اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
اختتم مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليَّات الأسبوع الدعوي الثالث والعشرين الذي نظَّمته اللجنة العُليا لشئون الدَّعوة بالمجمع في محافظة شمال سيناء تحت عنوان: (انتصارات أكتوبر بين ركائز الإيمان وعزائم الرجال)، في إطار حملة (على دَرْب الأبطال) التي أطلقها المجمع بالتزامن مع الذِّكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر، وذلك برعايةٍ كريمةٍ من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
وجاءت الندوة الختاميَّة في جامعة (سيناء) تحت عنوان: (مقوِّمات صناعة النصر ووسائله)، وحاضر فيها الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة، والدكتور محمود الهوَّاري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بالمجمع.
واستهلَّ الدكتور حسن يحيى كلمته بتأكيد أنَّ النصر مطلب الأمَّة الدائم وأملها الذي لا ينقطع، وأنَّ المولى -سبحانه وتعالى- جعل له أسبابًا ومقومات، ووسائل وطرقًا؛ فمن أخذ بها وأحسن استيفاء شروطها أعانه الله وبلَّغه غايته، ومن تخلَّف عنها تخلَّف عنه النصر بقدْر ما فاته من أسباب القوة والتمكين، مبيِّنًا أنَّ النصر في المنظور الإسلامي لا يقوم على التمنِّي أو انتظار النتائج دون عمل؛ وإنما يرتبط بسُنن إلهيَّة ثابتة، والأخذ بالأسباب المشروعة، وبذل الجهد واستفراغ الوسع، مع صِدق التوكُّل على الله تعالى.
وأوضح الدكتور يحيى أنَّ الحديث عن صناعة النصر هو في حقيقته حديث عن بناء الإنسان القادر على مواجهة التحديات، وإعداد المجتمع القادر على تحمُّل المسئوليَّة، والتمسُّك بالقيم التي تحقّق له القوة والثبات في مواجهة الأزمات، لافتًا إلى أنَّ النصر لا يُختزل في الغلبة المادية أو التفوُّق العسكري؛ وإنما هو ثمرة للتكامل بين الأخذ بالأسباب الظاهرة والاعتماد على الله تعالى، وقد بيَّن القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة الشريفة هذه المعاني في نصوص محكمة تؤكِّد أنَّ النصر ثمرة لأسباب وشروط، وأنَّ تحقيقها وحُسن الأخذ بها من أسباب القوة والتمكين.
البحوث الإسلامية يعلن نتيجة المرحلة الثانية لاختبارات ابتعاث رمضان 1448هـالبحوث الإسلامية يعقد الملتقى التاسع.. شبهات وردود حول التكرار في القرآن
وأشار الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة إلى أنَّ الأمَّة حين تستوعب هذه الحقيقة تدرك أنَّ صناعة النصر تبدأ من داخل الإنسان؛ بإصلاح عقيدته وإرادته ووعيه وأخلاقه، ثم تمتدُّ إلى المجتمع من خلال التعاون والتماسك والانضباط وإتقان العمل؛ بما يجعل النصر ثمرةً لمنظومة متكاملة من الإيمان والعمل والصبر والثبات.
وتابع أنَّ من أعظم المقوِّمات النفسيَّة للنصر الثبات في مواجهة العدو عند اللقاء، وعدم الفرار أمام التحديات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، موضِّحًا أنَّ الثبات قيمة راسخة تعني قدرة الإنسان على التمسُّك بمبادئه وأهدافه وعدم الانهيار أمام الضغوط والتحديات، وأنَّ القرآن الكريم ربط بين الثبات والذِّكر؛ لأنَّ القلب إذا تعلَّق بالله واستمد منه القوة والطمأنينة استطاع مواجهة أشد الظروف بثبات واتزان.
ولفت الدكتور حسن يحيى إلى أنَّ الإنسان حين يدرك أنَّ النصر بيد الله لا يستسلم للخوف، ولا يسمح لليأس أن يتسلَّل إلى نفسه، وإنما يبذل ما يستطيع من أسباب القوة، ويواصل طريقه بثقة وصبر، مؤكِّدًا أنَّ الثبات يحفظ للإنسان قدرته على التفكير واتخاذ القرار والمبادرة في المواقف الصعبة، ويعينه على تجاوز المِحن.
