اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
صدام الزيدي
همدان دمّاج، أديب وباحث أكاديمي يمني، يشغل منصب نائب رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني، ونائب رئيس مهرجان ليفربول للثقافة العربية في بريطانيا. يُعدّ من الأسماء الفاعلة في الحقلين الثقافي والأكاديمي، وله حضور مؤثر في قضايا الفكر، والأدب، والسلام، والعمل العام المرتبط بالشأن اليمني.
حصل على الدكتوراه في الأنظمة الكمبيوترية المعقّدة من جامعتي ريدنغ ولندن ساوث بانك في بريطانيا عام 2005. جمع في مسيرته بين البحث العلمي في مجالات التكنولوجيا والعمل الثقافي والأدبي، وهو ما منح تجربته طابعًا عابرًا للتخصصات.
عمل في الصحافة الثقافية لسنوات، وتولى منصب مدير تحرير صحيفة 'يمن تايمز' الناطقة بالإنكليزية، ورئاسة تحرير مجلة 'غيمان' الأدبية التي عُدّت من أبرز المجلات الأدبية اليمنية. كما شارك في تحرير وإعداد عدد من الإصدارات الأدبية والفكرية.
له ثمانية كتب منشورة في الشعر، والرواية، والقصة، والدراسات النقدية، من أبرزها رواية 'جوهرة التعكر' الحائزة على جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2015. تُنشر له بحوث ومقالات ودراسات وترجمات باللغتين العربية والإنكليزية في مجلات ودوريات أكاديمية وثقافية مرموقة.
أسهم في تأسيس عدد من المبادرات والمؤسسات الثقافية والسياسية في بريطانيا، حيث يقيم حاليًا، من بينها مجموعة أصدقاء اليمن في حزب العمال البريطاني، ومؤسسة تمدّن للتنمية الثقافية، وهو عضو فاعل في الجمعية البريطانية اليمنية. كما عمل محكّمًا أدبيًا وعلميًا في عدد من الجوائز والمؤتمرات العربية والدولية.
تمثل تجربته نموذجًا للمثقف المنخرط في قضايا بلده ثقافيًا وفكريًا وإنسانيًا، حيث يؤمن بربط الإبداع بالمسؤولية العامة والعمل من أجل السلام.
هنا حوار معه:
(*) لنبدأ الحديث من العلاقة الوطيدة التي جمعتك بالشاعر والناقد الدكتور عبد العزيز المقالح، حيث كنت قريبًا منه لسنوات، قبل أن يأخذك الترحال إلى أوروبا. باختصار، ما هي أبرز خصال المبدع الحقيقي لدى المقالح، وماذا عن المقالح إنسانيًا؟
نعم، صحيح، علاقتي بالمقالح وطيدة، فأنا أعرفه منذ أن كنت طفلًا، بسبب صداقته الكبيرة مع والدي (الأديب زيد مطيع دمّاج). كان يزور بيتنا دائمًا في المقيل الأسبوعي، وكنت ألتقي به لأن والدي كان يعتمد عليّ في استقبال أصدقائه، وفي التأكد من أن قوارير الماء التي سنقدمها للمقالح قد أخذت نصيبها من التدفئة خلف ستارة النافذة، لأنه لم يكن يشرب الماء البارد أبدًا. عندما بدأت ميولي الشعرية تظهر، كان والدي يشجعني على أن ألقي أمام ضيوفه محاولاتي الشعرية، وكانوا يشجعونني بلطف ويأخذون بيدي. أتحدث هنا عن كبار الأدباء اليمنيين والعرب، مثل كمال أبو ديب، وعلي جعفر العلاق، وشاكر خصباك، ومحمد عبد السلام منصور، والعم أحمد قاسم دماج، وعبد الودود سيف، وغيرهم.
بعد ذلك بدأت أنشر قصائدي في الصحف، بما في ذلك صفحة الأدب والفن التي كان يشرف عليها المقالح في صحيفة 26 سبتمبر/ أيلول. ثم تطورت علاقتي بالمقالح أكثر عندما كنت أرافق والدي في رحلات العلاج، وأشرف على شؤونه وتواصلاته مع أصدقائه، وظلّ تواصلي مع المقالح مستمرًا أثناء دراستي في بريطانيا، وبداية كتاباتي السردية، وبعد وفاة والدي.
