اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٧ شباط ٢٠٢٦
إبراهيم عبد المجيد*
وجدت ملاذا مع هذا الكتاب الذي بمجرد قراءتي للعنوان، عدت صبيا يلعب الكرة في الشوارع والميادين وملاعب المدرسة، وتأتيه الفرصة أن يلتحق بشباب نادي الاتحاد السكندري، لكنه يعرف أنه منذور للأدب، فلا يترك الكتب والمكتبات، وغير ذلك مما كان على يقين من أنه سيؤهله للكتابة يوما.
عنوان الكتاب «كتاب الحفلة.. كرة القدم.. إحماء الذاكرة والكلمات» صدر حديثا عن دار تشكيل، للشاعر والروائي السعودي عبد الله ثابت صاحب الكتب الجميلة، مثل ديوان «الإلهاء الرائع» و»جلبة لتحريك الوقت» الذي ترجم للفرنسية، ورواية «الإرهابي 20»، التي ترجمت للفرنسية أيضا، وغيرها. أول مفاجأة لي هي الصفحة الأولى بعنوان «الإمضاء» يقول فيها «ما تبقى من فتى قديم، كان في طريقه لحفلة كرة القدم، والطرق نفسها انعطفت به نحو الكلمات» كأنه يتحدث عني. تأتي فصول الكتاب، التي يقدم لها بلغة الكرة بعنوان «صافرة» كأننا سنبدأ المباراة.. كيف مع الغروب في مدينة «أبها» وهو يطل من نافذة، يمرّ حشد من السيارات والركاب، ترفرف الأعلام معهم، وترتفع الأبواق فأدرك الخطأ الفادح الذي يرتكبه البشر، باعتبارهم كرة القدم مجرد لعبة رياضية فقط، لقد أخذه الاحتفال إلى السحر، وأدرك في ما بعد كيف تحولت كرة القدم من لعبة تعتمد على براعة الفرد، إلى منظومة صناعية تقوم على جهد المجموع وتكامل الأدوار، تماما كما تحولت المجتمعات من الاعتماد على الأبطال الفرديين، إلى الاستثمار في القوة الجماعية. كيف قرأ مبكرا كتاب إدواردو جاليانو «كرة القدم بين الشمس والظل»، فجاءت هذه المغامرة، ففي كرة القدم، كما في القصيدة ليس المهم ما تقوله، بل كيف تجعل شيئا آخر يسري بين الكلمات/ الأجساد، شيئا سحريا يشبه الكهرباء وتوقن بأن هذا له صفة الشعر.
تأتي سحرية كرة القدم من مقولة لجاليانو حين سأل طفلا يرى بعض الفتيان يتقاذفون الكرة بأقدامهم من هؤلاء، فيخبره أبوه أنهم مجانين. هكذا فالطفل والمجنون فقط، هما القادران وحدهما، على رؤية الحقيقة بلا زيادات ولا حيل أو زركشة. كرة القدم هي أحد الأشياء التي تجعلنا أطفالا ومجانين معا. الأطفال يحولون أي مكان في المدن والقرى والسواحل والبراري والصحارى، إلى أراضٍ يظهرون فيها جميعا حفاة يلعبون. هكذا تعبر كرة القدم كل بقعة مأهولة حاملة معها هوسها، الذي يجعل الملايين من أصقاع العالم يلتفون حول الشاشة الصغيرة، ليشاهدوا اثنين وعشرين راشحا بالعرق، ويلاحقون قطعة الجلد السحرية هذه. تأتي الفصول والروح الأدبية الفلسفية في اللغة والمعاني، فالمثل الإنكليزي يقول «مرة واحدة صدفة. مرتان قدر. ثلاث مرات تدبير»، ويتجلى هذا في كرة القدم، فلاعب يمكن أن يسجل الهدف ثلاث مرات في ثلاث مباريات متباعدة بالطريقة نفسها. أليس هذا أمرا مدبرا؟ وأحيانا تكون المرة الواحدة مثل برق من السماء. وأمثلة من مباريات عالمية.
جولة مع المشاعر مثل الضحك اللاإرادي، والقهقهة في المباريات، التي تبدو كموسيقى كونية، وترجمة مباشرة للسعادة، حين يسجل لاعب هدفا في وقت حرج، وتنتقل الضحكة من الملعب إلى البيوت، ومنها إلى الطرق والأزقة والابتسام المتبادل بين المارة. يقابل ذلك البكاء والدموع الحارة في مباريات اعتزال لأحد النجوم كما، حدث مع دييغو مارادونا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001 وبعدها بتسعة عشر عاما يرحل إلى الأبد، وتعود الدموع نفسها، وفي العام نفسه تحضر ابنته «دالما» أول مباراة بعد وفاته، وتجلس في المقصورة بمفردها، وفي الدقيقة الثانية عشرة يسجل فريق بوكا جونيورز الأرجنتيني هدفا، ليتجه اللاعبون جميعا إليها، ويضعون قميص مارادونا أمامها ويحيونها، لتنفرط في بكاء مرير على والدها، أبكي العالم كله معها. كذلك ليلة وداع اللاعب فرانشيسكو توتي، أو ملك روما في مايو/أيار 2017 حيث توالت الدموع في المدرجات، وتوتي نفسه لم يتمالك نفسه أمامها، وأمثلة في حالة إصابات لاعبين مثل كريستيانو رونالدو، أو حين تذهب المباراة على غير التوقع في آخر لحظة للخصم. جولة مع النجوم وكيف يرون أنفسهم، بلغة أدبية كثيرة الصور الشعرية، مثل قول رونالدو عن إصابته «لست نادما على إصابتي، بل إني ممتن لها لقد جعلتني إنسانا أفضل».
