، فإن قراءاته تلك ضعفت أمام مهارات التكنولوجيا الرقمية وصنّاع المحتوى الإلكتروني التي أخذت بلبّه وهو يرى إلى سلعةٍ تجارية لا خدمة معرفية بالضرورة، تزينها أنواع الموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية، حتى حدود الاقتناع بها. الطامة الكبرى أن واقع القارئ العربي لم يتغيّر، رغم التطور التقاني، واتصاله بالمصنف الإبداعي خرج عن كونه جزءا من مفهوم توحُّد الهموم والطموحات القومية، ولم تعد قراءة المنتج الثقافي والفكري في بيئات أخرى ممارسةً لهويته العربية، ما يطرح السؤال الخطير: ما الذي أفدناه من عالم النت في تطورنا الحضاري الذي تشكّل القراءة أحد وجوهه الثقافية؟ ربما تكون الموضوعات هي السبب، إذ لم تعد تتشابه بين بيئة وبيئة، ولم نعد كما كنا «كلّنا في الهم شرق»؛ فتفاصيل الحياة اليومية المتعلقة بكرامة العيش ليست مشكلة لدى المواطن الخليجي مثلا، لكنها كذلك عند مواطن البلدان العربية الأخرى، والأزمات التي لم يعد يعانيها كل العرب، لم تعد لجميعهم وجبةً دسمةً للقراءة، ولو كانت قضية فلسطين نفسها، هذا مؤسف لكنه واقع، مؤثر حتماً في طبيعة الإقبال على قراءة العربي للآخر. لكن لا بد من النمذجة.
بين عامي 2023 و2025 توفّي الروّاد: الإماراتي خليفة بن حماد الكعبي، والمفكّر القطري ربيعة الكواري، وكذلك المغربي عباس الجراري، والمؤرّخ الجزائري محمد حربي، والكويتي يعقوب يوسف السبيعي، الذي يوصف بشاعر الكويت، ثم السعودي بدر بن عبد المحسن مهندس الكلمة في الأغنية السعودية والذي عدّه البعض، «من أبرز رواد الحداثة الشعرية»، واللبناني شوقي أبي شقرا، والعُماني زاهر الغافري، والرسامة السعودية صفية بنت زقر، والمصري حلمي التوني، والفلسطيني فتحي غبن، والكويتي عبد العزيز سعود البابطين رائد الثقافة والنشر العلمي العربي والعالمي، والإماراتي عبد الرحمن الصالح من رواد السينما الخليجية والتلفزيون والإذاعة والصحافة، والمفكر البحريني الغني عن التعريف محمد جابر الأنصاري، والروائي اللبناني إلياس خوري، والسوداني هاشم صدّيق مؤلف الملحمة الشعرية الشهيرة «قصة ثورة»، وغيرهم كثيرون لا يتسع المقام لذكرهم. نقول إنّ هؤلاء كوّنوا حقّاً منظومة معرفية معنوية فكرية، عمّت فوائدها معظم العالم العربي في الخمسين سنة الأخيرة، فهل قرأناهم حقّا؟ ومن يستذكرهم الآن كتابةً ومدوّنات؟ لقد نسيناهم وما كدنا نفعل!
أجرؤ على القول إننا تبدلنا لصالح أنماط حياتية متحورة عن رؤيتنا للعالم من حولنا، من أصغر تفاصيله اليومية حتى أحداثه الكبرى، واختلفت رؤية العرب إلى الرموز والقيم والمعاني الاجتماعية والسياسية والفكرية بين بعضهم بعضا، فما يعني اللبناني مثلا أو المصري، ليس هو نفسه محط اهتمام الخليجي أو المغربي، ويبدو أنّ الجميع يريد شيئاً آخر خارج حدودنا، مادةً جديدة يقرؤها من عند غير العرب، من دون أن ننسى دخول الكتاب المُترجم على خطّ المزاحمة القرائية، ما زاد من تشتّت اهتماماتنا الفكرية فلم تعد متشابهة، وانكفاء تفاعلنا الثقافي والفكري بين المعارف واللغة والأدب والفنون، وهذا من الغرابة بمكان عند أبناء أمة واحدة ولغة واحدة وتاريخ وجغرافيا واحدة. بزاوية الرؤية نفسها، لم تصنع المجلات الثقافية فرقاً في وعي القارئ، فلم تلفت نظره، ولم تقدم له مادةً تستشكل المشهد الثقافي العربي الراهن، بل جعلته قارئاً بلا قضية، ويكفي أن نرصد ما تنشره لتأكيد ما نقول، فقد غابت موضوعات تهميش المثقفين، وهيمنة الاستهلاك على علاقة القارئ/ المواطن بالثقافة، وسطحية المشهد الإعلامي، والمشكلة الطائفية، وتفاهة منصات التواصل، وأزمات الهوية، وموت السياسات الثقافية الواضحة، وليس انتهاءً بأزمة ما نطرحه هنا.
إنّ القراءة هي أهم أشكال التقدم الحضاري لكنها لم تخدم تفاعلنا داخل الدائرة العربية الثقافية، وهذا التغريب القاسي بين أبناء الأمة الواحدة هو مسألة فجّة ومُغضِبة وقاسية في زمننا هذا، بل قضية حقيقية شائكة لا يمكننا تجاوزها وتجاهلها بأن ندفن رؤوسنا بالرمال، ومن شجاعة القول والفعل، أن نعيد النظر فيها قبل أن تصبح عرفاً مكرّساً بتقادم الزمن، وهذه مسؤولية وزارات الثقافة في لمّ الشمل الثقافي العربي عبر مختلف مبدعيه المتمرسين في أجناس المعارف والآداب والعلوم، والدفع باتجاه التواصل بين المشرق العربي ومغربه، أو بين الاثنين والخليج العربي، والاستثمار في كفاءات الجميع الفكرية والتخصصية، إلى مواجهة الممارسة السلبية التي تتنكر للآخر، وتفتح باب المجهول على الفخّ الثقافي الكبير، حيث تتوه القضايا الثقافية في أروقة السياسات العربية المتنافرة، وتعمّق من انعدام الثقة بين الكتّاب العرب، ما ينعكس بدوره تباعداً بين جمهور وآخر.
*كاتب لبناني













