عندما عدت إلى اليمن من بريطانيا بعد إكمال دراسة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر عام 2005، كان من الطبيعي أن ألتحق بمقيل المقالح، إن صحّ الوصف. وكنتُ حينها أعمل مديرًا لتحرير صحيفة 'يمن تايمز' الناطقة بالإنكليزية، وقد أقنعت المقالح بأن يكتب للصحيفة مقالات أسبوعية ظلّت تُنشر لسنوات. وتطوّر تعاوننا الأدبي أكثر عندما اختارني لرئاسة تحرير مجلة 'غيمان' الأدبية التي أسسها مع مجموعة من الأدباء، والتي أصبحت في فترة من الفترات من أهم وأشهر المجلات الأدبية في اليمن.
في تلك الأثناء، كانت محاولاتي للالتحاق كعضو هيئة تدريس في جامعة صنعاء، وهو مكاني الأكاديمي الطبيعي، قد فشلت، خاصة عندما قالها لي الرئيس السابق علي عبد الله صالح بنفسه، في لقاء جمعنا خلال فترة الانتخابات الرئاسية، إنه لا يريدني أن أدخل الجامعة، وهي قصة بحد ذاتها، ربما يأتي يوم لذكر تفاصيلها. كان الخيار الآخر هو الالتحاق بمركز الدراسات والبحوث اليمني نائبًا للمقالح، وهكذا أصبحت، ولسنوات، أعمل معه في فترة العمل، وبجانبه في معظم أيام المقيل الأدبي، وأصبحت أحد قرّائه، كما كنت أرافقه في معظم زياراته ورحلاته القليلة خارج صنعاء.
كل هذا الاحتكاك اليومي جعلني قريبًا منه، مطلعًا على كثير من تفاصيل حياته الخاصة والعامة، وعلى شخصيته المدهشة التي كتبت عنها كثيرًا قبيل وفاته وبعدها، رحمه الله، بما في ذلك كيف كان يقف، بصبرٍ نادر، خلف أجيالٍ كاملة من المبدعين، مانحًا وقته وجهده وتشجيعه وعلاقاته من دون منّ أو ادّعاء.
أما بخصوص الحديث عن خصال المقالح الإبداعية وسماته الشخصية، فهذا أمر يطول، وهي عمومًا الموضوعات التي تطرقتُ إليها عبر عدد من المقالات والدراسات المطوّلة والمنشورة. لكن، اختصارًا، يمكن القول إن المقالح، من وجهة نظري، هو واحد من أهم الشخصيات اليمنية الوطنية في تاريخ اليمن بلا مبالغة، ليس لإبداعه الشعري والفكري المعاصر، ولا لسماته الإنسانية النادرة فقط، بل للدور المؤسسي الكبير الذي لعبه في النهوض بواقع الأدب والأدباء والفن والثقافة والمثقفين في اليمن، وهو دور لم يسبق أن قام به غيره، لا في اليمن ولا في الوطن العربي، حسب ما أعرف، وهو دورٌ كبير ما يزال بحاجة إلى مزيد من تسليط الضوء عليه.
(*) تتابع المشهد الثقافي اليمني من مهجرك الأوروبي، برأيك ما هي التحديات التي تواجه الكتاب والأدباء في اليمن اليوم، وكيف ترى مستقبل الأدب (والثقافة اليمنية عمومًا)، في ظل هذه التحديات؟
الحقيقة أنني لا أجد نفسي حاضرًا في مفردة 'المهجر' بالشكل التقليدي، فأنا أعيش في بريطانيا منذ سنوات طويلة، وهي البلد التي درستُ فيها معظم دراساتي، وعملتُ فيها، وحصلتُ على جنسيتها منذ أيام شبابي. كما كنتُ دائم التنقّل بين اليمن وبريطانيا. ونحن اليوم نعيش في عالم مفتوح، ساعدت فيه وسائل التكنولوجيا على تقريب المسافات حدّ التلاشي، وتغيّرت بذلك مفاهيم الهجرة والبعد والاغتراب.
