اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
ترجمة وتقديم: شاكر لعيبي*
لورا باتيفيري Laura Battiferri وُلدت في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1523 في أوربينو، وتُوفيت في 3 نوفمبر 1589 في فلورنسا، شاعرة إيطالية من عصر النهضة. وهي الابنة غير الشرعية لأحد نبلاء أوربينو. حظيت باعتراف والدها وبشرعيته لها، فنالت تعليما أدبيا وفلسفيا ودينيا. تزوجت، ثم ترملت سريعا، وتزوجت مرة أخرى في 17 أبريل/نيسان 1550، عن عمر يناهز 27 عاما، من بارتولوميو أماناتي، وهو نحات ومهندس معماري فلورنسي. أقام الزوجان في فلورنسا أو مايانو (فيزولي)، وكانا يسافران معا إلى روما وبادوا والبندقية وغيرها. وهكذا نشأت بينها وبين كبار الفنانين والأدباء الإيطاليين في ذلك الوقت علاقات ودية، ولاسيما بينيديتو فاركي، وأنيبال كارو، وبرناردو تاسو، وأنطون فرانشيسكو غراتسيني، وسيلفيو أنطونيانو، وبييرو فيتوري، وباتشيو فالوري، وأنيولو برونزينو (الذي رسم صورتها)، وحتى بينفينوتو تشيليني، وهو نحات ونقاش وكاتب إيطالي.
بتشجيع ونصيحة من بينيديتو فاركي، كتبت أول أعمالها، وهي مجموعة قصائد نُشرت عام 1560 بعنوان «الكتاب الأول للأعمال التوسكانية (Il primo libro delle opere toscane ، وسارت وفقا لنهج بترارك. فتح هذا المنشور الباب أمام أكاديمية إنتروناتي في سيينا. انتشرت قصائدها على نطاق واسع في إيطاليا وخارجها. تُرجمت أعمالها إلى الإسبانية، ولاقت استحسانا كبيرا في البلاط الإسباني. وفي عام 1564، قامت بتحويل مزامير التوبة إلى شعر. وحظي الكتاب أيضا باستقبال جيد، وكان جزءا من التجديد الروحي لحركة الإصلاح المضاد.
مزامير التوبة السبعة (أو مزامير الندامة) هي مجموعة من المزامير في العهد القديم (6، 32، 38، 51، 102، 130، 143 حسب الترقيم العبري) تُستخدم للتعبير عن الندم العميق، وطلب المغفرة والاعتراف بالذنوب أمام الله. يعتبر المزمور 51 («إرحمني يا الله») أشهرها وأكثرها تداولا كصلاة توبة مركزية. وباعتبارها كاثوليكية متدينة، عيّنت اليسوعيين ورثة لها، بينما تركت حق الانتفاع لزوجها. توفيت لورا باتيفيري في فلورنسا في نوفمبر 1589. ودُفنت هي وزوجها الثاني، بارتولوميو أماناتي، في كنيسة سان بارتولوميو التابعة لكنيسة سان جيوفانينو ديلي سكولوبي في فلورنسا. كما نُشرت مراسلاتها مع بينيديتو فاركي، من عام 1556 إلى عام 1563.
في أوائل خمسينيات القرن السادس عشر، كُلِّف زوج لورا، بارتولوميو، بأعمال معمارية من قِبَل البابا يوليوس الثالث في روما، وقد أنجزها بمساعدة مايكل أنجلو وجورجيو فاساري. في عام 1555، توفي البابا يوليوس الثالث، وتوقف بارتولوميو عن تلقي التكليفات. في هذه الأثناء، رسّخ جورجيو فاساري مكانته بين نخبة من الفنانين المرموقين في فلورنسا، ودعا بارتولوميو للانضمام إليه، بعد أن وجد له راعيا جديدا في المنطقة. قرر بارتولوميو ولورا الانتقال من روما إلى فيلا بارتولوميو في مايانو، على مشارف فلورنسا. كانت لورا تخشى الانتقال، فروما كانت قريبة وعزيزة على قلبها. أحبت المدينة لأسباب عاطفية، وأيضا لأن مسيرتها الأدبية كانت في بداياتها. كانت تعتقد أن روما هي «مركز العالم» وأفضل مكان لازدهار مسيرتها الشعرية الناشئة. كانت تعتبر فلورنسا مدينة متخلفة، وغير مستنيرة، و»برية عمياء». كتبت في هذه القصيدة (مترجمة من الإيطالية إلى الإنكليزية) عن رحيلها المؤسف من روما ورغبتها في أن يبقى اسمها وسمعتها خالدين:
على الرغم من أن الفيلا في مايانو كانت محاطة بمناظر طبيعية خلابة، إلا أنها ظلت تشعر بالحنين إلى روما. وفي نهاية المطاف، وجدت مكانها في فلورنسا، حيث اكتسبت شهرة واسعة بفضل موهبتها وأخلاقها، ونشرت العديد من أعمالها. في الواقع، كلما اجتمع أعضاء المجتمع الفني الفلورنسي في مناسبة عامة كبيرة كحفل زفاف أو ولادة أو انتصار في معركة أو جنازة، كانت لورا تشارك بإلقاء قصائد شعرية بين الحين والآخر، وغالبا ما كانت المرأة الوحيدة بينهم. علاوة على ذلك، عُرفت لورا بتدينها الشديد. ورثت ثروة كبيرة عام 1565، وبدأت هي وبارتولوميو بتقديم تبرعات سخية لدعم أنشطة اليسوعيين. ومنذ حوالي عام 1570 وحتى نهاية حياتهما، وطدت لورا وبارتولوميو علاقات وثيقة للغاية مع اليسوعيين.
