اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
صنعاء - سبأ: تقرير- محمد السياغي
في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة واضطرابات متزايدة في سلاسل إمداد الحبوب والمواد الغذائية، تبرز من أعماق الأرض اليمنية وفي ثنايا قيعانها وجبالها وسهولها ثروة وراثية زراعية استثنائية تعادل في قيمتها القومية أرصدة النفط، وتمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي والغذائي، للجمهورية اليمنية.
وعلى هامش، مهرجان البلدة الطيبة المقام حاليًا في صنعاء، أعلنت المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب تسجيل أكثر من 300 صنف محلي أصيل من القمح والحبوب والبقوليات والمحاصيل التقليدية، تمثل في مجملها وجوهرها هندسة وراثية طبيعية صقلتها البيئة اليمنية المتنوعة، وطوّرتها خبرات المزارعين اليمنيين وتجاربهم المتراكمة عبر آلاف السنين، لتبقى حية ومحفوظة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
لا تقتصر قيمة الكنوز الزراعية والوراثية على كونها مجرد حبوب أو محاصيل تقليدية لسد الرمق اليومي، بقدر ما تشكل مخزونًا وطنيًا نادرًا وركيزة أصلية وسيادية يُبنى عليها لتحقيق استدامة غذائية حقيقية، وتعزيز القدرة الذاتية على الاعتماد على الموارد المحلية في مواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية الراهنة والمستقبلية.
الإنجاز الميداني والمؤسسي الممتد منذ مطلع العام 2019م، لا يمثل مجرد حصر لسلالات بذرية تقليدية، بل يؤسس لمرحلة جديدة من السيادة الوطنية الشاملة والتحرر من الارتهان والتبعية والوصاية للجهات الخارجية في تأمين أقوات المواطنين.
تتجسد الأبعاد الاستراتيجية والأمنية لتلك الأصناف في كونها حجر الزاوية لبناء الأمن الغذائي القومي المستدام؛ إذ أن تحكم الدولة في مصادر بذورها يمثل ركيزة أولى لسيادتها السياسية والعسكرية، ويسقط ورقة الضغط والابتزاز الخارجي التي تفرضها القوى الاستعمارية وسلاسل التوريد العابرة للحدود.
وتتميز تلك البذور، المتوارثة عبر آلاف السنين البالغ عددها أكثر من 300 صنف من القمح والحبوب والبقوليات، بقدرات استثنائية صقلتها البيئة اليمنية القاسية، من حيث تحمل الجفاف والتقلبات الحرارية والشح المائي ومقاومة الآفات، ما يجعلها الحصن المنيع لتأمين الغذاء في ظل أزمات المناخ والتحديات الجيوسياسية.
وحسب مسؤولون في مؤسسة تنمية وإنتاج الحبوب، لم تكن عملية الوصول إلى هذه الثروة الوراثية الوطنية وتتبع مصادرها الميدانية، مسألة هينة أو إجراءً روتينيًا، بل كانت عملية معقدة تطلبت جهدًا وعملًا متواصلًا وشاقًا خاضته المؤسسة منذ مطلع العام 2019م.
وفي هذا السياق، خاضت الفرق الفنية والبحثية التابعة للمؤسسة سباقًا حقيقيًا مع الزمن للوصول إلى أقصى المناطق النائية والعزل البعيدة التي لا تزال تحتفظ بهذه البذور الأصيلة، في رحلة إنقاذ واكتشاف واستعادة لذاكرة زراعية وطنية كادت أن تتوارى وتندثر تحت وطأة المتغيرات وتراجع المساحات المزروعة.
استدعى العمل المستمر بناء شبكة تواصل مباشرة مع المزارعين القدامى والجمعيات الزراعية في مختلف المحافظات، والوصول إلى الموائل الأصلية لتلك الأصناف لجمع العينات وحفظها تمهيداً لإخضاعها للدراسة والتوثيق والتحليل والإكثار، ما أثمر عن تجاوز العقبات الجغرافية واللوجستية الشاقة وحصر وجمع ما يزيد عن 300 صنف محلي، بما يشكل تحولًا تاريخيًا في صون التنوع البيولوجي والزراعي باليمن.
وأكد مدير عام المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، صلاح المشرقي في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن عملية الوصول إلى هذه الثروة القومية وحفظها وإدارة أصولها لم تكن وليدة اللحظة أو ضربًا من المصادفة، بل تطلبت سنوات طويلة من العمل الميداني الدقيق والتنسيق المؤسسي للوصول إلى أقصى القرى والمناطق الزراعية الحاكمة.
وأوضح أن المؤسسة تعكف حاليًا، بالتنسيق والتعاون الشامل مع المراكز البحثية والجهات الأكاديمية والمؤسسات العلمية المختصة، على إنشاء وتجهيز بنك وراثي وطني متخصص لحفظ هذه الأصول الجينية وفق أعلى المعايير التقنية.
وأشار إلى أن المؤسسة تعمل على إعداد وتصنيف قائمة وطنية معتمدة وشاملة بجميع الأصناف ومسمياتها وخصائصها، تمهيدًا لتسجيلها رسميًا لدى المنظمات الدولية الفكرية والزراعية المعنية، بما يضمن صون وحماية حقوق الملكية الفكرية والسيادية للجمهورية اليمنية، ويقطع الطريق أمام أي محاولات للقرصنة الجينية أو السطو على الخصائص الفريدة لهذه المحاصيل الوطنية.