وأمثلة مما فعله لاعبون من قوة وبطش مثل نطحة زيدان في نهائي مونديال 2006 بين فرنسا وإيطاليا، حين لحق المدافع الإيطالي ماركو ماتيرانزي بزيدان، وقال له كلمات لم يعرفها أحد حتى اليوم، فنطحه زيدان برأسه بقوة في صدره، وتم طرده من الملعب وخسرت فرنسا النهائي. انفجرت النطحة في الصحف كلها وذهبت إلى الأدب أيضا، فكتب عنها الروائي والمسرحي الفرنسي جان فيليب توسان، كتابا صغير عنوانه «ميلانخوليا زيدان»، تحفة فنية نقله إلى العربية المترجم والشاعر التونسي أيمن حسن. هكذا كرة القدم لا يمكنك توقع شيء مما بوسعها أن تفعله.
تأتي كرة القدم كأكبر مصنع لأفراح الشعوب، وحافلة بالدراما، خاصة في اللحظات الأخيرة. أما لماذا نحب كرة القدم فالإجابات كثيرة تجملها اغنية «لن تمشي وحيدا أبدا» التي ظهرت لأول مرة في مسرحية موسيقية هي «كاروسيل» وصدحت بها المغنية الأمريكية كريستين جونسون عام 1945 في الأسابيع الأخيرة للحرب العالمية الثانية، وصارت بعد تسعة عشر عاما أي في عام 1963 النشيد الرسمي لنادي ليفربول الإنكليزي. حين حدثت كارثة عام 1989 في ملعب هيلزبورو، ومات سبعة وتسعون مشجعا لليفربول في تدافع مأساوي، وكيف كان ما حدث بعد الفاجعة من عزاءات وباقات ورود ورسائل وسخاء من كل بقاع العالم، وراحت الجماهير تغني للضحايا «لن تمشي وحيدا أبدا». أسباب أخرى مثل المهارات الفائقة لأنها تعطينا الحق أن نتقافز كالأطفال دون ملام. تمنحنا الفرصة أن نصرخ نشتم نتأوه ننبهر، ولا يقبض على ضحكنا الفارط أحد. في الملعب اللاعب الراكض مقاتل يحمل آمال قومه، والكرة نفسها رمز للتحدي الهندسي وفوضي الوجود معا. هي الحقيقة التي يطاردها الجميع ولا يمتلكها أحد. هي ظاهرة ثقافية وعدسة، فالبطولات الكبرى مثل منابر لتعرض الدول هوياتها، وتعبر عن تطلعاتها وإقامة روابط الوحدة وسط فوضى العالم الحديث. وتمضي الفصول بين خيالات لاعبين يذكرهم بالاسم ومشاعرهم، مثل الحارس الإيطالي السابق جانلويجي بوفون، حين أجاب على سؤال، هل تعتبر كرة القدم تمضية للوقت أم حرفة؟ فأجاب إجابة طويلة منها هذا المقطع الشعري «إن العشب يبدو أكثر اخضرارا في المكان الآخر دائما» وهكذا نمضي مع أحداث في حياة لاعبين مثل الإيطالي باولو روسي والهولندي دينيس بير كامب، والسعودي شايع النفيسة ولوكا مودريتش الكرواتي وغيرهم كثير، عن حياتهم وإنجازاتهم ومفارقتهم للعادي، حتى نصل إلى فصل من شعر الكاتب ففي قصيدة بعنوان «كنا» يقول:
كنا كما لو أننا معلِّقان على المباراة نفسها
عاجزان عن الحياد
حتى إننا هتفنا «هيا.. هيا» في تلك الهجمة المرتدة
وكلانا يصرخ
ولدينا رغبة ظالمة للتسجيل.
حتى يقول:
لكن الهدف شرخنا نصفين
ولم نكترث
لقد كانت بنا رغبة جارحة
للخسارة!
يحول طريقة اللعب إلى شعر فتحت عنوان «التدابير الأرضية 4/4/2 « تتالي القصائد حافلة بالمعاني الإنسانية الكبرى. يتساءل في النهاية، هل يمكن لكرة القدم أن توقف الدم ومجانين السياسة والنزاع. يقول نعم فقد أعلن بيليه يوما أنه سيزور نيجيريا، فتوقفت الحرب الأهلية ليومين مدة زيارته. هل يمكن لقارة بأكملها ان تشعر برد اعتبارها؟ نعم فبعد اجتياح الأرجنتين لجزر الفوكلاند المهين عام 1982، سجل مارادونا هدفه الشهير بيده، ولما سألوه عن تلك الغشة الداهية قال ببساطة «إنها يد الله». سمعه اللاتين فصمموا له كنيسة خاصة، واخترعوا له طائفة، واعتقدوا أن شيئا من روح المسيح قد حلت فيه!
ينتهي الكتاب فتتسع الدنيا مع الفوز بقراءته كأنه فوز فريق تحبه، وتمشي معك اللغة كأنها شخوص مباريات تتحرك بين الدفاع والهجوم والوسط، وأنت في دهشة الحارس الذي لا يتوقف عن الاهتزاز، ولا تتوقف عيناه عن المراقبة والانتظار.
*كاتب مصري - القدس العربي













































