اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٥ تموز ٢٠٢٦
تراجعت نسب المشاركة بعد يوليو 2021 إذ لم تتجاوز 12% في الاقتراع على المجالس المحلية
بات العزوف عن المشاركة السياسية ظاهرة عالمية تعكس أزمة الديمقراطية التمثيلية، بعد أن صرف الناخبون أنظارهم عن الشأن العام، وتونس ليست بمنأى عن هذه الظاهرة، إذ اتسمت مختلف المحطات الانتخابية التي شهدتها البلاد بعد الـ25 يوليو (تموز) 2021 بالعزوف وتراجع المشاركة السياسية.
ولم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية وانتخابات المجالس المحلية (الغرفة الثانية) 12 في المئة، من جسم انتخابي يفوق 9 ملايين ناخب، وفق أرقام الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
وتعكس هذه الظاهرة فجوة عميقة بين الناخبين والسياسيين، وأزمة ثقة تغذيها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
وبعد أن شغل التونسيين لسنوات ما بعد 2011، لم يعد الشأن السياسي في صدارة اهتمامات التونسيين الذين فقدوا الثقة في الطبقة السياسية، وتوجه اهتمامهم أكثر نحو مشاغلهم اليومية في ظل غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية، فما تأثيرات العزوف عن المشاركة السياسية على المؤسسات المنتخبة؟ وكيف يمكن إعادة الثقة بين التونسيين والنخب السياسية؟
يتطلب جسر الهوة بين التونسيين والنخب السياسية مراكمة رصيد من الثقة يقوم على عرض سياسي قابل للتنفيذ، وبعيد من الوعود الزائفة، علاوة على العمل على تنقية المناخ السياسي والحد من التجاذبات والانقسامات الحادة.
والواقع أن الأحزاب السياسية في تونس التي فقدت بريقها خلال السنوات الأخيرة، ماضية في نهج المكابرة والإنكار، بينما يتآكل رصيدها وتتقلص قواعدها، وهو ما قد يؤثر في ممارسة العمل السياسي في البلاد.
ويؤكد المتحدث الرسمي باسم التيار الشعبي محسن النابتي لـ'اندبندنت عربية' أن 'التونسيين فقدوا الثقة في السياسيين، وفي العملية السياسية، وهو ما سيؤثر بالضرورة في المؤسسات المنتخبة التي باتت مشروعيتها مهددة'، لافتاً إلى أن 'الانتخابات أصبحت عملية ميكانيكية لا تسبقها برامج وعروض سياسية بينما لم يتغير واقع التونسيين من انتخابات إلى أخرى'.
ويردف الناشط السياسي أن 'السياسة لم تعد تجذب الشباب، إذ تتصدر الفئات العمرية المتقدمة الصفوف الأولى في الأحزاب السياسية والمناصب الحكومية، وأنتج هذا الواقع شرخاً عميقاً بين السياسة وعموم التونسيين، وهو ما قد يؤدي إلى فرز قيادات عديمة الكفاءة تتقلد المناصب السياسية على حساب الكفاءات'.
ودعا النابتي إلى 'تنقية المناخ السياسي، والتشجيع على المشاركة، وخلق حالة سياسية جديدة تقطع مع عصر الصراعات الحزبية والمصالح الضيقة، لأن السياسة فعل إنساني ضروري لإدارة الشأن العام'.
وبينما تزداد عزلة الطبقة السياسية عن عموم التونسيين، تتعمق أزمة إدارة الشأن العام في البلاد في غياب البرامج والرؤى الاستراتيجية، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في انخراط التونسيين في الشأن العام باعتباره ضرورة لا ترفاً.
والواقع أن تدني نسب المشاركة السياسية قد يجعل المؤسسات المنتخبة قليلة التمثيلية ويجعلها هشة، لأنها ستفتقر إلى رصيد الثقة التي تستمده من القواعد المنخرطة في الحياة العامة.
ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي خالد كرونة أن 'النخب السياسية أصبحت أمام مأزق حقيقي، وعليها أن تبتكر طرقاً جديدة تعيد للممارسة السياسية بريقها، حتى لا يفتح هذا التراجع مزيداً من المساحات أمام الأفكار الشعبوية التي تنتشر في عالمنا وتتحكم في مراكز القرار مستندة على فكرة ازدراء النخب'.
ويتساءل كرونة هل باتت الإنسانية اليوم في حاجة إلى أشكال جديدة في التنظيم وفي البناء السياسي والمؤسساتي، بعد أن اهترأت سردية الديمقراطية وفكرة التمثيلية، التي اعتبرت لعقود أفضل ما توصلت إليه البشرية لإدارة شؤونهم واستيعاب خلافاتهم، وباتت هي الأخرى اليوم عاجزة عن النهوض بهذا الدور؟
وبينما يقر كرونة بعدم وجود وصفة سحرية تباشر تغيير الوضع الراهن، فإنه يدعو إلى 'العمل على تعزيز المشاركة في عمليات الاقتراع في الانتخابات، من خلال تحسين العرض السياسي، وتوضيحه للناخبين، وتنويع البرامج، وتجاوز الشعارات المتكررة التي سئمها شق واسع من التونسيين ما دفعهم إلى الاستقالة من الشأن العام'.
وحتى لا يكون الاقتراع خالياً من أي معنى، على النخب السياسية إثراء النقاش العام حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل التونسيين وتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة وجعل الشأن اليومي للتونسيين مشغلاً سياسياً تجتمع حوله مختلف العائلات السياسية ببرامج متنوعة وثرية تستوعب مشاغل التونسيين.
وبما أن الانتخابات هي وسيلة تتيح للناخبين اختيار ممثليهم لإدارة العملية السياسية في إطار التداول السلمي على السلطة، في مختلف مستوياتها، والهدف منها هو مساءلة المسؤول السابق عما أنجزه والاطلاع على برنامج المترشح الجديد وما ينوي تحقيقه، فإن شرط المشاركة والانخراط ضروريان لتعزيز المساءلة من جهة، ودفع المترشحين لتحسين عروضهم السياسية من أجل نيل ثقة الناخبين من جهة أخرى.
ويؤكد أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية عبدالرزاق مختار أن 'العزوف الانتخابي قد يريح بعض الأطراف، ولكنه قد يفقد المؤسسات المنتخبة زخمها وعمقها الشعبي، وتصبح فاقدة للثقة، وحينها ستصبح الانتخابات بلا رهانات حقيقية، مما يؤدي إلى القطيعة بين جمهور الناخبين وهذه المؤسسات'.
ويعتبر أستاذ القانون أن هذا الواقع هو 'مؤشر على موت السياسة وتراجع الاهتمام بالشأن العام، وهو أمر يجب أن تنتبه إليه جميع الجهات سواء كانت في السلطة أم في المعارضة'، ودعا إلى ضرورة خلق مناخ عام مشجع على المشاركة السياسية، وإعادة بناء الثقة في السياسة وفي السياسيين من خلال صياغة عقد سياسي واجتماعي جديد يقوم على المشاركة السياسية.
ويشدد عبدالرزاق مختار على أن 'الانتخابات تستمد شرعيتها من المناخ السياسي السليم، لتتعزز مشروعية المؤسسات المنتخبة حتى لا تكون مؤسسات معزولة '.

























