اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٢ نيسان ٢٠٢٦
إنطلقت المقاومة، وانفجر بركان تعز في وجه الغزاة الظالمين الطائفيين والمناطقيين والحاقدين، الذين جيشوا لتعز مختلف قواتهم وأسلحتهم الثقيلة، حتى خصصوا لجبهة تعز حوالي ثلثي عدد وعتاد الجيش المنهوب.
ولأنها تعز التي يخشون تصديها لمشروعهم الطائفي والمناطقي لم يكتفوا بما عندهم من الألوية عدداً وعدة حتى عززوا جبهتهم بالعناصر العقائدية الحوثية التي تدربت في الضاحية الجنوبية وفي إيران وفي العراق، وكانوا يطلقون على كتائبهم تلك: كتائب الموت، في محاولة منهم لبث الرعب في جبهات المقاومة وفت عضدهم، لكن هيهات هيهات؛ فقد كان (المُحَشِّرون) لهم بالمرصاد، والحفاة كسروا عنجهيتهم في كل حي من أحياء تعز.
تم حصر أكثر من 14 لواءً عسكرياً للمليشيا الانقلابية وأنصار صالح وهو يحاصرون تعز من كل اتجاه، بإمكانات كبيرة وأموال ومصاريف كثيرة، ومع كل ذلك يداومون على الاستنفار في أوساط القبائل ويحرضونها على النزول لـ'الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل' في تعز!
قنصوا النساء والأطفال، ولا يزالون يتلذذون بقنصهم إلى اليوم، وفجروا المنازل والمساجد، ونهبوا كل ما تقع أيديهم عليه من بيوت المواطنين، وقصفوا بالصواريخ والدبابات والمدافع ودكوا المدينة ودمروها أكثر من أية محافظة ومدينة أخرى، وفخخوا حتى البيوت والأحياء السكنية ومداخل الحارات بألغام مموهة لا يمكن معرفتها للفتك بالمواطنين قبل المقاومين، وحرموا المواطنين الماء والغذاء والدواء وحتى الأوكسجين، وشردوا السكان، وفي نهاية المطاف ضربوا حصاراً خانقاً على المدينة من كل اتجاه استمر كأطول حصار لمدينة وحرب يمنية في التاريخ!
لم تكن ظروف ولا إمكانيات المقاومين على ما يرام، أو نزهة وترفاً كما قد يتصور البعض؛ فقد كانت ظروفهم غاية في الصعوبة، وإمكانياتهم ضئيلة ومحدودة للغاية.
مما نتذكره جيداً أن شباباً كثر أرادوا الالتحاق بالمقاومة وكانوا لا يملكون أبسط الإمكانات، ولا حتى بندقية واحدة ولا عادية، وكان الخمسة منهم يتناوبون على بندقية في أحسن الأحوال، وكان الكثير من الشباب المستبسل يصاب بالحسرة أن لا إمكانية تحملهم على المشاركة، وهنا كنت أتذكر دائماً قول الله تعالى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ}التوبة92، حتى لكأن الآية نزلت تصور حالهم تلك وليست قبل ألف وأربعمائة عام!
صور كثيرة لا يمكن الإلمام بها تصور حالات المقاومين الشباب؛ من عدم امتلاك السلاح والذخيرة، وعدم توفر الطعام والشراب في أشد الأوقات حرجاً كحال ذلك الشاب الطالب المقاوم الذي ذهب إلى إحدى البوافي يطلب سندوتشاً على استحياء ديناً إلى أن يتم التسديد، ويتحدث إلى صاحب البوفية أنه لم يذق طعاماً من اليوم الأول!
ومما نتذكره أيضاً صورة من صور تلك المعاناة التي عايشتها شخصياً، وليس ما يروى من مواطن نادرة كثيرة ودون حصر، أننا شكلنا في موقف من المواقف أن مجموعة مقاومة، ولم يكن معنا أسلحة، فذهبنا نستلف من بعض المعاريف بنادقهم وبعض الذخيرة المخزنة لديهم، وبعد موقف واحد ضيقوا علينا في الطلب لاسترداد بنادقهم وذخيرتهم، وفي تلك الأثناء والحال كان بعضنا معه بندقية والبعض الآخر بدون، وتم توزيع عشرين طلقة لكل شخص وطلب منا تنفيذ بعض العمليات في إحدى الجبهات خارج المدينة وكانت الاستعدادات لم تكتمل بعد!