خلال حياتها، حظيت بتقدير زملائها من الرجال لموهبتها وشخصيتها، وحظيت بقبول واسع في أوساطهم الأدبية. بحلول عام 1560، كانت قد جمعت ما يقارب 200 قصيدة ونشرت أول ديوان شعر لها، بعنوان مشار إليه «الكتاب الأول للأعمال التوسكانية» الذي أهدته إلى دوقة ميديشي، إليونورا دي توليدو. كان الكتاب عبارة عن مختارات شعرية مصنفة وفقا لقصائد السوناتة البتراركية. وقد نال استحسان الشعراء في جميع أنحاء إيطاليا. سعى الكثيرون لضمها إلى عضوية العديد من الأكاديميات الإيطالية، وهو إنجازٌ لافتٌ لامرأة في ذلك الوقت. في عام 1560، قُبلت في أرقى الأكاديميات «الإنتروناتي»، لتصبح أول امرأة تُقبل في أكاديمية إيطالية. اتخذ كل عضو في الإنتروناتي اسما مستعارا فكاهيا ساخرا، وكان اسم لورا «لا سغراتسياتا» أو «عديمة الرقة»، وهي صفةٌ تتناقض مع انتقاداتها. نشرت كتابها الثاني، «مزامير التوبة السبعة مع بعض السوناتات الروحية» عام 1564 وأهدته إلى دوقة أوربينو. أثبتت لورا نجاحها في ترجمة وتفسير النصوص الدينية، وهما مهارتان كانتا حكرا على الرجال. مثّلت رسالتها التمهيدية إلى دوقة أوربينو نقلة نوعية في مسيرتها الأدبية، إذ انتقلت من الأدب الدنيوي إلى الأدب الديني. وبحلول عام 1565، كانت في أوج شهرتها.
في شبابها، سعت لورا جاهدة لنيل التقدير لفنها، وعملت بجدٍّ على تطوير مسيرتها، لكنها في أواخر حياتها انزوت عن الأضواء. أمضت معظم أيامها في التأمل والصلاة، أو في نظم أشعار روحية لم تُنشر بعد، في المصلى الخاص الذي بناه لها بارتولوميو في فيلتهما في كاميراتا. وبينما كانت تُعدّ مجموعتها الشعرية الثالثة والأخيرة، «القصيدة»، توفيت عام 1589. حاول زوجها إكمالها، لكن بارتولوميو توفي هو الآخر قبل إتمامها. دُفنت لورا وبارتولوميو في كنيسة سان جيوفانينو. لم يُنشر ما لا يقل عن ثلث أعمالها المكتوبة. أُودعت أعمالها المتأخرة – مئات من السوناتات الروحية، والقصائد السردية التوراتية، وملحمتها غير المكتملة عن ملوك بني إسرائيل – في مكتبة كاساناتينس في روما، ولم يظهر منها شيء تقريبا.