أما ما يتعلق بالمشهد الثقافي في اليمن، فهو يمرُّ بما يمرّ به اليمن ككل، ويتأثر به دون شك. نحن نعيش حالة انهيار كبرى منذ أكثر من عقد من الزمن، فالحرب هي أسوأ ما يمكن أن تمرّ به الأوطان، خاصة عندما تطول بلا أفق أو هدف واضح. ولا يمكن أن يُتوقَّع ازدهار مشهد ثقافي أو أدبي في أي بلد يمرّ بحالة حرب واستنزاف كالتي يمرّ بها اليمن.
ومع ذلك، فإن الواقع أفضل مما كنتُ أتصوّر. فبين الحمم والغبار، ما زلنا نسمع عن أشياء مدهشة: عن فوز روائيين يمنيين بجوائز أدبية مرموقة، وعن عدد كبير من الكتّاب والشعراء والفنانين الشباب الذين يشاركون في المهرجانات والحفلات والمسابقات، وينشرون ويذيعون أعمالهم اللافتة في أماكن متعددة. كما نسمع عن مجلات أدبية رصينة تصدر داخل اليمن بجهود ذاتية، وعن مظاهر ثقافية كثيرة تبعث على الدهشة والأمل.
نحن، إذًا، أمام فعلٍ مقاومٍ للانهيار، فعلٍ حقيقي ومبهر، يدعو إلى التفاؤل، ويؤكد أن مسارات الفن والأدب والإبداع لا يمكن التنبؤ بها. وربما نحتاج إلى مزيد من الوقت لكي نستطيع رصد معالم مستقبل الأدب والثقافة في اليمن أو رسمها، إذ يصعب، في حالات اللااستقرار والخضّات الكبرى، أن تتضح الأمور. غير أن ما سبق الإشارة إليه يظل أمرًا مبشّرًا بالخير.
(*) اخترت المملكة المتحدة للإقامة. حدثنا عن أسباب مغادرتك اليمن. ثم، في بريطانيا، أسست، وتدير، عددًا من المؤسسات الثقافية، بما في ذلك مؤسسة 'تمدّن'، حدثنا عن أنشطة 'تمدُّن'، ومجمل تفاعلاتك ومثاقفاتك هناك...
كما سبق أن أسلفت، كنتُ دائم التنقّل، عبر مراحل حياتي المختلفة، بين بريطانيا، التي أتيتها شابًا في مقتبل العمر للدراسة، وبين اليمن. في نهاية عام 2015 غادرت صنعاء للمرة الأخيرة للاستقرار مجددًا في بريطانيا، ومنذ عودتي، استأنفت نشاطي في العمل البحثي والثقافي، وانخرطت في العمل العام المرتبط بالشأن اليمني، من خلال حضوري ومشاركتي في تأسيس عدد من المنظمات ذات الصلة.
حاليًا، أنا عضو مجلس الأمناء في الجمعية البريطانية اليمنية (وهي من أوائل جمعيات الصداقة، تأسست عام 1993، وتضم عددًا من الخبراء والأكاديميين المهتمين باليمن)، ونائب رئيس مهرجان ليفربول للفنون والثقافة العربية (وهو مؤسسة عريقة تنظِّم فعاليات ثقافية عربية على مدار العام، تتوّج بإقامة أطول مهرجان سنوي مستمر للفنون العربية وأكثرها نجاحًا في بريطانيا). كما نشطتُ لسنوات في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان عبر موقعي كنائب لرئيس الهيئة الدولية لحقوق الإنسان في جنيف، وأنا أيضًا عضو مؤسس في عدد من المكونات التي تعمل من أجل السلام في اليمن، مثل التيار الوطني للسلام ومجموعة أصدقاء اليمن في حزب العمال البريطاني.
وكما قد يُلاحظ، فقد سعيتُ، وما أزال، إلى أن أكون حاضرًا في كل ما يمكن أن يساهم في دعم اليمن خلال المرحلة العصيبة التي يمر بها، باذلًا جهدي على أكثر من صعيد واتجاه، من بينها الحقوقي، والثقافي، والسياسي.