بحكم معرفتي العسكرية طلبت من الآمر على الأقل نصف خط ناري (مشط ونصف من الذخيرة) نصفها للهجوم والنصف الآخر لتغطية أي انسحاب، لكن لم يكن يتوفر أي من ذلك بحكم شحة الإمكانات، فاعتبرت أن الهجوم بتلك الحال يعتبر انتحاراً محققاً ولا يمكن المجازفة بأرواح الشباب الخلص بهذا الشكل، فتم سحب الشباب المتطوعين إلى المدينة للقتال ما لبث أن استشهد أحدهم بعد أيام.
كانت مدينة تعز أكثر من دفعت ضريبة الانقلاب وجرائمه من دماء أبنائها الطاهرين لعدة أسباب:
أولاً: لكونها المدينة الأكثر حشداً واستعداداً واستعداءً ضدها
ثانياً: لكون المقاومين مدنيين حملة أقلام لا حملة سلاح، من طلاب ومهندسين وأكاديميين وأطباء ومحامين، وعمال...إلخ، دون تدريب ولا تأهيل
ثالثاً: لكونهم يقاتلون بأسلحة بسيطة خفيفة ومتوسطة ويواجهون أسلحة ثقيلة وجيشاً مدرباً ومليشيا مجربة وعقائدية طائفية حاقة وانتقامية
رابعاً: لكون المدينة مكتظة بالسكان ويتم قصفها من خارجها بالصواريخ والمدفعية والدبابات، وبالتالي لا يبالون ما يقصفون، وأينما وقعت قذيفة نالت من المواطنين.
لقد شاهد العالم أجمع صوراً مختلفة للحصار، وكيف يتم نقل الغذاء والدواء للمواطنين عبر طرق وعرة في رؤوس الجبال عن طريق الجمال والحمير وأكتاف المواطنين، بينما المحاصرون يتلذذون بقتل الأبرياء في كل الأحياء بمختلف الأسلحة.
هناك أبشع صورة من صور إجرام المليشيا التي تفطر حتى القلوب المتحجرة؛ فبينما كان المواطنون يبحثون عن قطرة ماء في قمة الحصار، ويصل صهريج للماء لمحاولة سقيا عشرات النساء والأطفال المتحلقين حوله يصعد أحد المجرمين من تلك المليشيا ويتبول داخل الصهريج ويحرم المواطنين منه!!
إن أسوأ ما يمكن أن يخلد للتاريخ في هذه الحرب، وفي تعز خاصة، هو خذلان الشرعية المفترضة للمدينة، وخذلان المسؤولين المفترض بهم توفير أبسط الأشياء للمقاومة، لكن ما حصل هو العكس تماماً فقد كانوا شركاء الانقلابيين في القتل والحصار والخذلان والتشويه.
هذه الصور هي التي توغر صدور الناس ليتذكروا مختلف المآسي ولا يغفرون لمن ارتكب بحقهم تلك الجرائم، ويذكرونهم ببعض جرائمهم، ليعود من قاتلنا بالأمس وتلذذ بمعاناتنا يشن اليوم حملات مختلفة وممولة من باب (الشرعية) على من دافع عن تلك المدينة، فيكون على حد المثل القائل: 'قاتِلُنا في الجاهلية محرضٌ علينا في الإسلام'!
صور كثيرة، ومواقف أكثر، لا يمكن الإلمام بها، فكل مقاوم له حكاية، وكل شاهد له رواية، وكل زاوية فيها حدث، وهذا فتاتاً من جبال، وفي النهاية صمود لا يحده حد، وبطولات لا يمكن تصويرها، وهذا ما أغاظ السابقين اللاحقين إلى اليوم الذين لا ينفكون يحرضون ضد المحافظة ويشوهون صورتها النقية.
يجب أن تبقى شرارة تحرير جبل صبر في يوم 15 يوليو 2015 على يد البطل الفدائي الأستاذ جمال سلطان مهيوب -رحمة الله تغشاه- من أبناء مديرية مشرعة وحدنان ملهمة للأجيال، وتسطر في أول سطر من سفر الكرامة والشجاعة التاريخية، حينما قام بالصعود على دبابة لمليشيا الحوثي التي كانت تتمركز في قرية المحرس المطلة على مدينة تعز وإحراقها بالبنزين، مضحيا بنفسه، وكانت هذه العملية مفتاح النصر وطرد المليشيات من الجبل بخسارة بشرية غير مسبوقة في تاريخهم.
لمثل هذا نفاخر اليوم بمقاومتنا ورجالنا، ونسطر ملاحمهم وتضحياتهم، ونغرز سهام العز في عيون كل من يقلل من شأنهم وتضحياتهم.













































