اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٢٨ حزيران ٢٠٢٦
بقلم النائب محمد علي
ابتداءً من يوم 30 جوان 2026، ينطلق مجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع مخطط التنمية 2026-2030، وهو الوثيقة التي ستحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال السنوات الخمس القادمة. ويكتسي هذا الموعد أهمية خاصة، باعتبار أن المخطط لا يمثل مجرد برنامج حكومي، بل يؤسس لاختيارات استراتيجية يفترض أن ترسم السياسات العمومية وتحدد أولويات الاستثمار والإصلاح والتنمية.
غير أن أهمية الحدث تقابلها مفارقة لافتة. فوثيقة يتجاوز حجمها 300 صفحة، وتتضمن عشرات المحاور ومئات البرامج والمؤشرات، خُصص لها، وفق جدول أعمال المجلس، ما لا يتجاوز عشرة أيام من النقاش. وهنا يبرز سؤال جوهري لا يتعلق بمضمون المخطط فقط، بل أيضاً بالمنهج الذي اعتمد في مناقشته: هل تكفي عشرة أيام لتمكين مجلس نواب الشعب من الاضطلاع بدوره الدستوري في دراسة وثيقة بهذا الحجم والتعقيد؟
إن هذا التساؤل لا يندرج في إطار الجدل الإجرائي، بل يمس جوهر العملية الديمقراطية وصناعة السياسات العمومية.
فاختزال مناقشة مخطط تنموي يمتد لخمس سنوات في فترة زمنية وجيزة لا يتيح دراسة معمقة للوثيقة ولا مساءلة الحكومة حول فرضياتها وخياراتها ومصادر تمويلها، ويجعل النقاش البرلماني أقرب إلى إجراء شكلي للمصادقة منه إلى ممارسة فعلية لوظيفتي التشريع والرقابة. ومن ثم، فإن القراءة النقدية لهذا المخطط لا ينبغي أن تقتصر على تحليل مضامينه، بل يجب أن تبدأ أيضاً بنقد منهجية إعداده ومسار مناقشته، لما يعكسه ذلك من علاقة غير متوازنة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ومن نزعة فوقية في التعاطي مع مؤسسة يفترض أن تكون شريكاً أساسياً في رسم السياسات العامة، لا مجرد جهة تصادق عليها.
1-بين الخطاب والواقع:
مضمونياً، ورغم أن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يقدم نفسه باعتباره قطيعة مع السياسات السابقة، فإنه يكشف منذ التمهيد عن مفارقة أساسية بين الخطاب والممارسة. فالوثيقة تؤكد أنها تعتمد 'التخطيط التصاعدي' المنطلق من الجهات والمجالس المنتخبة، وأنها تجعل المواطن محور التنمية، لكنها لا تقدم آليات مؤسساتية واضحة توضح كيف ستتحول هذه المقترحات المحلية إلى سياسات وطنية ملزمة، كما تغيب مؤشرات تقيس مساهمة الجهات فعلياً في صناعة القرار التنموي. وهكذا يبقى الحديث عن التخطيط التصاعدي أقرب إلى إعلان مبدئي منه إلى منهج عملي.
وتتواصل هذه المفارقة في الرؤية العامة للمخطط، إذ يرفع شعارات العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والاندماج بين الجهات، لكنه في الوقت نفسه يراهن على تحسين مناخ الاستثمار، واستقطاب الاستثمار الأجنبي، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية باعتبارها محركات أساسية للنمو. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن التوفيق بين هدف السيادة الاقتصادية وبين تعميق الارتباط بالاقتصاد العالمي، في حين أن التجربة التونسية خلال العقود الماضية أظهرت محدودية هذا النموذج في الحد من البطالة وتقليص الفوارق الجهوية؟ فالوثيقة لا تناقش حدود هذا الخيار ولا مخاطره، وإنما تفترض وجود انسجام تلقائي بين الأهداف الاجتماعية ومتطلبات السوق العالمية.
2-غياب الربط بين الأهداف
والموارد:
من أبرز نقاط الضعف في المخطط أن لغته يغلب عليها الطابع الإنشائي، حيث تتكرر عبارات مثل 'تعزيز' و'تطوير' و'إرساء' و'تدعيم'، دون تحديد دقيق للكلفة المالية أو الأولويات الزمنية أو المسؤوليات التنفيذية. ويزداد هذا الإشكال عندما يقدم المخطط عشرات المؤشرات الكمية الطموحة دون أن يربطها بالإمكانات المتاحة.
فعلى سبيل المثال، يطمح إلى رفع نسبة النجاح في البكالوريا إلى 60% سنة 2030، ورفع التوجيه نحو الشعب العلمية إلى 65%، وتعميم السنة التحضيرية بنسبة 100%، وتقليص الانقطاع المدرسي بصورة كبيرة، في الوقت الذي يعترف فيه بوجود نقص في البنية الأساسية، وضعف النقل المدرسي، واستمرار المدارس ذات الأقسام المشتركة، وضعف مكتسبات التلاميذ، والعنف المدرسي، وعدم مواكبة المناهج للتطورات العلمية. غير أن الوثيقة لا تحدد حجم الموارد البشرية والمالية المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف، ولا مصادر تمويل الإصلاحات المقترحة.
ويطرح الأمر نفسه في الجانب الاقتصادي. فالمخطط يطمح إلى تحقيق معدل نمو سنوي في حدود 4.2%، وهو هدف مشروع من حيث المبدأ، لكنه يبدو طموحاً إذا ما قورن بأداء الاقتصاد التونسي خلال السنوات الأخيرة، التي لم يتجاوز فيها متوسط النمو مستويات متواضعة، في ظل استمرار البطالة والعجزين المالي والتجاري. لذلك كان من المنتظر أن تقدم الوثيقة تقييماً أكثر تفصيلاً للفرضيات التي بنيت عليها هذه التوقعات، وأن تفسر كيف ستنتقل تونس من نسب نمو ضعيفة إلى هذا المستوى المرتفع في ظرف بضع سنوات فقط.
