اخبار اليمن
موقع كل يوم -صحيفة ٤ مايو الالكترونية
نشر بتاريخ: ٦ نيسان ٢٠٢٦
4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة
تتصاعد الأحداث في لحظة مفصلية من تاريخ الجنوب داخل محافظة حضرموت بوتيرة متسارعة، متجاوزة حدود الاحتجاجات التقليدية لتدخل في إطار أوسع من الحراك الشعبي والسياسي الذي يعكس حالة احتقان عميقة وتراكمات ممتدة من الغضب الشعبي. لم تكن الدعوات لإطلاق وسم
#الجنوب_ينتفض_تضامنا_لحضرموت
مجرد تفاعل رقمي عابر، بل جاءت كتعبير عن حالة وعي جماعي يتشكل في مواجهة ما يُنظر إليه كتحولات خطيرة في المشهد السياسي والأمني، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة المكلا من قمع دموي استهدف متظاهرين سلميين.
هذا الحراك، الذي امتد صداه من باب المندب غربًا إلى المهرة شرقًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام لقضية الجنوب، ولا عن طبيعة التوازنات الإقليمية التي تلقي بظلالها على الداخل. فالمشهد اليوم يتجاوز كونه احتجاجًا على حادثة بعينها، ليعكس صراعًا على الهوية، والقرار، ومستقبل الجنوب ككل.
-المكلا الشرارة التي فجّرت المشهد
شكّلت الأحداث التي شهدتها مدينة المكلا نقطة تحول حاسمة في مسار التفاعلات السياسية والشعبية. فخروج مظاهرات سلمية، يُقال إنها عبّرت عن مطالب حقوقية ومعيشية، قوبل باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، الأمر الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وفق الروايات المتداولة.
هذه الواقعة لم تُقرأ محليًا باعتبارها حادثة أمنية معزولة، بل تم تأطيرها ضمن خطاب سياسي يرى فيها انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتعبيرًا عن نمط من التعامل القمعي الذي يتناقض مع مبادئ حرية التعبير والتظاهر السلمي. وبغض النظر عن الروايات المتباينة حول تفاصيل ما جرى، فإن النتيجة الأبرز كانت انفجار موجة غضب عارمة امتدت إلى مختلف محافظات الجنوب.
الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي – جثامين، جرحى، وأصوات أمهات مكلومات – لعبت دورًا محوريًا في تأجيج المشاعر، وتحويل الحدث من واقعة محلية إلى قضية رأي عام جنوبي بامتياز.
-الرئيس الزُبيدي يُعزّي أسر الشهيدين باحيدرة والمطحني
بعث الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، برقية تعزية ومواساة إلى أسر الشهيدين عمر باحيدرة وأحمد المطحني، اللذين استشهدا برصاص قوات الطوارئ أثناء مشاركتهما في مسيرة جماهيرية بالمكلا.
وأشار الرئيس إلى بسالة الشهيدين وتضحياتهما دفاعًا عن الجنوب وقضيته العادلة، مؤكدًا أن دماءهما لن تذهب هدرًا، وأن الجرائم المرتكبة بحق شباب الثورة ستُحاسب. وختم بالدعاء للشهيدين بالرحمة والمغفرة، ولأهلهما بالصبر، وللجرحى بالشفاء، وللمعتقلين بالحرية.
-من حادثة إلى قضية.. كيف تشكلت موجة الغضب؟
لم يكن التفاعل الشعبي مع أحداث المكلا عفويًا بالكامل، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة من الشعور بالتهميش، وانعدام الثقة في السلطات القائمة، والتوجس من الأجندات الخارجية. وقد أسهمت عدة عوامل في تحويل هذه الأحداث إلى موجة غضب واسعة، منها:
الرمزية العالية لحضرموت، حيث تُعد حضرموت إحدى أهم محافظات الجنوب، ليس فقط من حيث المساحة والموارد، بل من حيث ثقلها التاريخي والسياسي. وبالتالي، فإن أي حدث فيها يكتسب أبعادًا تتجاوز حدودها الجغرافية.
كذلك الخطاب الإعلامي التعبوي: الذي نلعبت الحملات الإعلامية، خاصة عبر الوسم المطلق، دورًا كبيرًا في توحيد الخطاب، وتوجيه الرأي العام نحو قراءة محددة للأحداث، تقوم على اعتبار ما حدث 'جريمة مكتملة الأركان'.
استدعاء الذاكرة الجمعية:
تم ربط ما جرى بسلسلة من الأحداث السابقة في شبوة وعدن وغيرها، مما عزز فكرة وجود نمط متكرر من القمع، وليس حادثة فردية.
وأيضا التحشيد الجغرافي الواسع فمن خلال الدعوات للخروج في مظاهرات شملت كافة محافظات الجنوب، وهو ما أعطى الانطباع بأن القضية لم تعد حضرمية فقط، بل جنوبية شاملة.
-الهاشتاج… من أداة رقمية إلى أداة سياسية
في عصر الإعلام الرقمي، لم يعد الهاشتاج مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح أداة سياسية بامتياز. ووسم #الجنوب_ينتفض_تضامنا_لحضرموت يُعد نموذجًا واضحًا على ذلك.