أثر شعر بترارك في الشعر الإيطالي في عصر النهضة
قدمت للعديد من شاعرات عصر النهضة الإيطاليات، ورأيت أنهن جميعا متأثرات عميقا بشعر وثقل بترارك Francesco Petracca أو Petrarca 1304 -1374، وكان باحثا إيطاليا وشاعرا وأحد أوائل الإنسانيين في عصر النهضة. يسمى بترارك أحيانا كثيرة «أب الإنسانية». في القرن السادس عشر، أسس بيترو بمبو نموذجا للغة الإيطالية الحديثة على أساس أعمال بترارك وجيوفاني بوكاتشو، خاصة دانتي أليغييري. أيد خطوته لاحقا أكاديميا ديلا كروسكا. أثارت سوناتاته الإعجاب في أوروبا وجرى تقليدها على نطاق واسع خلال عصر النهضة وأصبحت نموذجا للشعر الغنائي. وسميت بالسونيته الإيطالية أو البتراركية، حيث قام بترارك بتطوير هذا الجنس الأدبي في عمله ديوان الشعر الغنائي، الذي بدأه عام 1336. وتنقسم السونيته البتراركية إلى قسمين: الأول من ثمانية أبيات، حيث تطرح المشكلة والسؤال؛ والثاني من ستة أبيات، حيث يتضمن حلول المشكلة أو الأجوبة على السؤال المطروح من خلال ما يسمى الدور بالوزن الأحد عشري، وضمن نظام محدد من القوافي. كما عرف بترارك أيضا بكونه من أوائل من استخدموا تسمية العصور المظلمة. بترارك جاء قبل الحركة الإنسية لذلك فهو ليس إنسانيا، لكنه يتميز بالعديد من صفات الإنسيين لذلك يلقب من البعض بأب الإنسانية، ويكتب بترارك جميع كتبه النثرية باللغة اللاتينية، بينما كان يكتب قصائده الشعرية بالعامية الإيطالية.
كتب الناقد الفرنسي دانيال فليج في مقالته «التحول الروحي للفكر البتراركي في إيطاليا خلال القرن السادس عشر: حول السوناتات الروحية لفيتوريا كولونا (1546) ولورا باتيفيري (1564)» يقول: «في القرن السادس عشر، أصبح نموذج كتاب أغاني بترارك لا غنى عنه في الشعر الإيطالي، على الأقل منذ نشر بيترو بيمبو كتابه «نثر اللغة العامية» عام 1525. في هذا العمل الشعري، رسّخ حضور بيمبو المؤلف الفينيسي بترارك كنموذجٍ فريدٍ للشعر الغنائي باللغة العامية. ثم نقل هذا النموذج إلى كتابه «القوافي [الأشعار]»، الذي نُشر عام 1530، ليصبح بذلك نموذجا يُحتذى به. ورغم وجود شعراء آخرين قلدوا بترارك، إلا أن ظاهرة ما يُمكن وصفها بالبتراركية، بمعنى التقليد الدقيق لنموذج بترارك، لم تظهر إلا في القرن السادس عشر.
«حقيقة أن البتراركية أصبحت ظاهرة أدبية كبيرة في ذلك الوقت، تنعكس أيضا على ظهور حركات أدبية في إيطاليا، بدءا من ثلاثينيات القرن السادس عشر، عارضت البتراركية، تارة تسخر منها بأسلوب مرح، وتارة تصححها بجدية: هكذا ظهرت مناهضة البتراركية لفرانشيسكو بيرني؛ من ناحية أخرى، بدأ الشعراء في تقويض مذهب بترارك من خلال تعديل نموذج بيمبو: ففي هذا النهج الروحي، ظل بترارك يُعتبر صاحب «نموذج لغوي» يُحتذى به، بينما كان لا بد من تصحيح المحتوى. ويُعد اسم جيرولامو ماليبيرو مثالا بارزا على هذا التصحيح لمذهب بترارك. ففي عام 1536، قدّم في كتابه (بترارك الروحي) «Petrarca spirituale» سردا روحيا مضادا لقصائد السوناتة البتراركية. وفي الوقت نفسه، كتبت الشاعرة فيتوريا كولونا قصائدها الروحية الخاصة. فمن خلال مجموعتها الشعرية Rime spirituali (حرفيا: قافية روحية) التي انتشرت مخطوطاتها منذ أواخر ثلاثينيات القرن السادس عشر وطُبعت لأول مرة عام 1546، ابتكرت نموذجا جديدا للشعر الروحي سيُحاكيه جيل لاحق من الشعراء، مثل غابرييل فياما ولورا باتيفيري ديلي أماناتي. وقد استلهمت كولونا من موضوعات بترارك ومذهبه، وخصائصهما اللغوية والأسلوبية، وأعادت توجيهها. ولتوضيح هذه التغييرات، أقترح مقارنة السوناتتين الافتتاحيتين من ديوان «قافية روحية» لفيتوريا كولونا مع سوناتتين من ديوان السوناتات الروحية «Sonetti spirituali» للورا باتيفيري. تُقدّم هذه السوناتات تحوّلا وعودة إلى الله بطرقٍ مختلفة، وبالتالي تُجسّد كيف يُعيد المذهب البتراركي الروحي تدوير العناصر الموضوعية والأسلوبية للمذهب البتراركي العلماني.