3-السؤال الغائب: من أين سيأتي التمويل؟
ولعل أكثر ما يستحق النقاش هو جانب التمويل، إذ تشير الوثيقة إلى أن تنفيذ المخطط يتطلب استثمارات تناهز 102 مليار دينار خلال الفترة 2026-2030. غير أنها لا تقدم تصوراً مفصلاً لكيفية تعبئة هذه الموارد، رغم أن المالية العمومية تعيش منذ سنوات ضغوطاً كبيرة تتمثل في ارتفاع الدين العمومي، واستمرار عجز الميزانية، وضعف الادخار الوطني، والحاجة المتواصلة إلى تمويل واردات الطاقة والمواد الأساسية.
وهنا يصبح السؤال الأساسي: كيف ستوفر الدولة هذه الموارد دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التداين أو الضغط الجبائي أو تقليص الإنفاق الاجتماعي؟
وتزداد أهمية هذا السؤال إذا علمنا أن الجزء الأكبر من تمويل المخطط سيعتمد على الموارد العمومية والمؤسسات العمومية، بينما لا يمثل الاستثمار الخاص والأجنبي سوى نسبة محدودة من إجمالي التمويل. وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على تعبئة هذه الاعتمادات في ظل محدودية هوامشها المالية، خاصة وأن تنفيذ المخطط يتطلب رفعاً كبيراً في نسق الاستثمار العمومي مقارنة بما تحقق فعلياً خلال السنوات الماضية.
3-إعادة إنتاج الخيارات الاقتصادية نفسها:
وفي المجال الاقتصادي، يتكرر الاعتماد على الفرضية نفسها التي حكمت السياسات التنموية منذ التسعينيات، وهي أن تحسين مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار سيقودان تلقائياً إلى خلق الثروة ومواطن الشغل. غير أن الوثيقة لا تقدم تقييماً نقدياً لتجربة تونس السابقة، رغم أن هذه السياسات نفسها لم تتمكن من معالجة البطالة أو تقليص الفوارق الجهوية، بل ساهمت أحياناً في تعميقها. ولذلك فإن المخطط يعيد إنتاج الأدوات نفسها مع تغيير في الخطاب أكثر من تغيير في المنهج.
كما يلاحظ غياب رؤية صناعية واضحة. فالحديث عن الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، وسلاسل القيمة العالمية، يظل عاماً، ولا يحدد القطاعات الصناعية التي ستقود هذا التحول، ولا حجم الاستثمارات المطلوبة في البحث العلمي، ولا السياسات الكفيلة ببناء قدرات تكنولوجية وطنية مستقلة.
4-في مجال العدالة الاجتماعية والحوكمة:
وفي محور رأس المال البشري، تعتبر الوثيقة الإنسان محور التنمية، لكنها تقيس نجاح السياسات أساساً بالمؤشرات الكمية، بينما تغيب مؤشرات جودة التعليم، والابتكار، وجودة الخدمات الصحية، ورضا المواطنين.
أما في مجال العدالة الاجتماعية، فتعلن الوثيقة التزامها بتقليص الفوارق بين الجهات، لكنها لا تقدم تصوراً جديداً للتمييز الإيجابي أو لإعادة توزيع الاستثمار العمومي، ولا تحدد معايير واضحة لترتيب أولويات الجهات الأقل نمواً أو آليات ملزمة لضمان توجيه الموارد إليها.
كما تكشف الوثيقة عن استمرار مركزية القرار، رغم حديثها عن اللامركزية. فالدولة تبقى الفاعل الرئيسي في أغلب السياسات، بينما يظل دور الجماعات المحلية والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص محدوداً أو غير محدد بدقة، وهو ما يتناقض مع مفهوم التنمية التشاركية الذي تعلنه الوثيقة.
خلاصة:
يمكن القول إن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل وثيقة ذات طموح سياسي كبير، ويقدم تشخيصاً مقبولاً لعدد من الإشكالات التي تواجه تونس، لكنه يعاني من خمس نقاط ضعف رئيسية:
*غلبة الخطاب على البرنامج التنفيذي.
*غياب الربط بين الأهداف والموارد ومصادر التمويل.
*إعادة إنتاج عدد من الخيارات الاقتصادية التقليدية دون مراجعة نقدية لتجارب الماضي.
*ضعف آليات المتابعة والتقييم والمساءلة.
*استمرار التناقض بين خطاب السيادة الوطنية والاعتماد على الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستثمار الخارجي باعتبارهما المحرك الأساسي للنمو.
ويضاف إلى ذلك أن الوثيقة لا تجيب بصورة كافية عن السؤال الأكثر حسماً: كيف سيتم تمويل الاستثمارات المبرمجة دون تعميق المديونية أو زيادة الضغوط على المالية العمومية؟ فنجاح أي مخطط تنموي لا يقاس فقط بطموح أهدافه، وإنما أيضاً بمدى واقعية فرضياته وقدرته على تحويل الأهداف المعلنة إلى مشاريع قابلة للإنجاز ضمن الإمكانات المتاحة.
لذلك تبدو الوثيقة، في صيغتها الحالية، أقرب إلى إعلان استراتيجي يحدد الاتجاهات الكبرى، أكثر من كونها مخططاً تنفيذياً متكاملاً يربط بوضوح بين الأهداف والموارد والآجال والمسؤوليات وآليات التقييم. فالرهان الحقيقي ليس في صياغة أهداف طموحة، وإنما في بناء سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، قابلة للقياس، وقابلة للمساءلة.

