واختتم الدكتور يحيى أنَّ من أعظم الوسائل المؤدية إلى النصر إصلاح ما بين أفراد المجتمع، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، مبيِّنًا أنَّ الآية جمعت بين تقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، وهي معانٍ تمثِّل أساسًا متينًا لبناء القوة الجماعيَّة؛ لأنَّ المجتمع الذي يُصلِح أفراده ما بينهم، ويجتمعون على الحق، ويتجنبون النزاع والخصومة؛ يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافه، مشيرًا إلى أنَّ صناعة القوة تبدأ من إصلاح الداخل، وبناء إنسان قوي الإيمان، سليم الإرادة، واعٍ بمسئوليَّته، وقادر على العمل مع الآخرين في إطارٍ مِنَ التعاون والتكامل.
مِن جانبه، قال الدكتور محمود الهوَّاري: إنَّ مقوِّمات صناعة النصر يمكن إجمالها في أربعة أمور رئيسة، يأتي في مقدِّمتها: الإيمان بالله تعالى، بوصفه الركيزة الأولى التي يقوم عليها كل عمل ناجح؛ لأنَّ الإيمان القوي بالله يمنح الإنسان القدرة على مواجهة الصعاب، ويجعله أكثر ثباتًا في المواقف، ويدفعه إلى إخلاص النيَّة لله تعالى، فلا يكون العمل بحثًا عن مجد شخصي أو منفعة عابرة؛ وإنما يكون أداءً للواجب وتحقيقًا للمصلحة العامَّة.
وأضاف الدكتور الهوَّاري أنَّ سيرة النبي ﷺ تقدِّم نموذجًا واضحًا في الجمع بين قوة الإيمان وحُسن التوكُّل، مستشهدًا بما حدث في غزوة (بدر الكبرى)؛ إذ توجَّه النبي ﷺ إلى ربِّه بالدعاء وألحَّ فيه حتى أشفق عليه أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- وقال له: «يا رسول الله، إنَّ الله منجزٌ لك ما وعدك»، مشيرًا إلى أنَّ ذلك يجسِّد الثقة بالله مع الأخذ بما يمكن من أسباب النصر.
وتابع الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ المقوِّم الثاني يتمثَّل في الأخذ بالأسباب وإعداد العُدَّة إعدادًا جيدًا، مؤكِّدًا أَّن التوكُّل على الله لا يعني ترك الأسباب أو انتظار النتائج دون عمل؛ وإنما أن يبذل الإنسان ما يستطيع من جهد، ثم يفوِّض أمر النتائج إلى الله تعالى، وقد ظهر ذلك في حياة النبي ﷺ، ومن ذلك: ما حدث في الهجرة النبويَّة؛ إذ أعدَّ للأمر إعدادًا دقيقًا، واختار الصاحب، واستعان بأهل الخبرة، ورتَّب تفاصيل الطريق، واستعان بمن يأتي بالطعام، واختار الدليل الذي يعرف مسالك الصحراء، واتخذ مِنَ التدابير ما يضمن نجاح الرحلة.
ولفت إلى أنَّ ذلك يؤكِّد أنَّ الإيمان لا يتعارض مع التخطيط، وأنَّ حُسن التوكُّل لا يلغي ضرورة الإعداد، بل إنَّ من تمام التوكُّل أن يأخذ الإنسان بالأسباب المتاحة، ويحسن التخطيط، ويستعد لكل الاحتمالات، موضِّحًا أنَّ النصر لا تصنعه الأماني؛ وإنما الإرادة الواعية والعمل المنظَّم والاستعداد الجيِّد.
وأشار الدكتور محمود الهوَّاري إلى أنَّ المقوِّم الثالث هو الصبر، فلا يمكن للإنسان أن يبلغ أهدافه أو يتجاوز الأزمات دون قدرة على التحمُّل ومواصلة الطريق، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، مبيِّنًا أنَّ الصبر في الإسلام ليس استسلامًا للواقع ولا قبولًا بالضعف؛ وإنما قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في أداء واجبه، وتحمُّل المشقَّة، وعدم التراجع عند أول عقبة.
وأوضح الدكتور الهوَّاري أنَّ كثيرًا من المشروعات والأهداف قد تتطلَّب وقتًا طويلًا حتى تؤتي ثمارها؛ ولذلك يحتاج الإنسان إلى الصبر على التعلُّم والعمل والإصلاح، والصبر على مواجهة الأزمات، والصبر على أداء المسئوليَّة، لافتًا إلى أنَّ الأمَّة التي تمتلك الإيمان وتأخذ بالأسباب وتتحلَّى بالصبر تستطيع تجاوز كثير من المِحن؛ لأنَّ الصبر يحفظ للإنسان توازنه، ويمنحه القدرة على مواصلة العمل حتى تتحقَّق النتائج المرجوة.
