اخبار البحرين
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
كامل جميل - الخليج أونلاين
أستاذ الاقتصاد السياسي د. محمد موسى:
أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل قرب مضيق باب المندب سيكون له تداعيات خطيرة.
هذه التداعيات عميقة وتمسّ صميم أمن دول الخليج واستقرارها الاستراتيجي والاقتصادي.
أعادت تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بشأن سعي 'إسرائيل' إلى إنشاء قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال، إلى الواجهة منطقة القرن الأفريقي، التي تُعدّ واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسية؛ حيث تتقاطع المصالح الدولية مع خطوط الملاحة العالمية وأمن الخليج العربي.
وجاءت تصريحات شيخ محمود في مقابلة مع قناة 'العربية' في 5 يناير الجاري، على أثر اعتراف تل أبيب بإقليم 'أرض الصومال'، الذي لقي رفضاً عربياً وإقليمياً ودولياً واسعاً.
وحذّر من أن الاعتراف الإسرائيلي بـ'أرض الصومال' لا ينفصل عن أهداف أوسع للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية في القرن الأفريقي، مشيراً إلى أن هذه الخطوة قد تُستخدم أيضاً في سياق مخططات تتعلق بتهجير الفلسطينيين، وهو ما اعتبره تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.
وفي ظل الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ الذي لا يحظى بشرعية دولية، تكتسب هذه التحذيرات ثقلاً مضاعفاً، لا سيما أنها جاءت في وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر توترات غير مسبوقة بفعل الحرب في غزة، والهجمات على الملاحة، والتنافس الدولي على النفوذ البحري.
وفق ما يتضح من سياق الرفض الدولي للاعتراف الإسرائيلي، يتأكد أن القلق لا ينحصر داخل الصومال وحده، بل يمتد إلى دول الخليج العربي.
وفيما يخص دول الخليج، فهي ترى في أي وجود عسكري إسرائيلي قرب مضيق باب المندب تطوراً يمسّ أمنها القومي مباشرة، ويهدد استقرار أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها تجارة الطاقة والسلع.
وفي هذا السياق، جاءت الإدانات الواسعة لزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى مدينة هرجيسا في 6 يناير الجاري، لتؤكد رفض أي مساس بسيادة الصومال.
وأصدرت السعودية وقطر والكويت وعُمان، إلى جانب دول عربية وإسلامية أخرى، بياناً مشتركاً شدد على أن الزيارة تمثل 'انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال وتقويضاً لميثاق الأمم المتحدة'.
البيان، الصادر بتوقيع منظمة التعاون الإسلامي ووزراء خارجية 22 دولة، اعتبر الخطوة غير قانونية، وحذّر من أن تشجيع الأجندات الانفصالية يهدد بتفاقم التوترات في منطقة تعاني أصلاً هشاشة أمنية.
وتأتي الإدانات العربية والإسلامية الواسعة لزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى 'أرض الصومال' لتؤكد أن المسألة تجاوزت إطار العلاقات الثنائية، وأصبحت اختباراً جديداً لاحترام السيادة ووحدة الدول، ولمعادلات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والخليج.
وتكمن حساسية الإقليم في موقعه الجغرافي، إذ يمثل نقطة تماس مباشرة بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ما يجعله محط اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى لتعزيز حضورها العسكري والبحري.
'البحر الأحمر' شريان النقل العالمي
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، الذي حدث في أوقات سابقة، دفع شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها، ما تسبب بارتفاع تكاليف النقل وتأخير الإمدادات.
وبين تحذيرات مقديشو، والتحركات الإسرائيلية، والإدانات الخليجية والعربية، يتضح أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل ساحة صراع جيوسياسي مفتوح.
وأي تغيير في توازناته، خاصة عبر بوابة 'أرض الصومال'، قد يحمل تداعيات تتجاوز القرن الأفريقي، لتطال أمن الخليج واستقرار التجارة العالمية، في لحظة دولية شديدة الاضطراب.
يحذّر أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى من وجود عسكري إسرائيلي محتمل قرب مضيق باب المندب، سواء عبر إقليم أرض الصومال أو من خلال ترتيبات غير مباشرة.
ويرى أن ذلك لن يكون تطوراً عابراً في الجغرافيا السياسية، بل خطوة ذات تداعيات عميقة تمسّ صميم أمن دول الخليج واستقرارها الاستراتيجي والاقتصادي.
وفي حديثه لـ'الخليج أونلاين'، يشير موسى إلى تداعيات الوجود العسكري الإسرائيلي في هذه المنطقة، مبيناً أنها تتمثل في:
التهديد بتحوّل مضيق باب المندب من ممر ملاحي حساس إلى بؤرة توتر إقليمي مفتوحة.
دول الخليج تعتمد على أمن المضيق لضمان صادرات الطاقة وحركة التجارة نحو أوروبا وأفريقيا.
أي تمركز إسرائيلي سيُفسَّر إقليمياً استفزازاً مباشراً من إيران وحلفائها، ما يرفع احتمالات استهداف الملاحة الدولية أو توسيع عسكرة البحر الأحمر.
السيناريو المحتمل يضع الخليج في قلب صراع إقليمي لا يسعى إلى الانخراط فيه.
أمنياً، الوجود الإسرائيلي يعيد رسم ميزان القوى بقدرات استخباراتية وتكنولوجية متقدمة، و'إسرائيل' لن تكون مراقباً، بل لاعباً يفرض واقعاً أمنياً جديداً في البحر الأحمر.
هذا الواقع يجبر دول الخليج على إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وحساباتها العسكرية، وسترتفع كلفة حماية السواحل والمنشآت الحيوية وخطوط الإمداد بشكل ملحوظ.
الحضور الجديد قد يشجع قوى دولية أخرى على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، ما يضيّق هامش الاستقلال الاستراتيجي لدول الخليج في إدارة أمنها البحري.
سياسياً، يضع الوجود الإسرائيلي دول الخليج أمام حرج داخلي وإقليمي متزايد، واستمرار حرب غزة يعقّد المشهد ويزيد من حدّته.
حتى الدول المنفتحة على 'إسرائيل' تواجه معادلة أمن قومي مختلفة وأكثر تعقيداً.
اقتصادياً، أي اضطراب أمني ينعكس فوراً على التأمين البحري وأسعار الشحن والطاقة، ما يفرض أعباء مالية إضافية على اقتصادات الخليج.
التقلبات المحتملة تتناقض مع خطط التنويع الاقتصادي والاستقرار طويل الأمد.
الأخطر يتمثل في تعميق تدويل أمن البحر الأحمر وتراجع التحكم الإقليمي.
قد يتحول الخليج من لاعب مؤثر إلى ساحة تقاطع مصالح دولية متصارعة.
الوجود الإسرائيلي يتجاوز التهديد الملاحي إلى تحول استراتيجي شامل، ما يهدد معادلة الاستقرار الهش ويفرض خيارات أمنية معقدة.
المشهد يندرج ضمن تطويق جيوسياسي يستهدف العمق العربي.
الاستراتيجية الجديدة تنتقل من إدارة الأطراف إلى الصراع على قلب المنطقة، ويمتد التأثير على حساب مصر والسعودية وأي تصور عربي مستقل للأمن الإقليمي.

