وبين المشرقي، أن هذه الخطوات الاستراتيجية لحفظ وتوثيق الأصناف تهدف بالأساس إلى ترسيخ السيادة الغذائية الوطنية عبر بناء قاعدة بيانات شاملة وموثوقة توثق الخصائص الإنتاجية والتكيفية والوراثية للبذور المحلية، بما يسهل عمليات إكثارها وتطويرها وتوزيعها على المزارعين في مختلف المحافظات.
ولفت إلى أن امتلاك اليمن لدليل ومعرفة جينية موثقة بمصادرها الوراثية يتيح لصناع القرار والجهات المعنية، صياغة سياسات وإستراتيجيات زراعية أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتغيرات المناخية والبيئية، ويجعل من البذور الوطنية جزءً أصيلًا لا يتجزأ من منظومة التخطيط القومي للأمن الغذائي والشامل، متكاملًا في الوقت ذاته مع المنظومة التشريعية والقانونية التي تمنع وتحد من دخول البذور المجهولة المصدر أو الهجينة أو غير المطابقة للمواصفات لحماية النقاء الجيني والبيولوجي للإرث الزراعي اليمني.
وتتكامل الجهود الرسمية والمؤسسية في هذا المسار الحيوي عبر إرساء الضوابط التشريعية التي تحمي التنوع الوراثي الزراعي لمنع اندثار الأصناف الأصلية، مع توفير الدعم المؤسسي والتمويلي المستمر لتنفيذ مسوح ونزولات ميدانية شاملة تغطي كافة المديريات والعزل المستهدفة.
وتتولى المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، ربط العمل الميداني بالدراسات الأكاديمية والبحثية لإخضاع العينات للفحص والتوصيف الجيني والظاهري وتثبيت المسميات الرسمية بدقة، جنباً إلى جنب مع تنفيذ برامج وطنية طموحة للإكثار الموسع للبذور المعتمدة وإنتاج كميات تجارية منها لتوزيعها على المزارعين بأسعار مناسبة وتشجيعهم على التوسع في زراعتها، بما يضمن تدفق البذور النقية والأصيلة إلى الحقول الزراعية وتأمين الاحتياجات الذاتية للسوق المحلي.
ووفقًت لخبراء ومهتمين، عملية حصر وتوثيق الكنوز الوراثية هي ثروة استراتيجية وسيادية تعادل في قيمتها القومية أرصدة النفط والذهب وتسهم في تحقيق أهداف قومية سامية، في مقدمتها إنقاذ أصناف القمح والحبوب والبقوليات من الضياع والتدهور في ظل التغيرات المناخية والجفاف؛ إذ أن فقدان أي صنف محلي لا يعني مجرد خسارة كمية من البذور، بل يشكل زوالًا نهائيًا لصفة وراثية نادرة تشكلت وتطورت عبر آلاف السنين ولا يمكن استعادتها.
ويؤدي التوثيق العلمي الدقيق إلى إنهاء حالة التداخل والخلط في الأسماء الشعبية والتراثية المتداولة بين المناطق المختلفة، ما يساعد على التمييز الواضح بين الخصائص المستقلة لكل صنف على حدة، يضاف إلى ذلك جهود إعادة الاعتبار والتقدير للمزارع اليمني الذي حافظ على هذه الأصناف وأورثها، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها من خلال المعارض والفعاليات المتخصصة، كـ'معرض الأصناف' الذي تقيمه المؤسسة ضمن فعاليات 'مهرجان البلدة الطيبة'، مما يحول المزارعين والمجتمعات المحلية إلى شركاء فاعلين في حماية واستدامة هذه الثروة الوطنية.
ويفتح الوصول إلى حصر وتوثيق أكثر من 300 صنف محلي من القمح والحبوب والبقوليات آفاقًا علمية واستراتيجية واعدة أمام مراكز البحوث الزراعية وجامعات الوطن للاستفادة من الخصائص الكامنة في هذه المحاصيل، واستنباط وتطوير سلالات بذرية عالية الإنتاجية والجودة وأكثر قدرة على التكيف مع الجفاف والحرارة والبرودة ومقاومة الآفات والأمراض المختلفة.
وتشكل هذه الأصناف الموثقة قاعدة وراثية صلبة ومشروعًا وطنيًا جامعًا يربط بين الجمع والحفظ والتوثيق والبحث العلمي والإكثار والإنتاج والتوزيع، وهو ما يحول التنوع الزراعي والبيولوجي اليمني إلى قوة إنتاجية واقتصادية وسيادية مجدية، تضمن أن يكون غذاء اليمنيين في الحاضر والمستقبل مرتبطًا بأرضهم المعطاءة ومستندًا إلى جذور أصيلة هي بذورهم ومواردهم الوراثية الوطنية وأمنهم الغذائي الحقيقي.
إكــس













































