اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦
صدر مؤخرًا كتاب جماعي دولي بعنوان 'العولمة وآليات الاستلاب الثقافي في البلدان العربية' عن الدار الأفريقية للكتاب في الجزائر بالشراكة مع منشورات مجلة كراسات تربوية في المغرب. والكتاب من تنسيق أستاذا علم الاجتماع والانثروبولوجيا د. الصديق الصادقي العماري (المغرب) ود. سرمد جاسم الخزرجي (العراق)، وتقديم د. العماري أيضًا الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه يُتوخى من خلاله إثارة مجموعة من الإشكالات العميقة حول ظاهرة العولمة وما تمارسه من استلاب ثقافي في البلدان العربية بالخصوص، وذلك في محاولة من طرف مجموعة من الباحثين للتفكيك والتفتيت والتحليل والتفسير والتأويل حول موضوع قديم بمناهج ساخنة، وفق مقاربة تكاملية بغرض إثارة الانتباه لإشكالية جديرة بالبحث والتقصي.
كما أكد د. العماري في تقديمه الذي كان بعنوان 'المثاقفة والتناسخ الثقافي في ظل العولمة' بأن العولمة ظاهرة ذات تأثيرات على القيم والهوية الثقافية للمجتمعات، حيث تساهم في تبادل وتداخل الأشكال والنماذج الثقافية عبر الحدود الجغرافية بفضل تطور التكنولوجيا. وهذه الظاهرة تعد سيرورة ثقافية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية تدفع في اتجاه إعادة تشكيل العالم وفق منطق براغماتي من أجل السيطرة على مجالات الحياة بمختلف مناحيها. وذكر العماري أن العولمة وما رافقها من تحولات عميقة في بنية التفاعلات الثقافية شكلت آلية لزعزعة الخصوصية الثقافية والانتماء القومي والإثني والهوياتي، حيث أضحت بنية مركبة من العمليات للتفاعلية مع الآخر، وسريعة التحول وغير ثابتة في إطار من التثاقف والتناسج الثقافي.
وقد تضمن الكتاب دراسات ومقالات علمية عدة لباحثين عرب من بينها دراسة إعلامية من إعداد د. بتول السيد مصطفى من البحرين وأ. مصطفى سعدون البوريشة من العراق، وذلك تحت عنوان 'تأثيرات العولمة الثقافية على الهوية الثقافية للشباب العراقي'. وهدفت هذه الدراسة إلى رصد تأثيرات العولمة الثقافية على الشباب العراقي من النواحي المعرفية والوجدانية والسلوكية، وذلك انطلاقًا من تعرضهم للمحتوى الثقافي عبر الإعلام الرقمي واتجاهاتهم نحو تأثيره في هويتهم الثقافية. وتمحورت إشكالية الدراسة في الكشف عن تأثيرات الإعلام الرقمي بمختلف وسائله باعتباره أداة للعولمة الثقافية وأحد أبرز نتاجاتها، لاسيما في عصر التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية وتداعياتها المستمرة.
ووفقًا للباحثين السيد والبوريشة فقد تعاظمت تأثيرات العولمة الثقافية في العصر الحاضر مع الثورة المعلوماتية والتقدم التكنولوجي الهائل وانتشار الإنترنت وما تبعه من تطور وسائل الإعلام والاتصال وظهور ما بات يُعرف بالإعلام الرقمي التفاعلي أو الجديد، إذ طالت تداعياتها مختلف الفئات المجتمعية، لاسيما الشباب باعتبارهم يُمثلون الفئة الأكثر استخدامًا وتعرضًا لهذه الوسائل، وبالتالي الأكثر تأثرًا بها سواء من الجوانب المعرفية أو الوجدانية أو السلوكية. كما باتت العولمة الثقافية تُشكل تهديدًا صارخًا لهوية وخصوصية المجتمعات العربية وأفرادها.