نعني بمصطلح «التحويل» أن عناصر معينة من نظام ما – وهذا هو تعريف البتراركية الذي اقترحه ميشيل داسونفيل – تُفصل عن مجال تطبيقها الأصلي وتُطبق على موضوع آخر. في البتراركية الروحية، يعني هذا، من بين أمور أخرى، أن مدائح جمال المحبوبة، كما نقرأها في كتاب الأغاني ومقلديه، تُنقل الآن لتُغني مجد الله أو جمال قديسيه، ولاسيما مريم العذراء. إن الإغراء الذي تُثيره الشهوة الجسدية عند بترارك يُعمم في البتراركية الروحية إلى درجة أن الخطيئة الأصلية تُصبح جوهر صراعات الشاعر الغنائي. في هذا السياق، يستطيع الشعراء التواصل مع العديد من المواضيع في كتاب أغاني بترارك، حيث يُمثل الصراع بين الأخلاق والرغبة الخاطئة محورا أساسيا في صراعات الشاعر الداخلية. يعود الشعراء الروحانيون إلى التعبير عن المشاعر المتناقضة، التي تميز الشعر البتراركي، لكن هذه المرة موزعة على قطبين متناقضين: فمن جهة، الحب الإلهي المتأجج، ومن جهة أخرى، الخطيئة البشرية الباردة. على الرغم من القطيعة الظاهرة مع شعر الحب البتراركي الدنيوي، إلا أنه يجب التأكيد على تماسك الشعر البتراركي الروحاني، الذي يتمحور حول فعل التوبة والاهتداء – وهما موضوعان أساسيان في كتاب الأغاني نفسه. مع تأكيدهم المستمر على رغبتهم في تغيير سلوكهم وأسلوب تعبيرهم، يواصل الشعراء استخدام أشكال ومصطلحات بترارك. إن ظاهرة إعادة صياغة نموذج أدبي علماني بطابع ديني «كثيرا ما يحللها النقاد، كما توضح جوزيان ريو، من منظور الغموض والتوتر، لاسيما وأن الشعراء يعلنون رغبتهم في القطيعة مع الشعر العلماني. كثيرا ما يُنسى أن بترارك، كما تشير جوزيان ريو «ساهم في تطوير لغة راقية للتعبير عن الباطنية والصراعات الروحية»، وأنه لعب، على حد تعبير أوليفييه ميليه «دورا بنيويا في التعبير عن مشاعر ذاتٍ تتسم طبيعتها الأنثروبولوجية بالصراع بين الجسد والروح. في هذا السياق، يُسهم استخدام «البتراركية في خدمة الإيم في عملية تحويل كلٍّ من الإلهام والحب نفسه [بحيث] يضطلع بوظيفة علاجية وتأسيسية»، كما أشارت جوزيان ريو. وبالتالي، «يمكن قراءة هذه النص للإفادة الروحية، سواء كمصدر شهادة على الألم الناجم عن الحب العبثي أو كحافز للتحول الشخصي والأدبي». ومن ثم، يمكن استيعاب المادة اللفظية لخطاب الحب البتراركي بسهولة تامة، ونقلها إلى المجال الروحي، مستلهمة بشكل خاص من التقاليد الصوفية ونشيد الأناشيد».
*اللوحة: بورتريه لورا باتيفيري، زيت على لوحة خشب، الأبعاد: 83 سم؛ 60 سم مجموعة للرسام محفوظة في فلورنسا Palais de la Seigneurie وهي للرسام Agnolo Bronzino أو أنيولو دي كوزيمو، بالإيطالية Agnolo di Cosim 1503 – 1572، ويعرف عادة باسم إل برونزينو أو أنيولو برونزينو. كان رساما إيطاليا أسلوبيا Mannerism من فلورنسا. يشير لقبه برونزينو غالبا إلى بشرته الداكنة نسبيا.
*شاعر ومترجم عراقي













































