اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢١ نيسان ٢٠٢٦
ليلة البركان
كنت قد غادرت العاصمة صنعاء سراً ليلة الثلاثين من مارس 2015 بمساعدة شخصية لأحد الأصدقاء المرتبط بالحوثيين كان مطلعاً على ما تبيته المليشيا الحوثية الإرهابية لي، وقد أسرني أن المليشيا الحوثية ستداهم سكني في تلك الليلة، فعمل على تهريبي، ومن ثم توجهت ليلاً إلى تعز وأنا عاقد العزم على تكوين شباب للمقاومة أو الانضمام مع أول مقاومة تنطلق، فقد كنا عائدين للتو من مقابلة الرئيس هادي في عدن لطرح عليه نفس المشروع؛ فواجب اللحظة هو التصدي للإرهاب الحوثي الذي تنبأت على انقلابه منذ عام 2007؛ فقد كانت كل خطواتهم والشواهد التاريخية تقول بذلك إلا المغفلين الذين يداهنون في كل شيء ولا يرون أبعد من أنوفهم وجعلوا الأمر برمته عبارة عن مناكفات رغم خطورة الأمر!
أكتب هذه المقدمة كشاهد عيان على ما سيأتي، وليس لتسجيل موقف شخصي؛ فالبطولة -كل البطولة- والشرف الحقيقي لمن هم في الميدان يعيشون شظف الحياة ومشقات القتال.
لم أكن أعرف الشيخ حمود المخلافي معرفة شخصية إلا ما نرى ونسمع عنه عبر وسائل الإعلام وكلام الناس العام حوله، ولم يسبق لي أن التقيته قبل ذلك، وكنت أتوسم من خلال صيته وشهرته وبعض تصريحاته الرافضة للانقلاب أنه أول من سيقود مقاومة تعز، لذلك تواصلت بأحد الشخصيات المقربة منه في صنعاء على أن يرتب لي موعداً للقائه، فكان الترتيب ليلة انطلاق المقاومة؛ ليلة السادس عشر من أبريل 2015.
انطلقت من القرية الساعة الثالثة عصراً ووصلت إلى منزله مغرب يوم 15 من أبريل، وكان برنامج الرجل مشغولاً كثيراً في تلك الليلة؛ فقد رأيت كثيراً من الشخصيات عنده وحول بيته، ولم يأت دور اللقاء إلا قرابة الثانية منتصف الليل بعد أن خلص كثيراً من مواعديه، وكان منزله في تلك الليلة يعمل كخلية نحل استعداداً للانطلاق.
كان معه تلك الليلة صادق سرحان وعبدالواحد سرحان وبعض المشايخ والشخصيات الذين لم أكن أعرفهم شخصياً، وعلمت حينها أنهم يرتبون لانطلاق المقاومة في تلك الليلة.
تحدثنا كثيراً، وقدمت له مشروعاً متكاملاً للمقاومة والجبهات الاستراتيجية المؤثرة خارج المدينة تحديداً، وخرجنا باتفاق معين لفتح جبهات متعددة كل في ما يخص منطقته ومناطق أخرى معروفة ومدروسة الجغرافيا.
الواقع، وتلكؤ بعض الشخصيات، أربك الكثير من المشاريع حينها والتي لم تسر كما خُطط لها، لكن انطلقت المقاومة ورفعت تعز رؤوس كل اليمنيين رغم التضحيات الباهظة.
الشاهد من هذا السرد كله ليس تسجيل مواقف شخصية؛ فقد كان الميدانيون هم كل شيء، وهم الأبطال الحقيقيون، لكن أحببت أن أدلي بدلوي فيما يخص معرفتي الشخصية بظروف انطلاقة المقاومة ليلة الانطلاق، وكيف تم الترتيب لها في بيت الشيخ حمود نفسه، وكيف كان ومن معه هم أصحاب الطلقة الأولى بكل صدق وليس غيرهم.
قد يكون هناك آخرون لهم ترتيباتهم الخاصة الأخرى؛ فبحسب علمي أن كل المكونات ربما تحرك كل منها في نسق معين، دون ائتلاف الجميع تحت قيادة واحدة؛ فقد كان لكل طرف رؤيته.
لذلك شهادة الأستاذ المعمري في هذا الجانب تؤكد أنه كان كل طرف يعمل على حدة؛ فمنهم من أراد أن تكون المقاومة تحمل الطابع الرسمي العسكري، وهذا الأمر كان صعباً في تلك الظروف؛ لأن العسكريين ينتظرون الأوامر التي تأتي من رؤسائهم وقادتهم ولم يكن لهم حينها قائد ولا رئيس؛ فقد نزع الرئيس هادي صاعق الانفجار وغطاء الشرعية عن الجميع حينها، ولذلك قرأت كلام المحافظ المعمري أنه كان توفيقياً مراضياً للجميع حتى لا يدخل في مهاترات ولا صدامات مع أي مكون.
