اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
نشأنا على أيقونات، وكبرنا على مسلمات؛ كنا نظن أن الدنيا صندوق مغلق له غطاء محكم، وأن ما تعلمناه في الكتاب المدرسي وعلى ركبة الأم هو كل شيء، هو الحقيقة التي لا شك فيها ولا مراء. كنا نعتقد أن الأبيض أبيض إلى الأبد، وأن الأسود أسود إلى الأبد، وأن الطريق مرسوم منذ البداية.. لكن الحياة يا سادة، هذه المعلمة القاسية، كانت لها آراء أخرى.
تعرفت في صباي على رجل بسيط كان يعتقد أن الأرض مسطحة، كان يحلف بالله العظيم أنها لا تدور، وكان يرى أن كل من يقول غير ذلك كافر أو مأجور. مات هذا الرجل على هذا اليقين، ولم ير ما رأيته أنا بعد ذلك من صور الأقمار الصناعية التي تظهر الأرض كروية مثل البلورة تسبح في الفضاء. لقد ذهب إلى قبره وهو يظن نفسه على حق، وكان ضحية حقيقية ليقينه الأول. أليس هذا هو حال كثير منا؟.
الإنسان في طفولته يشبه الإسفنجة، يمتص كل ما حوله بلا تمييز. يكبر وهو يحمل أفكار أبيه وأمه ومعلمه والشارع والكتيب الصغير الذي قرأه في العاشرة. يحمل كل هذا العبء الثقيل وكأنه حقيقة مطلقة. لكن الحقيقة المطلقة ليست من نصيب البشر. الحقيقة المطلقة وحدها لله. أما نحن فنسير في طريق المعرفة خطوة خطوة، كل خطوة تصحح التي قبلها.
تأملوا معي هذا التناقض العجيب، نقرأ في كتب التفسير أن الصحابة كانوا يراجعون أنفسهم، وكان الواحد منهم يتمنى لو لم يقل كذا، ولو كان رأيه كذا. كانوا لا يتوقفون عن المراجعة والمحاسبة. ثم نأتي نحن بعد أربعة عشر قرناً، ونرفض أن نراجع فكرة واحدة، وكأننا نملك الحقيقة وحدنا دون سوانا. من هو الأقرب إلى روح الإسلام إذن؟ أولئك الذين كانوا يراجعون، أم هؤلاء الذين يتوقفون؟.
لقد اكتشفت في رحلاتي وتجاربي أن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل البسيط الذي يعترف الإنسان فيه بأنه لا يعرف، بل الجهل المركب الذي يظن فيه صاحبه أنه يعرف. هذا هو الجهل الحقيقي. هذا هو اليقين الكاذب. هذا هو الذي يجعل الإنسان يعيش في كهف مظلم ويظن أن كل ما في الدنيا هو هذا الكهف.
قرأت مرة عن عالم فيزياء كبير كان مقتنعاً بأن الذرة هي أصغر جزء في المادة، وأنه لا شيء أصغر منها. ثم جاء من بعده من اكتشف النواة والإلكترونات والبروتونات، ثم النيوتورونات والكواركات.. وهكذا دواليك. كل يقين كان ينهار أمام يقين جديد. وهكذا هي المعرفة البشرية، جسر هش فوق نهر متدفق من الأسئلة.
المشكلة أننا نخلط بين الثوابت والمتغيرات. هناك حقاً ثوابت لا تتغير، ثوابت دينية وأخلاقية كبرى لا تقبل المساومة. لكن المساحة الأكبر من حياتنا هي متغيرات، هي آراء بشرية، هي تفسيرات، هي مواقف ظرفية، هي عادات وتقاليد نشأت في زمن معين لظروف معينة. وعندما نخلط بين هذا وذاك، نقدس المتغيرات ونحولها إلى ثوابت، عندها نعيش في وهم كبير.
أذكر أنني في بدايات حياتي كنت أظن أن العلم والروح ضدان لا يلتقيان، كنت أعتقد أن من يقرأ في الفيزياء والكيمياء لا بد أن يكون مادياً، ومن يتأمل في الوجود والروح لا بد أن يكون معادياً للعلم. ثم اكتشفت بعد طول بحث وتفكير أن العلم الحقيقي يقود إلى الله، وأن التأمل الحقيقي في خلق السموات والأرض يزيد الإنسان إيماناً وعقيدة. كنت أحتاج إلى كل هذه السنين لأكتشف أن التناقض كان في رأسي أنا، وليس في الأشياء.
لهذا أحب دائماً أن أذكر نفسي وإياكم بأن نترك في عقولنا مساحة للشك الصحي، الشك الذي يدفع إلى البحث، وليس الشك الذي يدفع إلى الهدم. الشك الذي يحرك الماء الراكد، وليس الشك الذي يجفف الينابيع. نحن لسنا معصومين، والعصمة وحدها لله ورسوله.
وما عدنا ذلك، فنحن بشر نخطئ ونصيب، نتقدم ونتراجع، نتيقن ثم نشك ثم نتيقن من جديد.
هذه الدنيا التي نعيشها، ما هي إلا محطة صغيرة في رحلة الخلود. وكل ما نملكه فيها هو عقول نستخدمها، وقلوب نتأمل بها. فلماذا نحجر على هذه العقول؟ لماذا نغلق أمامها أبواب المراجعة والتجديد؟ لماذا نخاف من السؤال؟.
في سيرة الإمام الشافعي رحمه الله، أنه كان يقول: 'ما ناظرت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الحق على لسانه'. تأملوا هذه العظمة.. هذا التواضع.. هذا اليقين الذي لا يتكبر، هذه الثقة التي لا تتجبر. إنه يعلم أن الحق أكبر من شخصه، وأنه قد يكون مخطئاً وقد يكون مصيباً.
وهكذا ينبغي أن نكون. نبحث عن الحق كأننا نفقده، لا كأننا نملكه. نتقدم إلى المعرفة بخوف ورجاء، بخوف أن نكون مخطئين، ورجاء أن نجد طريقاً أقرب إلى الصواب. وعندها فقط نكون بشراً حقاً، نعيش ونتعلم ونتطور، ولا نموت على وهم كنا نسميه يقيناً.
في النهاية، أتذكر كلمات الحكيم الذي سئل كيف تعرف الحقيقة؟ فقال: 'حين أكون مستعداً للتخلي عن كل ما أعرف'. نعم، الاستعداد للتخلي عن اليقين القديم هو بداية اليقين الجديد. الاستعداد للشك في المسلمات هو بداية المعرفة الحقيقية. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.


