فمن خلال هذا الوسم، تم:
توحيد الرسائل الإعلامية والسياسية، وخلق حالة من التضامن العابر للمناطق، ونقل القضية إلى الفضاء الدولي، والضغط المعنوي على الأطراف المتورطة. كما أن إدراج منظمات دولية وشخصيات أممية في سياق التفاعل مع الوسم يعكس محاولة واضحة لتدويل قضية شعب الجنوب، وتحويلها من شأن محلي إلى ملف حقوقي يمكن متابعته على المستوى الدولي.
-أبعاد الخطاب المصاحب للأحداث هو البعد الحقوقي. حيث تم التأكيد على أن ما جرى يمثل انتهاكًا للقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والدستور.
وقد تم طرح عدة مطالب، من أبرزها:
فتح تحقيق دولي مستقل
توثيق الانتهاكات بالأدلة الجنائية،وتقديم المتورطين للمحاكمة، وإشراك منظمات حقوق الإنسان الدولية.
هذا الخطاب يعكس تحولًا في أدوات المواجهة، من الاحتجاج التقليدي إلى استخدام القانون الدولي كأداة ضغط، وهو ما قد يكون له تداعيات على المدى البعيد، خاصة إذا ما تم تبني هذه المطالب من قبل جهات دولية.
-الجنوب جسد واحد
من أبرز ما أفرزته هذه الأحداث هو تصاعد خطاب 'الوحدة الجنوبية'، الذي يقوم على فكرة أن الجنوب كيان واحد، وأن أي استهداف لأي محافظة هو استهداف للجميع.
هذا الخطاب لم يكن جديدًا، لكنه وجد في أحداث حضرموت فرصة لإعادة إنتاج نفسه بقوة، حيث تم التأكيد على أن:
حضرموت تمثل قلب الجنوب، والتضامن ليس خيارًا بل واجب
التلاحم الشعبي هو السلاح الأقوى.
هذا التوجه يعزز من فرص إعادة تشكيل الهوية الجنوبية بشكل أكثر تماسكًا، لكنه في الوقت ذاته يضع تحديات أمام أي محاولات لتفكيك هذا التماسك.
-القيادة السياسية
وإعادة تثبيت الشرعية الشعبية
في خضم هذه الأحداث، برزت القيادة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل رئيسي في توجيه الخطاب، واحتواء الغضب الشعبي.
وقد تم التركيز على عدة نقاط:
التأكيد على أن الدم الجنوبي 'خط أحمر'
الإشادة بتضحيات الشهداء
التعهد بعدم إفلات الجناة من العقاب، وتعزيز فكرة التفويض الشعبي، هننهذا الحضور السياسي يعكس محاولة لإعادة تثبيت الشرعية، ليس فقط من خلال المؤسسات، بل من خلال التفاعل المباشر مع الشارع، وهو ما قد يعزز من موقع القيادة في المرحلة القادمة.
-الأبعاد الإقليمية… بين النفوذ والتأثير
لا يمكن فهم ما يجري في حضرموت بمعزل عن السياق الإقليمي. فالاتهامات الموجهة لقوى مدعومة خارجيًا تعكس حالة من التوتر في العلاقة بين الفاعلين المحليين والإقليميين.
هذه الأبعاد تطرح عدة تساؤلات:
إلى أي مدى يمكن للقوى الخارجية التأثير في المشهد الداخلي؟
هل تتحول حضرموت إلى ساحة صراع نفوذ؟
ما هو مستقبل العلاقة بين الجنوب وهذه القوى؟
الإجابة على هذه التساؤلات ستحدد إلى حد كبير مسار الأحداث في المرحلة المقبلة.
-إلى أين يتجه المشهد؟
في ظل المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات:
التصعيد الشعبي من خلال
استمرار الاحتجاجات واتساعها، مما قد يؤدي إلى تغييرات سياسية أو أمنية. وكذلك الاحتواء السياسي بفتح تحقيقات، وتقديم تنازلات لامتصاص الغضب.
التدويل وذلك في حال تم نقل قضية شعب الجنوب إلى المحافل الدولية، وهو ما قد يفتح بابًا لتدخلات خارجية.
ما يجري اليوم في حضرموت ليس مجرد حدث عابر، بل هو لحظة فارقة تعيد رسم ملامح المشهد الجنوبي. الدماء التي سُفكت، والغضب الذي تصاعد، والتضامن الذي تشكل، كلها عناصر تشير إلى أن الجنوب يقف أمام مفترق طرق حقيقي.
فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والسياسي على أسس أكثر عدالة وشفافية، أو أن تنزلق الأمور نحو مزيد من التعقيد والصراع.
وفي كل الأحوال، يبقى العامل الحاسم هو وعي الشارع الجنوبي، وقدرته على تحويل الغضب إلى مشروع، والاحتجاج إلى رؤية، والتضامن إلى قوة قادرة على فرض معادلات جديدة في واقع شديد التعقيد.
إن حضرموت اليوم ليست وحدها، بل هي عنوان لمرحلة بأكملها. مرحلة يُعاد فيها تعريف القوة، والشرعية، والانتماء.













