أما بخصوص مؤسسة 'تمدّن' للتنمية الثقافية، فهي أيضًا إحدى المؤسسات التي أنشط من خلالها، إلى جانب الصديق الدكتور محمود العزاني وآخرين، وأعمل حاليًا مديرًا تنفيذيًا لها. وهي مؤسسة بريطانية تسعى إلى دعم جهود التنمية الثقافية والسياسية في المنطقة العربية، واليمن على وجه الخصوص، من خلال تعزيز قيم السلام، وحرية الفكر والتعبير، والابتكار. كما تقوم بتنفيذ مشاريع متنوعة في مجال بناء السلام في اليمن، وتمكين الثقافة العربية داخل المجتمع البريطاني، وتشجيع أبناء الجالية اليمنية والعربية على الانخراط في الأوساط السياسية ومواقع النفوذ والتأثير في بريطانيا.
(*) لك مجموعة شعرية وحيدة مقابل أكثر من إصدار في القصة، ولك رواية حائزة على جائزة الشارقة للإبداع العربي (2015). أين هي علاقتك بالشعر اليوم؟ وما الذي تشتغل عليه سرديًا؟
صحيح أن ديواني الشعري الوحيد 'لا أحد كان غيري' قد مرّ على صدوره أكثر من عشر سنوات، لكنني، خلال هذه الفترة، استمريت في كتابة الشعر، بل وأشعر أنني انتقلت فيه إلى تجارب جديدة. كما أن قصائدي تُنشر بين الحين والآخر في المجلات والدوريات الأدبية، وربما عندما يصل عدد هذه القصائد إلى عدد ملائم، ستجد طريقها إلى ديوان جديد يحتضنها.
أما سرديًا، فبعد صدور روايتي 'جوهرة التعكر' كان لديّ مشروع لرواية أخرى قطعت فيها شوطًا قبل أن أتوقف بسبب انشغالات كثيرة. ومع ذلك، استمريت في الكتابة الإبداعية، ونشرتُ مجموعتين مختارتين من شعر البردوني والمقالح، وشاركت في تحرير كتاب شعري باللغة الإنكليزية بعنوان 'غدٌ سيشرق'. كما كتبتُ ونشرت مجموعة من القصص القصيرة التي ستظهر، إن شاء الله، قريبًا في مجموعة قصصية جديدة.
وحاليًا، أعكف على إكمال كتاب سردي بعنوان 'كتاب مارثا'، يتناول حياة الطبيبة الأميركية مارثا مايرز، التي عملت في اليمن لسنوات قبل أن تُقتل، مع عدد من زملائها الأطباء، في مستشفى جبلة على يد أحد المتطرفين. وهو كتابٌ أسعى من خلاله إلى تخليد ذكرى هذه الطبيبة، التي طواها النسيان، رغم كل ما قدّمته لليمنيين من خدمات جليلة.
(*) كيف ترى إلى الرواية اليمنية التي تُكتب اليوم، وهل يمكن القول إنها رواية مقروءة عربيًا؟
الرواية في اليمن مستمرة في التطور دون شك، على المستويين الموضوعي والفني. وهذا أمرٌ واضح، ونلمسه في عدد من النصوص الروائية، سواء تلك التي حظيت بنوع من الشهرة والظهور، أو تلك الأقل حظًا، لكنها لا تقل إبداعًا. أما عدد الذين يكتبون الرواية اليوم، فهو كبير جدًا، وهو أمر مذهل، رغم أنه يأتي، للأسف، على حساب كتّاب القصة القصيرة، الذين باتوا يُعدّون على أصابع اليد، أو أقل.
الرواية اليمنية اليوم تخطّ لنفسها مسارات جديدة، وتزاحم من أجل أن تجد لها مكانًا لائقًا في الوسط الروائي العربي، وفي قوائم الروايات المرشحة للجوائز الأدبية. فقد احتفلنا قبل أشهر بفوز رواية يمنية بجائزة كتارا، وقبل أيام بفوز رواية يمنية بجائزة نجيب محفوظ، ونتوقع المزيد، وهو أمرٌ مبشّر وممتاز بلا شك.
