اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
يواجه مجلس التعاون الخليجي إشكالية قانونية وأخلاقية مركّبة تتعلق بطبيعة التزاماته الجماعية تجاه دولة عضو تُثار حول سلوكها الخارجي تساؤلات جدية بشأن مدى توافقه مع مبادئ القانون الدولي، ولا سيما مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وتكشف هذه الإشكالية عن توتر بنيوي بين الإطار المعياري الذي تأسس عليه المجلس بوصفه منظومة أمن جماعي إقليمي، وبين بعض الممارسات الواقعية التي اتخذت طابع التدخل المباشر أو غير المباشر في نزاعات دول أخرى.
وتكمن خطورة هذه الإشكالية في أنها لا تمس حالة سياسية عابرة، بل تطال جوهر فكرة الدفاع المشترك ذاتها، وتطرح سؤالًا قانونيًا مركزيًا: هل تظل اتفاقيات الدفاع المشترك ملزمة إذا كانت الدولة المطالِبة بالحماية طرفًا مبادرًا باستخدام القوة أو منخرطة في تدخلات عسكرية تتعارض مع قواعد القانون الدولي؟
الإطار القانوني الخليجي والدولي
يقوم النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي الصادر عام 1981، في بنيته العامة وفلسفته التأسيسية، على تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال التنسيق والتكامل وتوحيد المواقف، بما يفترض ضمنيًا احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهذا التوجه البنيوي يتسق مع القواعد الآمرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
وفي الإطار نفسه، جاءت الاتفاقية الأمنية الخليجية (1994 والمعدلة 2012) لتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية، بينما أكدت اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000 في مادتها الثانية أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، بما يترتب عليه التزام جماعي بالدفاع. غير أن هذه الاتفاقيات، رغم وضوحها في مبدأ التضامن، لم تُعالج صراحة حالة الدولة العضو التي تكون هي نفسها منخرطة في استخدام القوة أو في ممارسات تتعارض مع المبادئ التي قام عليها المجلس، وهو ما يفتح الباب أمام التأويل القانوني.
الإطار المفاهيمي: Jus ad Bellum
لفهم هذه الإشكالية على نحو منهجي، لا بد من الانطلاق من قواعد القانون الدولي المنظِّمة للجوء إلى استخدام القوة المسلحة، والمعروفة في الفقه القانوني باسم Jus ad Bellum.
ويقصد بقواعد Jus ad Bellum (قانون اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة) مجموعة القواعد المستقرة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي والاجتهاد القضائي الدولي، التي تنظّم متى ولماذا يجوز للدول استخدام القوة المسلحة، وتقوم على حظر عام لاستخدام القوة، مع استثناءين حصريين هما: الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، أو استخدام القوة بناءً على تفويض صريح من مجلس الأمن.
ويُعد هذا الإطار المفاهيمي أداة تحليلية أساسية لتقييم مشروعية أي سلوك عسكري، لأنه لا يكتفي بوصف الوقائع، بل يحدد ما إذا كانت ترقى قانونًا إلى استخدام غير مشروع للقوة أو إلى عمل من أعمال العدوان.
التدخلات الخارجية محل الجدل في ضوء Jus ad Bellum
من هذا المنظور، أُثيرت خلال السنوات الأخيرة وقائع متعددة تتعلق بتدخلات إماراتية في عدد من الساحات الإقليمية، وأثارت نقاشًا واسعًا حول مدى اتساقها مع قواعد Jus ad Bellum.
في اليمن، قدّمت الإمارات دعمًا سياسيًا وعسكريًا للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان دخل في مواجهات مسلحة مع القوات الحكومية المعترف بها دوليًا، لا سيما خلال أحداث أغسطس 2019. وكذلك ما استجد مؤخراً من اخضاع محافظتي حضرموت والمهرة للسيطرة عليهما بالقوة المسلحة ، وشمل هذا الدعم وفق تقارير متعددة ، تدريب وتسليح قوى عسكرية موازية لمؤسسات الدولة ، وهو سلوك يمكن توصيفه، وفق معايير القانون الدولي بوصفه استخدامًا غير مباشر للقوة يمس مبدأ وحدة الدولة وسيادتها.
وفي ليبيا، وثّقت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة قيام الإمارات بتقديم دعم عسكري مباشر لقوات اللواء خليفة حفتر، شمل غارات جوية وتزويده بأسلحة متطورة وطائرات مسيّرة، في خرق واضح لحظر السلاح المفروض بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا لالتزامات دولية ملزمة، ويقع ضمن الأفعال التي يجرّمها إطار Jus ad Bellum.
أما في السودان، فقد وُجّهت اتهامات واسعة – استنادًا إلى تقارير صحفية واستخباراتية ومصادر أممية غير رسمية بتقديم دعم لوجستي وعسكري لقوات الدعم السريع خلال النزاع الذي اندلع في أبريل 2023 . هذه المعطيات تثير إشكاليات جدية تتعلق بمبدأ عدم التدخل واستخدام القوة بالوكالة .
وفي الصومال، أدى إنشاء وجود عسكري إماراتي في بربرة (أرض الصومال) وبوصاصو (بونتلاند) دون موافقة الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلى أزمة دبلوماسية حادة وتعليق التعاون العسكري عام 2018، ما أعاد إلى الواجهة مسألة احترام السيادة المركزية للدولة الصومالية وكان آخرها البيان الصادر الحكومة الفيدرالية الصومالية بتاريخ 8 يناير 2026 عن التقارير التي تشير إلى تهريب الإمارات لشخصية سياسية يمنية مطلوبة للعدالة .
