اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
غلب الطابع الإرشادي المدرسي على عديد من المشاهد ومسلسلات النصف الأول شهدت نهايات أخلاقية متطابقة
المهتمون بالدراما سواء من المتخصصين أو حتى المشاهدين الأكثر إخلاصاً لهذا الفن، يعتبرون الموسم الرمضاني المصري في المسلسلات هذا العام كان متوسطاً في أفضل تقدير، وتنوّعت أسباب الانتقادات وعدم الرضا ما بين التقليدية والنمطية في استعراض القصص، وكذلك المباشرة في سرد وجهة النظر، وأيضاً الطريقة المدرسية في تناول القضايا والأزمات الشائكة، إضافة إلى أسباب أخرى مثل مستويات التمثيل والإخراج والسيناريو، حتى الأعمال التي فلتت وحظيت بإشادة كبيرة لم تخل من بعض الهنات، لا سيما في الحلقات الختامية.
ملاحظات كثيرة يمكن تفنيدها في أعمال هذا الموسم الذي جاء دون المتوقع مقارنة بموسم دراما رمضان 2025 في مصر، الذي كانت غالبية أعماله عالية الجودة، وعلى مستوى فني رفيع، وحتى على مستوى الجرأة في طرح الأفكار والقضايا، إذ تعاطف الجمهور مع الشخصيات وتماهى معها، وحتى الشخصيات السلبية جاءت نهاياتها منطقية ومن دون مغالاة في العقاب، وأيضاً من دون أن يصدر أي تشجيع على سلوكياتها المرفوضة، فالانتصار لحساسية الفن كان الهدف الغالب.
والحقيقة، أن المتابع لمسلسلات الموسم الجاري سوف يجد أن هناك شيئاً عاماً مربكاً، قد يكون من الصعب تسميته أو الإمساك به، لكن آثاره تظهر واضحة في كثير من السمات، أبرزها على سبيل المثال أن قاعات المحاكم وأقسام الشرطة كانت قاسماً مشتركاً في غالبية الأعمال التي انتهت في منتصف رمضان، وأن هناك توجهاً إرشادياً ومدرسياً يغلف الدراما حتى لو حاول البعض الفكاك منه، لكنه بلا شك أفسد كثيراً من التجارب الواعدة.
اللافت أنه على رغم قوة الموسم الدرامي وتنوّعه في رمضان الماضي، فإن هناك استياءً واضحاً جرى التعبير عنه بأكثر من طريقة وتبنته عدة جهات رسمية، وتمثلت ردود الفعل عليه بتشكيل عدة لجان درامية لوضع خطط 'إصلاحية'، لا سيما بعد الاتهامات التي وُجهت إلى بعض المسلسلات بأنها تشجّع على العنف والبلطجة والخروج عن القانون، وتظهر الشارع المصري بصورة سلبية، من دون تركيز على الجوانب المشرقة، وهو الجدل الذي استمر أسابيع طويلة.
وعلى رغم أن عمل اللجان المتنوعة اقتصر على المتابعة، ومن ثم إصدار تقارير بعضها يحمل إشادات واضحة في ما يخص التجارب التي تراها اللجان 'إيجابية' وعلى العكس توبيخ وتوجيه لوم بسبب مشاهد التدخين أو العنف أو غيره، فإن الجدل الأكبر جاء في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بتسريب بنود قيل إنها توجيهات مباشرة لصناع دراما رمضان تتعلق بضرورة إظهار دور المؤسسات الرسمية في محاربة الفساد وعدم التركيز على مشاهد المخدرات وتجارة الأعضاء. وكذلك إظهار النساء بصورة إيجابية، وأيضاً الحذر خلال تناول القضايا الأسرية وغيرها، وهي القائمة التي نفيت جملة وتفصيلاً ظاهرياً من جانب المعنيين أكثر من مرة، وذلك بعد أن أبدى المبدعون صدمتهم منها وبعضهم هدد بالإضراب الفني في حال صحتها مثل الكاتبة مريم نعوم.
هذه الخلفية كان لا بد من التذكير بها، لأن عدداً لا بأس به من العاملين بالحقل الفني، ومن لهم أعمال في دراما رمضان 2026 ألمحوا إلى أن بعض ما هو متداول ليس بعيداً من الواقع على رغم الدأب على النفي، كذلك استعاد البعض تلك البنود في ظل توالي الإشادات من جانب المؤسسات الرسمية، وإن كانت بعيدة من مجال الثقافة والفن التي تشيد بالأعمال الفنية بناءً على معاييرها هي وبينها صندوق مكافحة الإدمان الذي أشاد بأعمال مثل 'فخر الدلتا' و'المداح' و'كان يا ما كان' و'رأس الأفعى' بسبب خلوها من مشاهد المخدرات، بينما وضع أعمالاً أخرى في القائمة السوداء. معتبراً أنها تروج لهذا السلوك لمجرد أن هناك ضرورة درامية لتلك اللقطات، وبينها 'هي كيميا' على سبيل المثال الذي كانت تدور أحداثه حول الاتجار بالممنوعات من الأساس، بينما انتقد المجلس القومي للمرأة إظهار النساء في بعض الأعمال بطريقة غير لائقة وبملابس خادشة للحياء وفقاً للتقرير الرسمي حول دراما رمضان 2026.
فيما أشادت لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى للإعلام بالجوانب التوعوية في الدراما، التي تحث الجمهور على اللجوء إلى الجهات المعنية في حال مواجهتهم مشكلة ما مثل التنويه بأرقام مؤسسات بارزة مثل المجلس القومي للمرأة وهيئة الدواء، وهي التعليقات التي أثارت جدلاً وقلقاً، ربما لأن العناوين الرئيسة بها تركز على الجانب الإرشادي التهذيبي في الدراما لا الفني.