كما أشار إلى أنَّ المقوِّم الرابع هو الأُلفة والاجتماع، موضِّحًا أنه بعد الإيمان بالله، والأخذ بالأسباب، والصبر، لا بُدَّ من اجتماع الكلمة ووَحدة الصف، وأن يكون أبناء الأمَّة يدًا واحدة؛ لأنَّ التفرُّق يبدِّد القوة ويمنح الخصوم فرصة لإضعاف المجتمع، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
وأكَّد أنَّ الوَحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات؛ وإنما ممارسة عمليَّة تقوم على احترام الاختلاف، وتقديم المصلحة العامَّة، والتعاون في مواجهة التحديات، وعدم السماح للخلافات بأن تتحوَّل إلى صراعات تستنزف طاقات المجتمع، مشيرًا إلى أنَّ قوة الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من إمكانات مادية؛ وإنما بقدرتها على جمع أبنائها حول أهداف مشتركة، وتحويل التنوُّع إلى مصدر قوة، والعمل بروح الفريق الواحد.
واستطرد أنَّ الأمَّة تحتاج إلى أن تكون يدًا واحدة، وأنَّ الاختلاف في الأصول والأعراق والبلدان لا يحُول دون الاجتماع حين تتوحَّد الغاية والمقصد، مستشهدًا بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ، فقد جمع بينهم القُرشي والفارسي والرومي وغيرهم، واختلفت أصولهم وألوانهم وبلدانهم، لكنهم اجتمعوا على الإيمان والرسالة والهدف، وتحوَّل هذا التنوُّع إلى قوة حضاريَّة وإنسانيَّة، ذاكِرًا قول النبي ﷺ: «مَثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى»، مبيِّنًا أنَّ هذا المعنى يؤسِّس لمجتمع متماسك يشعر فيه كل فرد بمسئوليَّته تجاه الآخرين، وأنَّ قوة المجتمع تتحقَّق حين يشعر أفراده بأنهم شركاء في المسئوليَّة، وأنَّ نجاح أحدهم نجاح للجميع، وأنَّ ضعف أحدهم يستدعي من الآخرين الوقوف إلى جواره ومساندته.
وفي ختام كلمته، أكَّد الدكتور محمود الهواري أنَّ مفهوم النصر في الإسلام أوسع وأشمل من أن يُحصر في صورة واحدة أو مجال واحد؛ فقد يكون عسكريًّا، أو علميًّا، أو عمليًّا، أو أخلاقيًّا، أو اجتماعيًّا، وقد يتحقَّق في قدرة الإنسان على تجاوز جهله، أو نجاحه في بناء نفسه، أو إسهامه في تقدُّم مجتمعه، أو انتصاره على الضعف واليأس والتراجع، لافتًا إلى أنَّ الأمَّة التي تريد صناعة النصر الحقيقي لا بُدَّ أن تنظر إليه بوصفه مشروعًا متكاملًا يبدأ من #بناء_الإنسان، وترسيخ الإيمان، وإتقان العمل، وحُسن التخطيط، والتحلِّي بالصبر، وتحقيق الوَحدة، والارتقاء بالأخلاق، كما أكَّد أنَّ النصر الحقيقي هو امتلاك الأمَّة أسباب القوة في العِلم والعمل والقِيَم، وقدرتها على حماية مقدَّراتها وبناء مستقبلها، والإسهام في إعمار الأرض وخدمة الإنسان؛ بما يجعل النصر ممتدًّا إلى مختلِف مجالات الحياة، وليس محصورًا في لحظة مواجهة أو حدث عابر.
وجاءت فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي في محافظة شمال سيناء بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تنوَّعت الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تناولت عددًا مِنَ الموضوعات؛ من بينها: مقوِّمات صناعة النصر ووسائله، ودور مصر عبر التاريخ في حماية العرب والإسلام، ومكانة العقيدة الإسلاميَّة بوصفها ركيزةً أصيلة في تحقيق النصر، وأهميَّة التخطيط وأثره في صناعة النصر، إلى جانب دور المرأة في صناعة النصر، فضلًا عن استعراض #نصر_أكتوبر بوصفه حلقةً في سلسلة انتصارات القوَّات المسلَّحة.


































