اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
سَتُمَثِّل الدوائر القضائية الاقتصادية في الكويت ابتداءً من أكتوبر 2027، قفزةً نوعيةً للمصطلح الحديث: «العدالة الناجزة»؛ أي القادرة على الفصل المتخصِّص، والمرن، والسريع للمنازعات. حيث إنَّ وجود محاكم متخصِّصة اقتصادياً هو خطوةٌ استراتيجيةٌ نحو تحويل البلاد إلى مركزٍ ماليٍّ وتجاريٍّ إقليميٍّ جَاذِب للاستثمارات.
أولاً: فلسفة التخصُّص القضائي.. من تَجزِئَة النزاع إلى الاختصاص الشامل
استَنَدَت الفلسفة التشريعية لمرسوم إنشاء الدوائر الاقتصادية 88–2026 على ما يلي:
1– التخصُّص الدقيق ومرونة الإجراءات
تمَّ نقل اختصاصات النظر في النزاعات المتعلقة بقوانين الشركات، والأسواق المالية، وحماية المنافسة، والإفلاس، والوكالات التجارية؛ إلى دوائرٍ متخصِّصةٍ تَضُمُّ قضاةً وخبراء مؤهلين في الجوانب المالية والاقتصادية.
هذه الدوائر ستكون ملزمةً تبنِّيَ آليات التقاضي الإلكتروني، وتقليص الآجال الزمنية لتبادل المذكرات؛ ممَّا سَيَضمَن اختصار الدورة المستندية للقضايا بشكلٍ «غير مسبوقٍ» في تاريخ القضاء الكويتي.
2– الاختصاص الاقتصادي الشامل
فالدوائر الاقتصادية سَتَفصِلُ في النزاع باختصاصٍ اقتصاديٍّ شاملٍ لفروع النزاع التجارية المدنية والإدارية، أمَّا في السابق فقد كانت الدوائر التجارية السابقة تفصل في الشق التجاري للمنازعة، وكانت باقي فروع المنازعة -المدني والإداري- من اختصاص دوائر أخرى؛ ممَّا يُشَتِّت المنازعات، ويفتح الباب لصدور أحكامٍ ماليةٍ متناقضةٍ في بعض الأحيان.
3– الدمج بين الاختصاص النوعي والقيمي
ستكون الدوائر الاقتصادية مُختَصَّةً نوعياً، إذا تجاوزت قيمة الدعاوى 100 ألف دينار، وذلك في العديد من اختصاصاتها؛ مثل منازعات البنوك وأسواق المال.
ثانياً: العدالة الاقتصادية.. عقيدة قضائية جديدة
إنَّ جوهر هذا التحوُّل التشريعي يَكمُنُ في فكِّ الاشتباك بين البيروقراطية القضائية، وحيوية الأسواق. بتحليل أبعاد هذا المرسوم، نَجِدُ أنَّه يَهدِفُ لرَفعِ تصنيف الكويت في المؤشِّرات الدولية لسهولة ممارسة الأعمال. فالقاضي الاقتصادي اليوم لا يَتَسَلَّحُ بالنص القانوني الجامد فقط، بل يَمتَلِكُ فِهمَاً عميقاً لآليات السوق، والميزانيات العمومية، وحركة الأسهم؛ ممَّا سَيجَعلُ عقيدة القاضي الجزائي عميقةً في إدراكها للعدالة بالصبغة الاقتصادية، وهو ما سَيُحَافِظ على الكيانات الاقتصادية من أحكامٍ قضائيةٍ تضرُّ بِتَوَازُنِهَا المالي.
ثالثاً: مثال عملي من الواقع الاستثماري
لنتصوَّر نِزَاعاً نشأ بين شركة محليةٍ وجهةٍ حكوميةٍ مع مستثمرٍ أجنبيٍّ حَوْلَ بنودِ عقدِ شراكةٍ في مشروعٍ تكنولوجيٍّ ضخمٍ، تَخَلَّله اتهامٌ بالإخلال بقواعد الإفصاح والشفافية الصادرة عن هيئة أسواق المال. في السابق، كان مثل هذا النزاع يَستَغرِقُ سنواتٍ بين محاكم أسواق المال التجارية والإدارية وادارة الخبراء لتحديد حجم الضرر الذي يتغيَّر كل ساعة في البورصة. أما اليوم، وفي ظلِّ الدوائر الاقتصادية، ستُحَالُ القضية مباشرةً إلى دائرةٍ تفهم «لغة» أسواق المال، وتَستَعِينُ ببيوت خبرةٍ مُتَخَصِّصةٍ، ثم يَصدُرُ حكمٌ قطعيٌّ وعادلٌ في مدةٍ زمنيةٍ قياسيةٍ تُرَاعِي سرعة تغيُّر القيم في البورصة بلغة العدالة الاقتصادية.
رابعاً: الأثر العميق «كويت جديدة 2035»
يُرسِلُ وجودَ محاكمٍ اقتصاديةٍ شاملةٍ، رسالةَ طمأنينةٍ واضحة ورسمية إلى الأسواق العالمية بأنَّ البيئة الاستثمارية في الكويت مُحَصَّنةٌ ومَحمِيةٌ وفق أصول التقاضي.
هذا بِفِعلِ التخصُّص القضائي الذي يُعَدُّ الركيزة الأساسية لتدفُّق الاستثمارات الأجنبية، وهو ما تَسعَى الرؤية التنموية «كويت جديدة 2035» لتحقيقه.
فالغاية العميقة من إنشاء دوائرٍ قضائيةٍ اقتصاديةٍ، هو خلقُ مناخٍ جاذبٍ للاستثمار، يُطَمئِنُ المستثمر بأنَّ مُنَازَعَاتِهِ سَتَحظَى بمعاملةٍ قضائيةٍ تقرأ الحيثيات بلغة اقتصادية متخصِّصة. هذا المناخ الإيجابي سَيَمُدُّ الاقتصاد الكويتي بسيولةٍ استثماريةٍ جديدةٍ، وهو ما تطمح إليه «رؤية كويت جديدة» من حيث تنويعَ مَصَادِرِ الدخل الوطني إضافةً للنفط، بما يُسهِم في بناء اقتصادٍ مستدامٍ قائمٍ على المعرفة والتخصُّص والريادة التجارية والجاذبية الاستثمارية.
المحامية فاتن النقيب


