وعليه، ارتكزت دراستهما على هذه الإشكالية المُتمحورة حول العولمة الثقافية وما يُرافقها من سلبيات وإيجابيات أو فرص ومخاطر، وذلك عبر مسح شمل عينة من الشباب العراقي، أخذًا في الاعتبار كون المجتمع العراقي أنموذجًا للمجتمعات العربية المحافظة. وذلك بهدف رصد تأثيرات العولمة الثقافية على الهوية الثقافية للشباب العراقي وقياس اتجاهاتهم نحوها سواء كانت سلبية أو إيجابية، ومن ثم إمكانية تحديد ما إذا كانت الهوية الثقافية للشباب العراقي بمختلف عناصرها ومُكوناتها تتعرض إلى محاولات تعزيز وترسيخ عبر التكوين الثقافي والنمو الفكري والقيمي السليم، أو إلى محاولات تشويه وضياع عبر الغزو الثقافي والعزلة والاغتراب عن الذات والمحيط والهوية وزيادة الفجوة بين الواقع الحقيقي والافتراضي.
وتُعد هذه الدراسة وصفية، إذ اعتمدت على المنهج المسحي عبر أداة استبانة شملت عينة عمدية من الشباب العراقي بلغ مجموعها 200 فردًا، وارتكزت على نظريتي الغرس الثقافي والاعتماد على وسائل الإعلام. وأكدت الدراسة التأثير الكبير للمحتوى الثقافي المُقدم عبر وسائل الإعلام الرقمي باعتباره أحد نتاجات العولمة الثقافية وأدواتها في العصر الراهن على الهوية الثقافية للشباب العراقي. وأظهرت نتائج الدراسة أن غالبية أفراد العينة يتعرضون لهذا المحتوى بشكل دائم، وبينت أن التعرض للمحتوى الثقافي الرقمي يترتب عليه تأثيرات معرفية ووجدانية وسلوكية سلبية عليهم، وذلك سواء من ناحية المعرفة والوعي بالواقع، تشكيل الاتجاهات نحو القضايا، تعزيز شعور العزلة والاغتراب، والتسبب في السخط على الواقع، والإسهام في تغيير السلوكيات والعادات، وكذلك إثارة الميل إلى التمرد والتحرر. كما بينت نتائج الدراسة أن غالبية اتجاهات أفراد العينة نحو تأثير المحتوى الثقافي الرقمي على هويتهم الثقافية بمختلف عناصرها ومُكوناتها كانت سلبية أيضًا، لاسيما من ناحية التعارض مع القيم والعادات والتقاليد والأعراف، والتأكيد على تقديمه صورة سلبية عن واقع العراق وتاريخه، وعدم اهتمامه بابراز اللغة العربية واللهجات المحلية.
وبحسب الباحثين السيد والبوريشة فإن هذه النتائج تؤكد ضرورة مواجهة خطر العولمة الثقافية وأداتها المُتمثلة في الإعلام الرقمي ومحتواه وما يترتب عليه من غزو واجتياح ثقافي، وذلك من خلال تفعيل الرقابة الصارمة بالمحاسبة والتشريعات القانونية المناسبة، وتعزيز المسؤولية الذاتية والمجتمعية كي لا يُسهم هذا المحتوى أكثر في تشويه أو ضياع الهوية الثقافية وتذويب خصوصيتها عبر المضي بها إلى آفاق عالمية واسعة غير محمودة العواقب تحت ذريعة التطور والانفتاح، ومن ثم تشتت الشباب بشكل خاص كونها الفئة التي تُمثل رمز مستقبل الأمم وعنوان أملها.
وعليه، أوصى الباحثان السيد والبوريشة في دراستهما بضرورة تفعيل التشريعات والقوانين الخاصة بالنشر في الإعلام الرقمي عبر التصدي للمحتوى الذي يسيء إلى مُكونات الهوية الثقافية العراقية وعناصرها، وفي المقابل السعي إلى دعم المحتوى الذي يحميها من محاولات التشويه والضياع. وتعزيز دور المؤسسات التربوية والأكاديمية والدعوية في توعية الشباب بأهمية المحافظة على هويتهم وحمايتها من مختلف مظاهر الاغتراب والغزو الثقافي وتداعياتهما السلبية. وكذلك تفعيل دور الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية والإعلامية في حماية الهوية الثقافية، وتعزيز الرقابة على المحتوى الإعلامي ودعم البرامج التعليمية والتوعوية، وتطوير سياسات نقدية للتعامل مع تأثيرات العولمة بشكل يُحافظ على الخصوصة الثقافية.













































