اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
من البديهي ألا يتطابق اثنان تماماً في تصورهما لشيء ما، وإلا فما الحاجة إلى التعدد؟ لكان الواحد كافياً. وهذا ينطبق أيضاً على القضايا السياسية الحساسية والأمنية.
باختصار، فإن إدراك خطر إيران يختلف عربياً بحسب عاملين رئيسيين: المسافة الجغرافية التي تفصل أي بلد عربي عن إيران، ودرجة التجانس الاجتماعي داخل ذلك البلد.
فكلما كان البلد أقرب إلى إيران، كان شعوره بمخاطر وتبعات سياسات طهران التوسعية والطائفية أكبر. ومن جهة أخرى، كلما وُجدت عوامل ذات بعد طائفي تتيح لإيران مجالاً للتدخل والنفوذ، ازدادت حساسية ذلك البلد تجاه هذا الخطر. وأحياناً يجتمع العاملان في بلد واحد، خصوصاً في الدول المجاورة لإيران، وقد يقتصر الأمر أحياناً على عامل واحد فقط.
لذلك تختلف درجة التعبئة من بلد إلى آخر إزاء إدراك الخطر الذي يمثله النظام الإيراني، تبعاً لاختلاف هذه المعايير والظروف، وعلى رأسها القرب الجغرافي. فكلما كان البلد أقرب، ازداد شعوره بالتأثر والتهديد، والعكس صحيح.
المؤسف هو الجو المكهرب الذي نشأ في خضم هذه الحرب، وكيف تحول الفضاء الإعلامي إلى ساحة لإثبات بطولات وهمية لا طائل منها، الأمر الذي يهدد بتوسيع الفجوة الشعورية بين الشعوب العربية.
كما أن بعض المؤثرين العرب، بدلا من شرح العوامل التي تفسر هذا التباين في الإدراك، ينصرفون إلى تأجيج الانقسام بين الشعوب العربية.
علينا ألا نتجاهل أن عقوداً من التفاوت في مؤشرات التنمية وركائز الاستقرار أفرزت بيئتين عربيتين مختلفتين، وتصورين (شعبيين) مختلفين لما ينبغي أن يكون عليه النظام الإقليمي.
غادر إخواننا في دول الخليج العربي مربعاً ما تزال معظم أقطار العالم العربي تعيش داخله. فقد حققوا نجاحات كبيرة في مؤشرات التنمية والاندماج الاقتصادي في المنظومة الاقتصادية الدولية، وأصبحوا حجر زاوية في هذا النظام المعقد.
ولا نملك إلا أن نهنئهم على ذلك.
وربما خالج 'بعضهم' إحساس بأنه لم يعد ينتمي إلى هذه المساحة العربية الواسعة، وأن مصالحه وأمنه لم يعودا يتشكلان داخل هذه المنظومة الواسعة المهيضة الجناح.
بالمقابل، وبدلاً من فهم أسباب النكوص ودراستها، ذهبت نخب في بعض البلدان إلى تعويض النكسة بخطاب ازدراء وتعال، وأحياناً بتمني زوال النعمة.
وهكذا تشكلت فجوة شعورية. لكن لا يمكن الهروب من مقتضيات الجغرافيا، كما لا يمكن معالجة العيوب بالتعالي عليها أو بالازدراء والإنكار.
إن صراعات العصر تأخذ طابعاً هوياتياً، لا سيما تلك التي ينتجها نظام كهنوتي ممزوج بقومية مريضة بدورها مثل نظام ملالي طهران.
وفي نهاية المطاف، يبقى العرب في قارب واحد أمام قضايا الهوية والأمن.
ومن المبالغة والإجحاف أن تطلب من كل من هو محيط بك أن يتبنى إدراكك ومواقفك دون محاولة فهم حساباته وظروفه. ومن قلة المروءة أن يتشفى الأخ بأخيه.
هذه حرب ينبغي أن تُلجم فيها ألسنة السفهاء وأن تحضر الحكمة.













































