اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
سعيد يقطين*
بعد أن رصد عبد السلام بنعبد العالي تطور «السردية» من علم السرد إلى السياسة والإعلام مرورا بالفلسفة، باعتبارها أوّلا تتصل برواية الأحداث، وثانيا بصفتها «منظومة تفسير للعالم، مع الفلسفة، وأخيرا الطريقة التي يعاد بها تنظيم الوقائع لإنتاج معنى معين يخدم رؤية أو هوية أو مصلحة»، انتهى إلى أن «السردية» تحتل «موقعا وسطا بين ثلاثة مفاهيم: الأسطورة والأيديولوجيا وفلسفة التاريخ، لكنها ليست أيا منها». فالأسطورة تروي أصل العالم. أما «السردية الكبرى» فلا تأبه بأصل العالم، وإنما تقول إن التاريخ يسير نحو الأفضل. إنها ليست أسطورة بالمعنى التقليدي، لكنها تؤدي وظيفة مشابهة، وتمنح التاريخ معنى واتجاها». وهي أخيرا ليست هي الأيديولوجيا لـ»أنها الطريقة التي يكتسب بها خطاب ما حقه في أن يصدق». وبما أن «السردية» لم تعن الأسطورة أو الأيديولوجيا، فهل جاءت لتحل محل مفهوم هيمن منذ القرن التاسع عشر، هو «فلسفة التاريخ»؟
يمكننا تأطير طرح ليوتار في نطاق وقوفه على «وضع ما بعد الحداثة»، مستنيرا في ذلك بما جاءت به البنيوية من خلال اللسانيات، ومن خلال ما قدمه فتغنشتاين حول «اللعبة اللغوية»، وما تحقق مع السرديات (علم السرد)، التي أعطته معنى جديدا مختلفا عما كان سائدا قبل الستينيات، ولذلك كان العنوان الفرعي للكتاب: «تقرير عن المعرفة». أتساءل أولا: ماذا لو أعد ليوتار تقريره هذا في الأربعينيات مثلا، وليس في سنة 1979، هل كان سيطرح مفهوم «السرديات الكبرى»
(Grands Récit)؟ الجواب: قطعا لا.
التقرير أعد في زمن صار فيه السرد نظريا، والنوع الروائي إبداعيا فارضين نفسيهما مع البنيوية، ولذلك فهو يمتح مما صار شائعا، مقدما مقولات: «العقل يحرر الإنسانية»، «العلم يقود إلى التقدم»، «الثورة تحقق العدالة» على أنها ليست شعارات أيديولوجية. وإنما هي «حكايات» عن التاريخ، كل واحدة منها تروي من أين بدأ التاريخ؟ وإلى أين يتجه؟ ومن هو بطله؟ وما هي نهايته؟ أي أنها تمتلك بنية روائية كاملة، ولهذا اختار ليوتار كلمة « récit». و»بهذا المعنى قلت إن السردية ليست أقل من الأسطورة، بل هي وارثتها الحديثة، فبينما تمنح الأسطورة معنى للكون، فإن السردية تمنح معنى للتاريخ».
يفسر بنعبد العالي لجوء ليوتار إلى «السرديات الكبرى» لأن «الحداثة، في نظره، كانت تحتاج إلى «حكايات كبرى» تمنح الشرعية للعلم والسياسة والأخلاق. ولكي يربطها بالتحول الذي طرأ على «السردية» في انتقالها من الأدب إلى الفلسفة يؤكد أن: «العلم لا يكتفي بإنتاج المعرفة. إنه يحتاج إلى سردية تحكي لماذا ينبغي للمعرفة أن تكون القيمة العليا، والديمقراطية تحتاج إلى حكاية تقول، إن التاريخ يتجه نحو الحرية، والاشتراكية تحتاج إلى سردية تقول، إن التاريخ ينتهي بالمصالح، مستخلصا أن السردية ليست شيئا «أكبر من الأيديولوجيا وأقل من الأسطورة» فحسب، بل هي شيء يقطع مع هذا التصنيف كله. إنها ليست درجة وسطى بينهما، وإنما الشكل الحديث الذي حلت به وظيفة الأسطورة داخل المجتمعات الحديثة، مع احتفاظها بقدرتها على إنتاج الشرعية.
