اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية بعيدة عن الواقع اليومي، بل أصبح تهديدا صحيا مباشرا يتجلى في تفشي الأمراض الفتاكة بوتيرة متسارعة.
وفي تحذير علمي جديد، كشف باحثون أن الظواهر الجوية المتطرفة تسهم بشكل كبير في توسيع نطاق انتشار الأمراض، وجعلها أكثر شراسة وامتدادا إلى مناطق لم تعرفها من قبل.
في دراسة دولية حديثة، تتبع العلماء العلاقة بين الارتفاع غير المسبوق في حالات الإصابة بحمى الضنك في بيرو عام 2023، وإعصار ضرب البلاد خلال الفترة ذاتها وأظهرت النتائج أن مناطق كانت تُعرف بجفافها شهدت زيادة هائلة في الإصابات، تجاوزت عشرة أضعاف المعدلات الطبيعية.
وتبين أن الأمطار الغزيرة وارتفاع درجات الحرارة المصاحبين للعاصفة لعبا دورًا محوريًا في هذا التفشي، حيث ارتبط نحو 60% من الحالات بالظروف المناخية القاسية، بما يعادل قرابة 22 ألف إصابة إضافية.
أكدت الباحثة مالوري هاريس أن التأثيرات الصحية لتغير المناخ لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل واقع ملموس يحدث الآن.
وتشير هذه النتائج إلى أن الكوارث الطبيعية لا تقتصر أضرارها على الدمار المباشر، بل تمتد لتغذية أزمات صحية معقدة.
تعد حمى الضنك من الأمراض الفيروسية التي ينقلها البعوض، وتؤثر سنويا على ملايين الأشخاص حول العالم.
وتتراوح أعراضها بين الحمى والطفح الجلدي، وقد تتطور إلى مضاعفات خطيرة مثل النزيف والصدمة.
ومنذ عام 2000، ارتفعت معدلات الإصابة بهذا المرض أكثر من عشرة أضعاف، وبدأ يظهر في مناطق لم يكن موجودا فيها سابقا، بما في ذلك أجزاء من الولايات المتحدة، في مؤشر واضح على تغير خريطة الأمراض عالميا.
أوضح العلماء أن الظواهر المناخية الحادة، مثل الأمطار الغزيرة وارتفاع درجات الحرارة، تخلق ظروفا مثالية لتكاثر البعوض الناقل للمرض، خاصة بعوض الزاعجة المصرية والبعوضة المنقطة بالأبيض.
فالحرارة المرتفعة تُسرع دورة حياة البعوض، وتزيد من فرص انتقال العدوى، بينما تؤدي الأمطار إلى توفير بيئات مائية راكدة تُعد مثالية لتكاثره، ما يعزز انتشار المرض بشكل واسع في المناطق الدافئة.
وصفت الدكتورة إيرين موردخاي هذه الدراسة بأنها خطوة غير مسبوقة، حيث نجح العلماء لأول مرة في قياس التأثير المباشر لتغير المناخ على انتشار حمى الضنك، وربطه بحدث مناخي محدد.
تشير تحليلات مناخية إلى أن احتمالية هطول الأمطار الغزيرة في شمال غرب بيرو ارتفعت بنسبة 31% مقارنة بما قبل الثورة الصناعية، كما تضاعفت فرص حدوث مثل هذه الظواهر تقريبًا نتيجة النشاط البشري الذي يرفع درجات حرارة الأرض.
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على المناطق الاستوائية، إذ تحذر دراسات حديثة من أن ارتفاع درجات الحرارة قد يجعل أوروبا بيئة مناسبة لانتشار بعوضة النمر الآسيوية، الناقلة لحمى الضنك.
ومن المتوقع أن تشهد مدن كبرى مثل لندن وفيينا وستراسبورغ وفرانكفورت حالات تفشٍ محتملة خلال السنوات المقبلة، في ظل تسارع انتشار البعوض شمالًا داخل القارة.
رصد العلماء تسارعا ملحوظا في انتشار البعوض داخل فرنسا، حيث ارتفع معدل توسعه من نحو 6 كيلومترات سنويا في 2006 إلى 20 كيلومترا سنويا بحلول 2024، ما يعزز احتمالات وصوله إلى مناطق جديدة، بينها بريطانيا، خلال العقود القادمة.
في ضوء هذه المعطيات، يشدد العلماء على ضرورة التحرك السريع لمواجهة الأمراض التي ينقلها البعوض، خاصة مع تزايد الظواهر الجوية المتطرفة.
ويؤكدون أن حماية المجتمعات الأكثر عرضة للخطر تتطلب استراتيجيات عاجلة تجمع بين مواجهة تغير المناخ وتعزيز الأنظمة الصحية.
تتداخل أزمات المناخ والصحة بشكل غير مسبوق، ما يجعل العالم أمام تحدي مركب يتطلب استجابة فورية فمع كل ارتفاع في درجات الحرارة أو زيادة في شدة العواصف، تتسع رقعة الأمراض، ليصبح تغير المناخ أحد أخطر العوامل التي تهدد صحة الإنسان في القرن الحادي والعشرين.


