(*) هنالك جوائز يمنية للرواية، ظهرت منذ أعوام قليلة وتستمر سنويًا. بالنظر إلى الفترة التي انتظمت فيها هذه المسابقات، ما الذي انعكس على بيئة الكتابة السردية في اليمن؟ وكيف ترى إلى هذه الجوائز، وبرأيك لماذا الشعر مغمور ولا أحد يلتفت إليه عبر مسابقات نوعية في اليمن؟
الجوائز السردية منتشرة في الوطن العربي منذ فترة طويلة، أما ظهورها في اليمن فيمكن القول إنه تأخر قليلًا، لا سيما أنها برزت في عصر الكارثة واللااستقرار الذي يشهده اليمن، وينعكس بدوره على المشهد الثقافي فيه، مثل جائزة محمد عبد الولي وجائزة حزاوي وغيرهما. وهي، في تقديري، ظاهرة إيجابية في مثل هذه الظروف، خاصة إذا كانت عاملًا محفزًا للمبدعين على الكتابة ومشاركة إبداعاتهم.
أما بخصوص الشعر وغياب الجوائز أو المسابقات المعنية به في اليمن، مقارنة بالسرد، فهذا أمر يحتاج إلى وقفة تأمل وتفكير. ولا أجد خلاصة حاسمة لهذا الأمر، الذي ربما يرتبط بعلاقة الشعر والسرد في اليمن بوجه عام، وبما نلاحظه من نزوح عدد من الشعراء إلى كتابة السرد، على الرغم من وجود أصوات شعرية جديدة ما تزال تنشط في عالم الشعر والنشر، سواء عبر القنوات التقليدية أو الحديثة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
(*) بجهود طيّبة، انتظمت في صنعاء أخيرًا، الدورة الأولى من مهرجان المقالح الشعري. تابعت الفعالية أكيد. لكن أما كان ينبغي لفعالية سنوية تستذكر شاعر اليمن الكبير، أن تكون أكثر اتساعًا وإضاءة. تعلم أن إطلاق مهرجان أدبي يعني برنامج فعاليات متنوع يمتد لأكثر من يوم وتتعدد عناوينه ومجالاته. لوحظ حضور عدد قليل للغاية من الشعراء بينما تقدمت للمشاركة ما يزيد عن 200 قصيدة.
الفكرة، كما وضعها منظمو المهرجان، وهم أسرة المقالح وأصدقاؤه (وفي مقدمتهم الشاعر يحيى الحمادي)، تتمحور حول تحويل الذكرى السنوية لرحيل المقالح إلى مهرجان شعري، على اعتبار أن إرثه الثقافي، والشعري على وجه الخصوص، أكبر من أن يُختزل في طقوس الرثاء، وأن يكون يوم رحيله مناسبة للاحتفاء بالشعر، وفرصة للشعراء الشباب لتقديم جديدهم الشعري في تنافس جميل. وهذا، في جوهره، أمر جيد وإيجابي.
غير أنه يبدو لي أن الفكرة وُلدت قبل الذكرى بفترة قصيرة، ولهذا لم يكن هناك وقت كافٍ لترتيب المهرجان وحشد الإمكانات اللازمة ليخرج بالشكل الذي ربما كان يتوقعه الكثيرون. أنا حقيقة لم يتم التواصل معي بخصوص المهرجان خلال مرحلة التحضير، كما لم أكن ضمن لجنة اختيار القصائد، ولا أعرف تفاصيل كثيرة حول ذلك، ولا بد أن هناك أسبابًا حالت دون هذا الأمر.
ومع ذلك، فإن الدورة الأولى، عمومًا، تُعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح، ولا شك في أن الطموحات مستمرة ليغدو المهرجان تقليدًا سنويًا كبيرًا، يليق بالشعر وباسم الدكتور عبد العزيز المقالح. فكل جهد يسعى إلى تخليد المقالح، وتسليط الضوء على حياته وقيمته الوطنية والثقافية، هو جهد محمود ويستحق الدعم والتشجيع.
