اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٥ تموز ٢٠٢٦
تكرست عقلية التسيير الإداري اليومي بعيداً من المبادرة والتجديد واستنباط البرامج وذلك بغياب أي رهان انتخابي أمام هؤلاء الكتاب العامين
شكلت تجربة الانتخابات البلدية في تونس محطة بارزة في الديمقراطية المحلية، من خلال مشاركة المواطن في إدارة الشأن المحلي وحضوره الاجتماعات الدورية وتقديم مقترحاته ومتابعة مداولات المجالس البلدية المنتخبة. وعلى رغم ما شابها من نقائص، مثلت تلك التجربة لبنة أساسية في مراكمة العمل التشاركي والتمثيلية المحلية، باعتبار أن البلدية هي من أقرب المؤسسات الخدمية للمواطن.
اليوم، وبعد قرار حل كل المجالس البلدية عام 2023، غابت مشاركة المواطن في العمل البلدي، وتراجعت بالتالي القدرة على المساءلة المحلية من خلال النقاشات العلنية في الاجتماعات أو عبر آلية المحاسبة الانتخابية، إذ كان أعضاء المجلس البلدي المنتخبون والقادمون من خلفيات سياسية وفكرية واجتماعية مختلفة، يسعون باستمرار لكسب رضا الناخب والاستجابة لمطالبه، لكن هذا المشهد غاب كلياً اليوم في ظل تعيين كتاب عامين من قبل وزارة الداخلية لتسيير البلديات.
وفي غياب أي رهان انتخابي أمام هؤلاء الكتاب العامين تكرست عقلية التسيير الإداري اليومي، بعيداً من المبادرة والتجديد واستنباط البرامج والاستراتيجيات في التعاطي مع ملفات تهم البلدية، كالتهيئة العمرانية، وأولويات إحداث الفضاءات الترفيهية، وتحسين خدمات المرافق العمومية، كذلك تراجعت الخدمات البلدية وبقيت في حدها الأدنى.
ومنذ الانتخابات البلدية عام 2018، يترقب التونسيون انتخاب مجالس بلدية تمثلهم وتنقل مشاغلهم، فهل تشهد البلاد قريباً استحقاقاً مماثلاً يمكن المواطنين من مشاركة فاعلة؟ وما كلفة غياب المجالس البلدية؟
في الواقع، إن تعيين الكتاب العامين رؤساء للبلديات يعني العودة فعلياً إلى المركزية الإدارية على حساب الحكم المحلي، وهو وضع أضر بالعمل البلدي، وفيه تعسف قانوني.
ويؤكد أستاذ الحكم المحلي في الجامعة التونسية محمد الضيفي في تصريح خاص أن 'البلدية وفق القانون وباعتبارها جماعة محلية لا يسيرها إلا شخص منتخب، بينما الكاتب العام الذي يتولى اليوم تسيير البلدية يجري تعيينه من قبل وزير الداخلية، علاوة على أن الكاتب العام لا يمكنه إبرام عقود الزواج وفق قانون الحالة المدنية، وقد دفع الشغور على مستوى رئاسة البلديات إلى دعوة المقبلين على الزواج الذين يرغبون في عقد قرانهم في قاعات البلديات، إلى التعاقد مع عدل إشهاد لإبرام الزواج وفق القانون'.
ويصف الضيفي الأرضية القانونية للبلديات اليوم بـ'الهشة'، مشيراً إلى أن 'الكاتب العام الذي يسير البلدية لا يمكنه أن يكون الآمر بالصرف، الذي يجب أن يكون منتخباً حسب مجلة المحاسبة العمومية، وهي من مشمولات رئيس البلدية من دون سواه'.
ويخلص المتخصص في الحوكمة المحلية إلى أن 'هذا الوضع الهش جعل الكتاب العامين يعملون بحذر، ومن دون أريحية في ظل إكراهات الوضع القانوني الراهن'، لافتاً إلى أنه 'لم يسبق في تاريخ تونس أن تولى الكاتب العام رئاسة البلدية'.
وفي السابق، عند حل مجلس بلدي وتعيين نيابة خصوصية لتسيير البلدية يجري تكليف المعتمد، ومعه مجموعة من المواطنين من أصحاب الكفاءة، بتسيير البلدية كمجلس بلدي لفترة موقتة إلى حين إجراء الانتخابات.
في المقابل، وتكريساً للمسار السياسي الجديد الذي دخلته تونس منذ عام 2021، أولت السلطة السياسية الراهنة اهتمامها لصنف جديد من الجماعات المحلية، وهي المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم كامتداد للغرفة التشريعية الثانية (المجلس الوطني للجهات والأقاليم)، والتي يقتصر دورها على 'العمل على تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل والتداول في مشاريع مخططات التنمية'.