نعاين من خلال تتبع ما يقدمه بنعبد العالي أنه يستعمل في آن واحد: السرديات الكبرى، والحكايات الكبرى، ووظيفة الأسطورة، وكلها لا علاقة لها، في رأيي بـ»السردية» (Narrativity ) كما يحددها علم السرد حاضنة هذا المصطلح. لا خلاف في أن السرد موجود في الخطاب الأسطوري، والأيديولوجي، والتاريخي، وغيره من الخطابات أيا كان جنسها. هذا هو المنعطف الفكري الذي تحقق مع علم السرد. لكن «السردية» بمعناها العلمي لا تتحقق بالدرجة عينها في أي خطاب سردي. فلا يمكننا اعتبار خطاب يومي يروج له مؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي يدعي أنه يؤسس لـ»سردية جديدة» أن له «سردية» تعيد تنظيم الوقائع لإنتاج معنى ذي شرعية. إنه ينتج خطابا أيديولوجيا، وقد لا يخلو من أكاذيب لا ترقى إلى مستوى الأسطورة، بله حكاية بسيطة.
إن ما يعنيه ليوتار، وهو يتحدث عما بعد الحداثة، هو ما انتهت إليه «الحضارة الغربية» بصفة عامة بعد الحرب الثانية. إنه يعني أن كل المقولات والأفكار والقيم انتهت إلى الطريق المسدود مع التحولات التي عرفها العالم. وحين يربط ما بعد الحداثة بالسرد (Récit) من خلال مقولات التقدم والتحرر وسعادة الإنسان، يريد الوصول إلى أن كل ما «يروى» عنها لم يبق ما يبرر «مصداقيتها»، أو «حقيقتها». فالأسطورة والفلسفة والدين والأيديولوجيا والتاريخ كلها تسعى إلى تفسير العالم، وتنظيم حياة الناس وفق نظام معين. وتاريخ الأفكار يبين لنا ما تمخض عن عقل الإنسان وخياله في تعامله مع السماء والأرض وما تتجسد من خلاله رؤيته للعالم، ورغبته في السيطرة عليه. لذلك أرى أن ما يقصده ليوتار هو «المرويات الكبرى» في التاريخ، وهو يتحدث عما بعد الحداثة. فمرويات العقل وسعادة الإنسان، والحرية والديمقراطية، نتاج الفكر الغربي في العصر الحديث. هذه المروية الكبرى ليست وليدة القرن التاسع عشر. إنها نتاج التطور الذي عرفه الغرب منذ النهضة الإيطالية. وهذه المروية الكبرى جاءت لتفسر العالم، وأصل الإنسان، وتغيره في آن بطريقة مختلفة عما كانت عليه المرويات الكبرى للأساطير والأديان.
جاء الفكر الغربي الحديث، وهو ينبني على العقل، والعلم، ليناقض المرويات الكبرى التي ظلت مهيمنة طيلة عدة قرون. تماما كما جاء الإسلام ليناقض المرويات الكبرى الوثنية والدينية ويؤسس رؤية وتفسيرا جديدين للعالم. ولذلك عد الوثنيون ما يقدمه «أساطير الأولين». وحين أفضل ترجمة ( Récit) هنا بالمروي، أعتبر أن ما يروى فيه ما هو بسيط وعابر، ولا قيمة تاريخية له. أما المرويات الكبرى فلكل منها تاريخ طويل في متخيل الإنسان ومُتعقَّله، ولا يمكن أن يزول. قصة الخلق مروية كبرى. نجدها في الأسطورة والدين والفلسفة والعلم. وتاريخ البشرية تاريخ هذه المرويات. ما العلاقة بين ملحمة جلجاميش ورواية الخيال العلمي؟ أين الخيالي من الواقعي؟
إننا نروي دائما. فهل نخلق «سرديات»؟ قد ننتج سرودا، وحكايات، وروايات. لكن السردية الحقيقة ذات مقومات خاصة تحدد سرديتها. في التاريخ العربي نقرأ من صدر الإسلام «حدثنا أبو هريرة»، و»حدثنا عيسى بن هشام» في القرن الرابع، و»حدث أبو هريرة قال» في العصر الحديث. كيف تطور «الحديث» وحدثنا صيغة سردية؟ مرويات الحديث النبوي لأنها وليدة النص القرآني الكبرى. أما مقامات الراوي الهمداني فزالت، وراوي المسعودي يتخذ صورا متعددة في الرواية العربية. من رام إنهاء أسطورة البخاري لن يؤسس «سردية جديدة»، لأن «السرديات الكبرى» بمعنى علم السرد متعالية على الزمان والمكان، لأنها التعبير الأسمى عن القلق الوجودي الدائم للإنسان، والانطلاق من هذا المعنى السردي يطالبنا بكتابة تاريخ السرديات الكبرى في الفكر الإنساني من خلال النصوص السردية الكلاسيكية المؤثرة في الإبداع في علاقته بالتفكير.
*كاتب مغربي













