(*) لنتحدث عن مجلة 'غيمان' التي كنت رئيسًا لتحريرها. توقفت المجلة في 2015، مع اندلاعة الحرب في اليمن. هل تحلم بعودة صدور 'غيمان'؟ وما أهم ما اشتغَلت عليه المجلة من ملفات وأفكار؟
ظهرت فصلية 'غيمان' في زمنٍ شهد انحسارًا ملحوظًا في صدور المجلات والإصدارات الأدبية، بعد توقف أو تعثّر كثير من الدوريات الرائدة في البلاد. وفي الأصل، جاءت 'غيمان' بوصفها فكرة امتداد لمجلة رائدة أخرى توقفت سريعًا، هي 'أصوات' (التي ترأس تحريرها الأستاذ محمد حسين هيثم، ثم الأستاذ خالد الرويشان، في بداية تسعينيات القرن المنصرم)، محاولةً أن تواصل 'غيمان' ما بدأته 'أصوات' من روح التجريب والانفتاح والجديد والأجدّ، وأن تخلق فضاءً جديدًا للنص الأدبي الحديث.
صدر من 'غيمان' خمسة عشر عددًا خلال نحو سبع سنوات من العمل والجهد والإصرار على الريادة، بإشراف من المقالح، وبإدارة تحرير متميزة ضمّت كلًا من علي المقري، وحاتم الصكر، وعلي الحضرمي، ومحمد عبد السلام منصور، وجمال جبران، إضافةً إلى هيئة استشارية من كبار الأسماء اللامعة في الحقل الأدبي اليمني. وقد كتب لـ'غيمان'، وساهم فيها، عدد كبير من الأسماء المتميزة في عالم الأدب والفكر والثقافة، من اليمن وخارجها.
وعلى الرغم مما اتسمت به المجلة من جودة عالية في الطباعة والإخراج، فإنها اعتمدت بدرجة كبيرة على الجهود الذاتية، ولم تنل من الدعم المالي إلا ما يكفي بالكاد لتغطية نفقات الطباعة، وهو ما جعل صدور بعض أعدادها يتأخر أحيانًا. ومع ذلك، سعت 'غيمان' إلى الوصول إلى القارئ اليمني في مختلف المحافظات، بل وحتى إلى بعض الدول العربية، مثل عُمان ومصر وسورية والعراق، وكل ذلك بجهدٍ ذاتي خالص.
ومع أن رحلتها توقفت عند العدد الخامس عشر بسبب الحرب، فإن ما حوته من دراسات فكرية ونقدية، ونصوص أدبية، ومتابعات، وعروض كتب، ومقابلات واستطلاعات، يبقى إرثًا أدبيًا مهمًا ما يزال القارئ يعود إليه اليوم ليجد فيه متعة الفكر ودهشة الجمال. فأرشيف المجلة لا يزال محفوظًا، وجميع أعدادها متاحة للقارئ عبر موقعها الإلكتروني، وهو أقل ما يمكن تقديمه لتجربة رائدة كهذه.
لقد كانت تجربة رئاسة تحرير مجلة 'غيمان' بالنسبة لي محطة غنية ومؤثرة في مسيرتي؛ أضافت إلى حياتي الكثير من الخبرة والمعرفة، وقرّبتني من كتّاب ونصوص وتجارب كان لكلٍّ منها أثر خاص في رحلتي الأدبية ووعيي الفكري. رحلة تركت في النفس كثيرًا من الاعتزاز، وشيئًا من الفخر لا أخفيه، وكثيرًا من التأمل والأمل والتواضع. وربما يمنحنا هذا الزمن المضطرب والعجيب فرصة للتفكير في إعادة إصدارها من جديد... من يدري؟
(*) وماذا عن الصحافة الثقافية اليمنية وأهم تحدياتها في هذه الفترة العصيبة؟
الصحافة في اليمن، عمومًا، تعيش في ورطة، وهو أمر طبيعي في زمن الحرب. أما الصحافة الثقافية، فهي في حالة انحسار شديد، تكاد تصل إلى حدّ الاختفاء. ولولا بعض الجهود المهمة والمبادرات الطوعية التي يقوم بها عدد من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي في اليمن، لاختفت تمامًا، أو لبقيت حبيسة التمترسات السياسية التي تلقي بظلالها الثقيلة والمؤسفة على المشهد الثقافي.