من جهته، يؤكد الناقد الفني طارق الشناوي أن ظهور غالبية الأعمال بنهج توعوي يعكس توجهاً واضحاً بلا شك ولا لبس، لافتاً إلى أن هذا الأمر جاء نتيجة للتأنيب الذي حدث للقائمين على الدراما في رمضان الماضي، نظراً إلى عدم توجيههم النصح والإرشاد والتحذير من الأخطاء بشكل مباشر، أو إظهار الوجه الإيجابي لنماذج مختلفة بالمجتمع.
ويلفت الشناوي إلى أنه جرت ترجمة هذا العتب بطريقة تحمل إسرافاً، مضيفاً 'هناك بالطبع مبالغة في تنفيذ التعليمات، فحتى لو كانت هناك توجيهات واضحة فإن رد الفعل يأتي بجرعة زائدة دوماً مما يقلل من قيمة الدراما بشكل واضح، ويجعل كل مبدع يتعرّض لشخصية سلبية في عمله حريص بشدة أثناء العمل عليها، خوفاً من أن يتهم بالترويج لمظاهر غير مقبولة فيجد نفسه بوعي أو من دون وعي يحاكم شخصياته أخلاقياً'.
ويضيف الشناوي، 'الحقيقة أن الدراما تحاكم إبداعياً وفنياً لا أخلاقياً، وللأسف أصبح هناك صوت قوي يطالب بمحاكمة أخلاقية ودينية للدراما، والصناع سواء لا شعورياً أو رغبة منهم في غلق الباب أمام أي جدالات، تدريجياً أصبحوا يميلون إلى تقديم عقاب رادع ومباشر للمذنب على رغم أنه في واقع الحياة هناك جرائم كثيرة لا يتم فيها توجيه أي عقاب للمذنبين، فكثيرون أفلتوا، لكننا بتنا نجد الدراما تلعب دوراً ليس منوطاً بها، فتزداد جرعة الرسائل المباشرة، على رغم أن التوجيهات قد تكون قد طلبت فقط صوتاً هامساً بلا نبرة عالية، لكن البعض يزايد ويختار الصوت الصاخب ليبعث برسالة مفادها أن التعليمات وصلت وجاري التنفيذ على قدم وساق'.
ما يقوله الناقد طارق الشناوي بناءً على مصادره المطلعة يشير بشكل أو بآخر إلى أن ما حدث أدى لخنق الخيال الإبداعي، وأن فكرة الدراما الأستاذية التي تقول للمشاهد بشكل مباشر ما يصح وما لا يصح عادت بقوة حتى من قبل بداية الموسم الدرامي، إذ ظهرت تلك التوجيهات التعليمية في شكل نصائح مباشرة وحوارات خطابية في مسلسلات سبقت هذا الموسم من بينها 'ميدتيرم ـ بيت بابا ـ لعبة وقلبت بجد'.
بينما سيطرت الطريقة نفسها على عدد لا بأس به من المشاهد في مسلسلات رمضان هذه السنة، وبدا الأمر شديد الوضوح في نهايات مسلسلات النصف الرمضاني الأول، فيما بدا وكأنه مصادفة غير مستحبة درامياً، فكان العقاب المباشر تماماً حاضراً في معظم المشروعات. بحيث جرى القبض على كبار تجار المخدرات في مسلسل 'مناعة'، وسلّمت البطلة نفسها للشرطة معلنة توبتها، والأمر نفسه حدث في مسلسل 'هي كيميا'، إذ وقعت عصابة المخدرات في قبضة رجال الأمن، وعلى رغم الإشادات التي حظى بها مسلسل 'عين سحرية' كواحد من الأعمال الأكثر اختلافاً هذا الموسم، لكن أيضاً حملت حلقته الختامية نهاية تقليدية بالقبض على الأشرار، وتوقيف تجار الأدوية المغشوشة، أيضاً جرى الإبلاغ عن العصابة في مسلسل 'حد أقصى'،
كذلك حققت المحكمة العدالة في مسلسل 'الست موناليزا'، وحتى مسلسل اجتماعي عاطفي مثل 'كان يا ما كان' للمحكمة الكلمة الفصل في حلقته الأخيرة التي حملت مع ذلك نهاية مفتوحة، إذ وقفت الابنة المراهقة لتختار بين أبويها في محكمة الأسرة، وكأن كل الحلول الدرامية تنتهي في أروقة المحاكم، وهو أمر بدا وكأنه استسهال، وكان يمكن التغاضي عنه بابتكار نهايات تحقق العدالة المجتمعية، لكن من دون أن تبدو وكأنها نسخ مكررة من بعضها بعضاً على رغم اختلاف القصص.
وفقاً لعدد من العاملين في فرق الإنتاج والكتابة في مسلسلات رمضان 2025 فإنهم تلقوا مناشدات شفهية وودية غير مكتوبة أو موزعة رسمياً بضرورة الابتعاد عن بعض المحاذير، وكذلك توخي الدقة في تناول بعض المهن، وأن لا تعرض الشخصيات الشريرة من دون أن يقابلها أخرى خيرية، مع الالتزام بإظهار عواقب الخروج عن القانون، لافتين إلى أنه جرت إعادة كتابة عدد من المشاريع أكثر من مرة، بسبب ملاحظات من تلك النوعية، وهو أمر كاد يوقف بعض الأعمال، وفي النهاية جرى التوافق، إذ يرى المنخرطون في هذا المجال أن هذه الطريقة بلا شك أثرت في بعض الأعمال، إذ لم يكن هناك وقت للتجويد أكثر من ذلك.


