وباتت المجالس المحلية التي انتخبت أخيراً تقوم مقام المجالس البلدية، وأصبح أعضاء هذه المجالس ينقلون مشاغل المواطنين للكاتب العام للبلدية.
ويشدد المتخصص في الشأن المحلي على 'ضرورة التعجيل بتنظيم انتخابات بلدية لتجاوز هذا الوضع الهش ولتحسين الخدمات البلدية للمواطن ولتعزيز التشاركية، خصوصاً في إعداد الموازنات في البلديات ووضع المخططات البلدية'.
ويلفت محدثنا إلى أنه 'لا يمكن إجراء انتخابات بلدية إلا بعد صدور القانون الأساس للبلديات، منسجماً مع دستور 2022 الذي ينص على النظام الرئاسي، وهو ما يعني أن دور المجلس البلدي سيتغير ويصبح وظيفة وليس سلطة محلية'، مشيراً إلى أنه 'لم يجر إلى الآن تقديم مشروع قانون متعلق بالبلديات'.
وفي ظل ظاهرة العزوف عن المشاركة السياسية، يرى محمد الضيفي أن 'ضعف الإقبال على المشاركة السياسية قد ينتج نسبة تمثيلية ضعيفة في هذه المجالس لا تعكس فعلياً إرادة الناخبين من سكان المنطقة البلدية'.
يشار إلى أن أول بلدية أحدثت في تونس هي بلدية تونس العاصمة عام 1875، وتتضمن الخريطة البلدية في تونس اليوم 350 بلدية إضافة إلى 30 مطلباً لإحداث بلديات جديدة، بينما يعاني عديد البلديات صعوبات مالية كبيرة وغير قادرة على الاستجابة لحاجات مواطني البلدية نظراً إلى ضعف موازنتها ومحدودية مواردها الذاتية.
تعد الانتخابات البلدية في كل بلدان العالم بوابة الولوج إلى العمل السياسي ومدخلاً لمن يروم التدرج في تقلد المناصب، واختباراً محلياً على قدرة المترشح على نيل ثقة المواطنين. ويحفظ التاريخ أسماء عدد من رؤساء الدول والحكومات ممن مروا بهذه المحطة.
ويرى الناشط السياسي محسن النابتي في تصريح خاص أن 'الانتخابات البلدية هي استحقاق دستوري كغيرها من المؤسسات كالبرلمان والمجالس المحلية والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وغياب المجالس البلدية هو ثغرة في البناء الدستوري لتونس ما بعد الـ25 من يوليو (تموز)، ودلالة على أن تونس لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار وما زالت في حالة الهشاشة'.
ويضيف النابتي أن 'الانتخابات البلدية هي من أهم الاستحقاقات الانتخابية لتعلقها مباشرة بالخدمات الموجهة للمواطنين كنظافة البيئة والمحيط والطرقات والإنارة وغيرها'، محملاً السلطة مسؤولية تأخر تنظيم الانتخابات البلدية. ولفت إلى أنها 'أغلقت الباب أمام القوى السياسية التي عولت على مسار الـ25 من يوليو في إرساء مناخ سياسي سليم، وفي تغيير سياسي جذري، وفي خلق حالة سياسية وطنية جديدة تمكن الناخب من اختيار ممثليه من غير المنظومة القديمة'.
ورأى الناشط السياسي أن 'ظاهرة باتت تهدد العمل السياسي في تونس، وهي حالة فقدان الثقة في الطبقة السياسية، تترجمها نسب المشاركة الضعيفة في مختلف المحطات الانتخابية التي عاشتها تونس بعد عام 2021'، مشدداً على 'ضرورة الإعداد الجيد للانتخابات البلدية لضمان نسبة إقبال محترمة من الناخبين وإلا فلا فائدة من تنظيمها'.
ويدعو إلى 'انتخاب مجالس بلدية حقيقية كاملة الصلاحيات، مع العمل على تعزيز ثقة التونسيين في العملية السياسية وفي الانتخابات لتفادي إنتاج مجالس مفرغة، ومن دون برامج'.
ويخلص الناشط السياسي إلى أن 'الحالة الراهنة من فقدان الثقة والعزوف عن المشاركة السياسية ومخاوف القطيعة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، كلها ناتجة من غياب العمل السياسي وتراجع التداول في الفضاء العام'، داعياً إلى 'تصحيح الوضع، وإنقاذ العملية الانتخابية، وإعادة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، من أجل فرز مؤسسات منتخبة قادرة على ابتكار الحلول وخدمة التونسيين'.

