وأنا أشيد حقًا بالأعزاء من الأدباء والكتّاب والمثقفين اليمنيين الذين ما زالوا مستمرين في الكتابة عن الشأن الثقافي اليمني، وإصدار الملاحق الثقافية والمجلات الأدبية، وإطلاق المبادرات الفنية من داخل اليمن وخارجه، وبجهود ذاتية، مثل مجلة 'سلاف' و'ظلال'، وقبلهما 'مجلة المدنية'، ومنصة 'خيوط'، وغيرها. ويضاف إلى ذلك أولئك الذين ما يزالون يشكّلون حلقة وصل بين الوسط الثقافي اليمني ونظيره العربي، من خلال استمرارهم في المتابعات واللقاءات، والكتابة عن اليمن الثقافي في المنصات الثقافية العربية الكبرى.
(*) عن الوالد الراحل الروائي زيد مطيع دمّاج، ما الذي تواصل إنجازه في توثيق إرثه وإبداعاته؟
خلال السنوات الماضية، قطعنا شوطًا مهمًا في توثيق إرثه الأدبي والوطني، وذلك من خلال إعادة نشر إصداراته وجعلها متاحة للجيل الجديد، إلى جانب تنظيم عدد كبير من الندوات النقدية والفنية التي أُقيمت على مدى سنوات، وأسهمت في إنعاش الفضاء النقدي الخاص بأعماله المختلفة، وسلّطت الضوء على حياته وإرثه الكبير.
طبعًا لا يزال هناك الكثير مما ينبغي إنجازه. ففي الفترة القادمة، سنسعى إلى نقل هذا التراث إلى اللغة الإنكليزية، وتقديمه للقارئ الأجنبي الذي لم يتعرّف إلا على القليل من إصداراته المترجمة، إضافة إلى تأسيس منصة إلكترونية تضم كل ما يتعلق بإرثه كمبدع وكإنسان، وبالدور الريادي الذي لعبه في المشهد الفكري والوطني والاجتماعي.
(*) كيف تقرأ مآلات المشهد السياسي الراهن وتداعياته الممتدة منذ أكثر من عقد من الزمن؟ وبرأيك، كيف يمكن لليمنيين الخروج من هذا المأزق الذي يبتلع أحلامهم كل يوم؟الأزمة في اليمن معقّدة وصعبة، بل وكارثية أكثر مما نتصوّر. فاليمن مهدّد بالتمزّق، ليس على مستوى الجغرافيا فحسب، بل على ما هو أخطر من ذلك. مصالح الناس، وحياتهم، وكرامتهم، جميعها في خطر حقيقي ومنذ فترة. اليمنيون، للأسف، يعيشون حالة غيبوبة، قد لا يستيقظون منها إلا على واقعٍ لن يستطيعوا فهمه، ولا تخيّل كيف وصلوا إليه.
ولن يخرج اليمنيون من هذه المحنة إلا عبر بوابة السلام، أيًا كان معناه أو شكله، ومن خلال النضال السلمي لإصلاح الخراب وإطفاء الحرائق. أما ما عدا ذلك، فليس سوى دعوة إلى مزيد من الخراب والاشتعال. وعلى المثقف اليمني أن يخرج من حفرة الاستقطابات، تحت أي ذريعة، وأن يضع نفسه، ويجنّد جهده، في خدمة مشروع السلام. فما يمكن أن يتحقق عبر السلام والتفاوض أفضل ألف مرة، وأقل كلفة، وأكثر أمانًا، بالنسبة للمواطن اليمني، مما قد نصل إليه عبر الحرب واستثمارها من قبل اللصوص والطغاة.













































