اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
النار تقضي على حوالى 4 آلاف هكتار وتختبر جاهزية الدولة
تشكل الغابات في تونس نحو 1.2 مليون هكتار، وهو ما يمثل نحو 8.5 في المئة من المساحة الإجمالية للبلاد، وتحوي رصيداً ثرياً ومتنوعاً من الأشجار والنباتات المحلية، التي تعتبر موطناً لكثير من الحيوانات والطيور والنباتات النادرة، وبفعل التغيرات المناخية، تواجه غابات تونس اليوم جملة من التحديات، بينها التوسع العمراني والاعتداءات البشرية والحرائق التي تلتهم سنوياً آلاف الهكتارات.
وتتقاسم دول شمال وجنوب المتوسط أعباء التغيرات المناخية ومظاهرها المتطرفة، حيث تجاوزت المساحات المحترقة من الغابات هذا العام 70 ألف هكتار في فرنسا، و130 ألف هكتار في إسبانيا، بينما تجاوزت الخسائر في تونس بين مايو (أيار) الماضي ويوليو (تموز) الجاري حوالى 4400 هكتار، في مقابل 2705 هكتار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويستدعي استمرار الحرائق وامتدادها إلى مساحات شاسعة كل عام، ضرورة التخطيط الجيد وتوفير الإمكانات اللوجستية، والموارد البشرية الضرورية، لمواجهتها، فلماذا تخسر تونس سنوياً آلاف الهكتارات من الغابات؟ وهل تجري إعادة تشجير تلك المساحات المحترقة؟ ولماذا لم تغير البلاد من إستراتيجيتها في مواجهة الحرائق؟
مع بداية كل صيف، تعود صور حرائق الغابات، ونفوق عدد من الحيوانات، لتدمي قلوب التونسيين، بخاصة من قاطني مناطق الغابات الأكثر هشاشة، والبالغ عددهم نحو مليون نسمة، إذ تمثل الحرائق كابوساً يهدد ممتلكاتهم ومنازلهم، فيما تمثل الغابات مصدر رزقهم الوحيد، وتستنزف جهود فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات، ويعتبر العامل البشري الفاعل الأساس لاندلاع الحرائق، وهو ما يستدعي مزيداً من التوعية واليقظة، وتشديد العقوبات على مفتعلي الحرائق بصورة متعمدة.
وعلى رغم جهود وحدات الحماية المدنية، وأعوان الغابات على مدار الساعة، فإن الدولة مدعوة إلى مزيد الاستثمار في هذا القطاع، من خلال توفير الموازنات والآليات والمعدات الضرورية، ويشار في هذا السياق إلى تقلص الإمكانات البشرية الموضوعة على ذمة 'الإدارة العامة للغابات' بصورة لافتة، إذ تراجعت من 800 عون عام 2000 إلى 260 حالياً.
يرى أستاذ التصرف في الموارد بالجامعة التونسية، حسين الرحيلي، أنه لا بد من 'ضرورة مزيد الاستثمار في القطاع الغابي، باعتباره ثروة وطنية، ومنظومة بيئية إيكولوجية، وإرساء برنامج للتكيف مع التغيرات المناخية، حتى لا نخسر مزيداً من الغابات، من خلال تعهد الأحراش القابلة للاشتعال، والمحاذية للطرقات، وصيانة المسالك الفاصلة بينها للحد من انتشار الحرائق'، لافتاً إلى أن 'البلاد لم تستوعب بعد وجود تحولات مناخية، ولذلك هي تتعامل مع الحرائق بطريقة كلاسيكية'، ومشدداً على أن 'التغيرات المناخية المتطرفة في تونس أسهمت في اتساع رقعة الحرائق'.
وفي تصريح إلى 'اندبندنت عربية'، دعا الرحيلي إلى 'وضع قطاع الغابات ضمن الأولويات عند برمجة الموازنات، ورسم السياسات العامة في البلاد، من خلال توفير الإمكانات اللوجستية لمجابهة الحرائق، مثل الطائرات المتطورة التي يمكن توفيرها في إطار التعاون الدولي'.
من جهته، أوضح 'المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية' في بيان، وجود 'خلل هيكلي مزمن في منظومة الوقاية والاستباق، وإدارة الأخطار البيئية، أبرزها نقص عدد حراس الغابات، وضعف آليات المراقبة، والإنذار الباكر، وصيانة المسالك الغابية وخطوط قطع النار في الغابات'، وطالب بـ 'تعزيز قدرات الهياكل المتدخلة في مجال حماية الغابات ومواجهة الكوارث الطبيعية، ورصد الإمكانات البشرية والمادية، والتقنيات الحديثة اللازمة، لأداء مهماتهم'، مؤكداً 'ضرورة تعويض كل من طاولت الحرائق مسكنه أو مورد رزقه'، وداعياً سلطة الإشراف إلى 'تعزيز البعد التخطيطي والاستباقي ضمن الإستراتيجية الوطنية، للوقاية من حرائق الغابات بما يدعم جاهزيتها للتكيف مع التغيرات المناخية'.
في المقابل، لا ينكر المهندس البيئي والمتخصص في المناخ، حمدي حشاد، وجود إستراتيجية في مجال مجابهة الحرائق، لكنه يرى أنها 'غير كافية'، داعياً إلى أن 'يصبح التشجير وصيانة الغطاء النباتي عقيدة سياسية'.
ويؤكد حشاد أن 'المجهودات التي تقوم بها الحماية المدنية، وحراس الغابات، والجيش، مشتتة على رغم أهميتها وفاعليتها'، مشدداً على 'أهمية استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة، للسيطرة على الحرائق في وقت وجيز'.
ويخلص حشاد إلى أن 'الغطاء الغابي في تونس كان يمثل قبل عام 2011 نحو 11 في المئة من مساحة البلاد، وانخفض اليوم ليصل إلى 8.5 في المئة، وأن تونس كانت تزرع 4 آلاف هكتار من الأشجار سنوياً قبل عام 2011، بينما تراجع هذا الرقم اليوم إلى نحو 1000 هكتار سنوياً'.
يذكر أن المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة، محمد نوفل بن حاحا، أكد في تصريحات إعلامية أن 'تونس فقدت نحو 70 ألف هكتار من الغابات بسبب الحرائق منذ عام 2011'، لافتاً إلى أن 'جزءاً من المساحات المتضررة يتجدد بصورة طبيعية، باعتبار قابلية عدد من أصناف الأشجار والنباتات للتجدد، في حين يتطلب جزء آخر تدخلاً بشرياً، من خلال حملات التشجير بمجهودات الإدارة، أو مكونات المجتمع المدني'.
وأضاف حاحا أن 'الإدارة العامة للغابات تمكنت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من تشجير 10 آلاف هكتار من المساحات المتضررة، فيما تم تشجير نحو 5 آلاف هكتار من قبل مكونات المجتمع المدني'، مشيراً إلى أن 'النية تتجه نحو الاستعانة بالمؤسسات الصغرى والناشئة، لتوفير الطائرات من دون طيار للمساعدة في رصد الحرائق والسيطرة عليها'.
ولا تقتصر انعكاسات حرائق الغابات على البعد البيئي، على رغم أهميته، بل تمتد لتشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي ساكني الغابات، نظراً إلى ما تدر عليهم من ثروات وعائدات مادية، إذ تؤمن 14 في المئة من الناتج المحلي الفلاحي، و1.4 في المئة من الناتج المحلي الوطني، بينما يتطلب تجديد كساء الغابات خمسة أعوام، بعد أن خضوع المنطقة التي طاولتها النيران إلى بروتوكولات خاصة.

