أما في القرن الإفريقي، فقد أسهمت التحالفات الإقليمية في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، مع ما لذلك من انعكاسات محتملة على الأمن العربي، وهو توصيف سياسي–استراتيجي لا يُعد حكمًا قانونيًا بحد ذاته، لكنه يشكّل جزءًا من السياق العام لتداعيات استخدام القوة خارج الأطر الجماعية.
الدفاع عن النفس والسيناريو الافتراضي
تُفضي هذه الوقائع إلى سيناريو قانوني افتراضي لكنه واقعي: ماذا لو قررت دولة تعرضت لتدخل مسلح الرد عسكريًا ممارسةً لحقها في الدفاع عن النفس؟
تنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على أن للدول حقًا طبيعيًا في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع هجوم مسلح، شريطة توافر شروط الضرورة والتناسب والفورية، وإبلاغ مجلس الأمن، وأن يظل هذا الحق مؤقتًا إلى حين اتخاذ المجلس التدابير اللازمة.
وفي هذا السياق، يعرّف قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974 العدوان بأنه استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، ويشمل ذلك دعم أو إرسال جماعات مسلحة غير نظامية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا الفهم في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986).
موقف مجلس التعاون: بين التفسير الحرفي والتأويل الشرطي
أمام هذا السيناريو، يبرز مساران لتفسير اتفاقيات الدفاع المشترك:
المسار الأول: التفسير الحرفي
ويفترض أن أي عمل عسكري يستهدف دولة عضو يُلزم بقية الدول بالدفاع عنها تلقائيًا، بغض النظر عن السياق أو مسؤولية تلك الدولة عن نشوء النزاع. غير أن هذا التفسير يفضي عمليًا إلى حماية سلوكيات تتعارض مع قواعد Jus ad Bellum، ويقوّض الشرعية الأخلاقية والسياسية للمجلس.
المسار الثاني: التأويل الشرطي
وهو التأويل الأقرب للمنطق القانوني، إذ يربط تفعيل الدفاع المشترك بالتزام الدولة العضو بالمبادئ التأسيسية للنظام الخليجي والقانون الدولي. ويستند هذا المسار إلى المادة (60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، التي تجيز في حال الانتهاك الجوهري لمعاهدة جماعية تعليق العمل بها جزئيًا أو كليًا تجاه الدولة المخلة، بقرار جماعي من الأطراف الأخرى.
الخلاصة القانونية
إن اتفاقيات الدفاع المشترك الخليجية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن قواعد Jus ad Bellum ومبادئ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية. والدولة التي يثبت تورطها في انتهاكات جوهرية لهذه القواعد لا تملك، من الناحية القانونية، حق المطالبة بحماية جماعية تستند إلى نظام قانوني هي نفسها تُقوّض أسسه.
وعليه، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ليست ملزمة قانونيًا بالدفاع عن دولة عضو في حال ثبوت انتهاكها الجوهري لمبادئ القانون الدولي المنظِّمة لاستخدام القوة المسلحة، بل إن القيام بذلك قد يعرّضها لمسؤولية دولية ويقوّض مصداقية المجلس بوصفه إطارًا للأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي.
نحو إصلاح بنيوي للنظام القانوني الخليجي
تكشف هذه الإشكالية أن الأزمة لا تكمن فقط في سلوك دولة بعينها، بل في هشاشة الإطار المؤسسي الذي ينظّم الأمن الجماعي الخليجي. فغياب آليات قانونية ملزمة لتفسير الاتفاقيات أو مساءلة الدول الأعضاء يترك النظام القانوني الخليجي عرضة للتسييس والانتقائية، ويقوّض قدرته على العمل كمنظومة أمن جماعي حقيقية.
ويستدعي ذلك إصلاحًا بنيويًا يشمل، أولًا، إنشاء محكمة خليجية مستقلة وملزمة تكون مختصة بتفسير النظام الأساسي واتفاقيات الدفاع المشترك، والفصل في النزاعات القانونية بين الدول الأعضاء. وثانيًا، تعديل اتفاقيات الدفاع المشترك بإدراج آلية صريحة لتعليق الالتزامات الجماعية في حال ثبوت انتهاك جوهري من قبل دولة عضو لمبادئ القانون الدولي أو النظام التأسيسي للمجلس، على أن يتم ذلك بقرار جماعي مؤسسي لا بتقديرات سياسية ظرفية. وثالثًا، بناء إجماع سياسي–قانوني على معايير موضوعية ومحددة لتعريف “الانتهاك الجوهري”، بما يمنع التلاعب بالمفاهيم أو استخدامها انتقائيًا لخدمة توازنات مؤقتة.
وبدون هذا الإصلاح البنيوي، سيظل النظام القانوني الخليجي عاجزًا عن ضبط سلوك أعضائه، ومعرّضًا لفقدان مصداقيته كإطار منظم للأمن الجماعي، لا بوصفه ضمانة للاستقرار، بل كأداة تُدار وفق موازين القوة لا وفق حكم القانون .













































