اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
عرف التصوف والعلم والزهد في أيام الدولة الرسولية في تعز التي كانت معقل التصوف اليمني في العصر الوسيط، وتعلق اليمنيون بجامع الجند الذي كان له حظوة مقدسة في قلوبهم باعتباره أول مسجد للإسلام في اليمن، بناه الصحابي الجليل ورسول رسول الله -صلى الله عليه- وسلم معاذ بن جبل -رضي الله عنه- في السنة التاسعة للهجرة.
ومنذ لحظة إقامته الأولى وجامع الجند هو مرجع اليمنيين المقدس؛ فيه تقام الشعائر ومنه تكتسب شرعية الحكام والملوك، وهو مأوى الضعفاء من اليمنيين الذين تقدم إليهم فيه الرعاية وصدقات الأغنياء وهبة الحكام.
ومن تعلق قلوب اليمنيين بجامع الجند أنهم كانوا يشدون الرحال إليه في رجب لأداء أول صلاة جمعة فيه؛ لاعتقادهم أنه بني في أول جمعة من رجب، ثم كانوا يشدون الرحال إليه أيضاً في نهاية رمضان لختم المصحف هناك ولا ينصرفون حتى يؤدون صلاة العيد فيه.
ولما كانت اليمن تنتشر فيها الصوفية بشكل واسع وتركوا على طقوسهم وطرقهم في الذكر على أيام الدوليات منذ الدولة الصليحية وحتى نهاية الدولة الطاهرية وصولاً إلى اليوم، فقد كانوا –ولا يزالون- يقيمون حلق الذكر والدروس المختلفة، ومنها الموالد التي تقام ليلياً على مدى ثلاثة أيام.. وقد كانت هذه العادة فقدت الاهتمام، وكانت شبه مختفية، إلا أنها بدأت تعود بقوة مع بدايات عقد التسعينيات.
كان جامع الجند بالنسبة لليمنيين كالجامع النبوي في المدينة المنورة باعتباره بقية نفحة مقدسة من النبي -صلى الله عليه وسلم- كونه بني بأمر مباشر منه؛ حتى أنه لا تقوم شرعية لملك حتى يتم تنصيبه في ذلك الجامع.
فعلى بعض الروايات لم يعلن علي بن الفضل ملكه في نهاية القرن الثالث الهجري، واستكمال شرعيته، إلا من جامع الجند، وكذلك فعل من بعده الملك محمد بن علي الصليحي مؤسس الدولة الصليحية في القرن الرابع.
أما في عهد تأسيس الدولة الرسولية في القرن السابع الهجري فلم يعلن نور الدين الرسولي ملكه إلا من منبر الجامع، ولم يكتسب شرعيته الملكية إلا بتنصيب رسمي إلباسه خلعة المُلك ورداء الشرعية من الخلافة العباسية إلا من منبر الجامع، وعلى إثرها تلقب بالمنصور، حيث كان من المفترض أن تصله خلعة الشرعية إلى مكة في موسم الحج ويعلن ملكاً من هناك من قبل الخليفة العباسي المستنصر، غير أن المستنصر بالله تأخر ولم يحج في ذلك العام فوصلت خلعته إلى الجند فتم إلباسه إياها هناك.
وعلى الرغم من أن عاصمة الملك الرسولي كانت تعز وفيها قصور الحكم والسكن والإقامة إلا أن في مدينة الجند كان لهم قصور أخرى لإدارة البلاد منها؛ فقد كان الملوك يتنقلون بين مدينة تعز ومدينة الجند، حتى أن اغتيال الملك المنصور تم في قصره في مدينة الجند.
في نهاية رمضان من كل عام كان اليمنيون من ملوك ووزراء وقضاة وأعيان ومواطنين يشدون رحالهم إلى مسجد الجند في ليلة السادس والعشرين منه، للتختم بالجامع، وكان من قضاة الدولة وخاصة بني عمران أو بني حسان، شخص واحد يختم ليلة سبعة وعشرين، ويقرأ الختمة على المنبر، ويلبث بالجند حتى يصلي بالناس العيد، ثم يعمل طعاماً يدخل عليه من المصلى جماعة من حفدتهم، ثم يطعمون الطعام، ويكون بعده الانصراف، كما قال الجندي في السلوك.
كان يمكن للعرف السياسي الذي سلكه الحكام الأوائل في لباس الشرعية الملكية في اليمن أن يتطور ويكون تقليداً سياسياً وثقافياً يمنياً إلى اليوم لإضفاء المزيد من التوقير لعاصمة الإسلام الأولى في اليمن وإحياء تلك المدينة التي يمكن أن تكون مقدسة جزئياً للاهتمام بها وإقامة الاعتبار لمكانتها في قلوب اليمنيين.
لقد كان جامع الجند شعلة العلم ومنارها الأول في اليمن؛ جاءه كبار الأئمة والتابعين لينهلوا العلم من علمائه منذ زمانه الأول؛ فكان أول التابعين الأعلام الذي ولي إمامة الجند هو طاووس بن كيسان، ثم عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، وكان إمام الحديث أبو قرة الجندي قبلة للناهلين منه علم الحديث كالشافعي وأحمد والبخاري، وابن معين وغيرهم. وكان أيضاً من علماء الحديث الإمام سيف السنة أحمد بن محمد بن عبدالله بن مسعود بن سلمة الجندي السكسكي البريهي.
وكما كان أبو قرة في الجند كان في صنعاء عبدالرزاق الصنعاني كذلك المثل تشد إليه الرحال للأخذ منه الحديث والتفسير والفقه وغير ذلك.
كان من المفترض أن يكون جامع الجند، وجامع صنعاء، جامعتين إسلاميتين عريقتين حديثتين تحويان كل العلوم، وقبلتين لكل الدارسين العلوم الإسلامية، كما هو حال الأزهر الشريف الذي بناه عمرو بن العاص؛ غير أن المصريين جيلاً بعد جيل اهتموا كل الاهتمام بالأزهر باعتباره أقدم مسجد بني هناك في الإسلام على يد صحابي جليل، فما بالكم لو كان بني بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وحدد مكان بنائه وكانت له معجزة كما كان لجامع الجند وجامع صنعاء؟!













