المكونات الأخرى التي دخلت المعترك إنما دخلت بصفة شخصية غيورة على الدولة والوطن والمحافظة ولم يكن توجهاً رسمياً باسم مكوناتهم؛ فقد كانت كثير من المكونات راضية بما يفعله الانقلابيون الحوثيون والعفاشيون ويسخرون من غيرهم وينتظرون تقديمهم على مذابح الأضحية والفداء.
لذلك كانت هذه المكونات تصف جيش تعز بجيش المدرسين، أو جيش المعاهد، جيش الإصلاح!
المقاومة الشعبية من كافة الفئات والمكونات كانت سباقة على العسكريين الذين انضموا لاحقاً لهذه المقاومة عبر الانشقاقات عن وحداتهم العسكرية وخاصة اللواء 35 مدرع الذي كان في بدايته متردداً بين الالتزام بالجانب الرسمي والاتفاق الذي عقده الجميع مع المحافظ شوقي، حسب بعض منتسبيه، كونه يتبع الجانب الرسمي للدولة، ثم لما استقال شوقي من منصبه وأصبحت المحافظة بلا قايد، والمليشيا غدرت بالاتفاق، هنا اتضحت المواقف وتصدر العسكريون المقاومة كاللواء 35، واللواء 22 ميكا، واللواء 17، ونظموا الجانب العسكري في المقاومة، وتحديد المجالات والمربعات لكل لواء.
يعتبر الشيخ حمود سعيد صاعق تعز المشتعل والحقيقي الذي يمثل شرارة تعز الدائمة، ولذلك نلحظ تراجع فاعلية المقاومة في المحافظة بعد إخراجه منها بفعل إصرار الإمارات على خروجه مقابل تحرير بقية المحافظة، وهو ما لم يحدث.
كانت الإمارات تدرك ما تفعل وهي تصر على نزع صاعق تعز لكي تبقى المقاومة دون رأس جامع ولا نار مُتّقِدة لمقاومة الحوثيين وتحرير بقية المحافظة.
فالجيش الوطني في المحافظة ممثل للجانب الرسمي الحكومي الملتزم بسياسة الدولة والشرعية والتحالف في الحرب والسلم والمهادنة، وهو بذلك مقيد القرار، بينما كان الشيخ حمود كممثل للمقاومة الشعبية لا ينطبق عليه ذات الأمر حتى ولو قيل بدمج المقاومة والجيش في إطار واحد.
اتخاذ تعز قرارها الانفرادي بمقاومة الغزو الحوثي يبدو أنه أغضب الفاعل الدولي الممسك بالملف اليمني، ولذلك تم كشف ظهرها للانقلابيين حتى من قبل الشرعية ذاتها التي خذلتها في كل موطن، ليجتمع عليها كافة الأطراف؛ الانقلابيون بشقيهم، والانتقالي والجنوبيون بشكل عام.
لقد خرج كل الغيورين في تعز للمقاومة؛ كلٌ في مجاله، فهناك من حمل السلاح من مدرسين وطلاب ومهندسين وأطباء وخطباء ومحامين وإعلاميين وغير ذلك، ومنهم من قاوم بمهنيته؛ فالطبيب المتفرغ للعلاج، والإعلامي المغطي للأحداث المصاحب المقاومة في الجبهات، والمرأة في التطبيب وصناعة الطعام للمقاومة ومغطية المجتمع في التعليم في ظل غياب أرباب الأسر، والإداريون الذين يديرون شؤون المحافظة وإن كثير منهم تخلى عن وظيفته، والحقوقيون الراصدون للجرائم، ومنظمات المجتمع المدني التي تساهم في تغطية الاحتياجات الإنسانية، والأكاديميون الذين لم يسقطوا راية التعليم من أيديهم لتستمر مؤسسات الدولة والجامعات في عملها.
لقد تفاجأت بالصديق المهندس المحترم محمد دبوان؛ المشرف على ترميمات معالم تعز الأثرية في المقاومة حين بلغني نبأ استشهاده، وكيف سارع لحمل بندقيته في سبيل الدفاع عن تعز، وكان يسعه عمله في البقاء في مكانه إلا أن همته العالية دفعته لأداء الواجب في ظرف عصيب ليس مجاله الآني الاشتغال بالترميم، كما فعل غيره من الطلاب والمدرسين.
هؤلاء الذين يتم السخرية منهم اليوم من قبل المرضى الذين يناصرون الانقلابيين بطرق مباشرة وغير مباشرة على أنهم جيش المدرسين كانوا حماة المدينة الأوائل ومحرريها، ولولاهم ما وجدوا مدينة تؤويهم ويرفعون منها أصواتهم العالية بالضجيج في كل شيء، وكانوا سبباً في بقاء الشرعية قائمة على أصولها هم ومن في محافظة مارب تحديداً؛ كون البقية صاروا إلى انقلاب آخر لا يعترف بالشرعية ولا بالدولة، وعادوا لتكوين مكونات خاصة بهم كدول داخل الدولة.
..............يتبع













































