اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
سعيد السوقايلي *
يثقبُ صمتَ الليل دويٌّ منتظمٌ كدقات قدرٍ غاضب. إنها الثانية صباحًا، الموعد المقدس لانتفاضة الجدران. كعادتنا، نخرج من شرانق نومنا الممزق، نمشي في الردهات بخطى السرنمة، عيوننا نصف مغمضة وقلوبنا محملة بفيض من الحنق. نحن سكان العمارة، الذين لم نكن قبل ذلك سوى أرقام خلف أبواب مصفحة، نتبادل التحايا الباردة في المصعد كغرباء جمعتهم صدفة جغرافية، نجد أنفسنا الآن نصعد الدرج كجوقة تعيسة، تقودها أقدامنا نحو الطابق الأعلى، نحو الشقة رقم 20.
هناك، خلف ذلك الباب الخشبي الصامت صمت المقابر، تسكن سيدة خمسينية، اتخذت من الوحدة متراسًا، ومن الصمت الذي يسبق العاصفة عقيدة. نخمن في وقفتنا: هل هي أرملة ترثي غيابًا؟ أم أنها آثرت عزوبية قهرية بعدما خذلها العالم؟ لا أحد يعرف. كل ما نعرفه أنها لا تطيق الحياة؛ يزعجها أدنى صوت، اصطفاقة خفيفة لباب، أنين المصعد، صرير الدواليب والجوارير، صليل المواعين في المطابخ المجاورة... لقد أعلنت حربًا شعواء على ضجيجنا الاعتيادي لتستبدله بضربات عمودية تسري في مفاصل العمارة، وفي أرواحنا أيضًا.
تتحول العمارة في يدها إلى آلة موسيقية مشوهة؛ تارة تطلق عنان موسيقى صاخبة تزلزل سكينة الليل، وتارة آيات القرآن تنساب بصوتٍ جهوري؛ لا تقربًا بل احتجاجًا، ثم تتبعها بضربات بآلة صلبة على كبد الأرض. لم تكن ضرباتها إزعاجًا فحسب، بل كانت زلزالًا عموديا يسري في مفاصل الإسمنت، يفزع الرضع في مهودهم، ويجعلنا نشعر أن سقف العمارة يوشك أن ينهار على رؤوس أحلامنا.
'أنتم تعيشون، وأنا أتكوم على وحدتي !' كانت هذه صرختها المكتومة التي نستشعرها خلف بابها الموصد على سرها المكنون.
لكن، ويا للمفارقة! في تلك اللحظات التي كنا نكِلُّ فيها من الاحتجاج أمام بابها المنيع، بدأت تحدث المعجزة. حين نكف عن الصراخ، نبدأ بالكلام. هناك، في الممر الضيق، بدأ الجار الغريب يسأل جاره المنسي عن حاله. تلاشت برودة الأبواب المصفحة أمام دفء الحكايا الاضطرارية.
لقد أعادتنا سيدة الشقة 20 إلى زمن الأحياء الشعبية الذي سلبته منا صناديق الإسمنت. هذه العمارة الأشبه بتمثال منتصب بلا روح، بدأت تنبض بالحياة نكايةً في الضجيج. النسوة اللاتي لم يكنّ يعرفن سوى أسماء بعضهن على صناديق البريد، صرن يجتمعن فوق السطح، يقتسمن القهوة والضحكات العالية التي تعانق السماء. والرجال، هبطوا من أبراجهم المعزولة ليتجمعوا عند رأس الدرب، يستعيدون مراهقة منسية في مباريات كرة قدم حماسية، يركضون خلف الكرة كأنهم يطاردون أعمارهم الهاربة.
في ليلةٍ ما، ونحن وقوفًا بانتظار نوبة الضرب الجديدة، نظر أحدنا إلى الباب رقم 20 بامتنان غريب وقال: 'علينا أن نشكرها... لولا جنونها لبقينا غرباء تحت سقف واحد'.
انفجرنا بالضحك، ضحكٌ طهّرنا من غضب السنين، وكان لسان حالنا يهمس في سرّه: 'والله صدقت! لقد كانت هي الجسر الذي عبرنا عليه لنلتقي ببعضنا'.
* قاص من المغرب.













































