اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إبراهيم خليل*
منذ روايتها الأولى «سحابة أورت» (2023)، أبدت الكاتبة ابتسام الحسبان اهتماماً بتجريب أشكال سردية تتجاوز الحكاية التقليدية، من خلال البناء الشذري وتعدد المقاطع وتداخل الأصوات. ويتواصل هذا الاشتغال في مجموعتيها القصصيتين «هاوية مشرقة جداً» (2024) و«موتى بلا جثث» (2026)، حيث تتسع الحكاية لأسئلة الحرب والفقد والذاكرة، وتتحرك شخصياتها بين واقع مثقل بالخراب وعوالم غرائبية تكشف هشاشة الوجود الإنساني. في رواية «سحابة أورت»، اختارت الكاتبة تبويباً يقوم على تقسيم النص إلى ثلاثة أقسام: «صيف 1» و«صيف 2» و«صيف 3»، يتفرع كل منها إلى مقاطع مرقمة تتألف من شذرات متفاوتة الطول، تفصل بينها ثلاث نجوم. وتبدأ الشذرات بتعليقات تحليلية تكشف أعماق الساردة، التي تؤدي دوراً مزدوجاً بوصفها راوية الأحداث وشخصيتها الرئيسة، وتلقي بأضوائها وظلالها على بقية الشخصيات وتدفق الحكايات.
وفي مجموعتها القصصية «هاوية مشرقة جداً» (2024)، تستوقفنا قصة «فئران»، التي تبدو للوهلة الأولى حكاية مألوفة سبق تناول موضوعها في أعمال أدبية أخرى. فالبطلة تسمع أصواتاً متكررة تأتي من خلف خزانة الملابس في غرفة نومها، وتظن في البداية أن جارتها تنظف الحائط في منتصف الليل، لكن استمرار الأصوات يدفعها إلى استبعاد هذا الاحتمال. وبعد أسبوع، تعثر على فضلات فئران داخل أدراج الخزانة، وتكتشف أن بعض ملابسها وأوراقها تعرضت للقرض والتمزيق. وحين تخبر زوجها، الذي نادراً ما يوجد في البيت، بما تسمع وترى، يجيبها بغير اكتراث: «هذا كله تهيؤات».
ولا يبدي أدنى اهتمامه بمخاوف الزوجة من هاتيك المخلوقات التي تشاركها غرفة النوم، وتسبب لها ما لا يطاق من الإزعاج، وفي مقدمة ذلك الحرمانُ من النوم. ومثل هذا الذي ترصُده الكاتبة في القصة يشفُّ عن حقيقة يكادُ ينساها الكثيرون، فاعتيادُ الأشياء، سواء أكانت سارَّة مبهجة، أم مؤلمة مزعجة، يشبه التطبيع الذي يكثُر الحديث عنه فيما يقال عن أوضاعنا. فتبدو لنا مثلما تبدو أخيرا لبطلة القصة شيئا عاديا، ومعتادا، لا هجنة فيه، ولا شذوذا. وقد تَرْمي الكاتبة في هذه القصة ـ من باب التأويل المضاعَف، أو تأويل المؤوَّل، على رأي أمبرتو إيكوEco – للتعبير عن اعتياد الألم، وعدم الإحساس به، كالذي يتَّصف به الأعراب في هذه الأيام من لا مبالاة وهم يصغون، ويرَوْن، ما يقالُ، ويبث، في نشرات الأخبار – مسموعة أو مرئية – في قنوات فضائية عن الإبادة الجماعية، والتجويع، عن كثب منا، فهذا الذي يجري في بيت الزوج يعادل بدلالاته المحدودة، وضيق معناه، ذلك الانطباع على فظاعته، وما فيه من مأساة. وموقف الزوج الذي يبدي الكثير من عدم الاكتراث بما يجري في غرفة نومه، كموقف أصحاب القرار الذين يظهرون هم أيضا عدم الاكتراث بما يجري في جوارهم، على الرغم من أنه شيء تهتزُّ له الدنيا في الغرب، والشرق، وذلك ما لا تخفيه أيضا نشراتُ الأخبار منطوقة ومُصوَّرة.
تطبيع
ومثلما استوقفتنا قصة «فئران» تستوقفنا في مجموعتها الجديدة «موتى بلا جثث « (دار الآن، 2026) قصة «اليوم التالي للحرب» التي تتألف من سبع لحظات سردية، كلٌ منها تقود للأخرى، مما يعطي المتلقي انطباعا عن سلاسة السرد، وتماسُك النص. وذلك شيء يندر في القصة القصيرة التي تتخللها في العادة فجوات taps فالساردة تحاول المشي بصعوبة بين الأنقاض التي تحمل بما فيها من تعثر ملامح الحرب التي تشعرها بأنها كائنٌ صغيرٌ يتعلم المشيَ بين الركام. وعلى نحو مُباغتٍ فوجئت هذه المتعثرة بسعاد، التي تحمد لها الله لاصطبارها على ويلات الحرب، وأهوالها، مطمئنة لمحبته وتعويضها عما تهدَّم ببيتٍ في الجنة. وهذا موقف يكاد يكون طبيعيا عاديا يتحدث فيه الصغار بلهجة إيمانية كإيمان العَجائِز. وهو أيضا ما تفكر فيه الساردة إلا أنها تفضل بيتا في الدنيا. وبكل بساطة ترى أن ما حل بالمكان من فسادٍ، وتدمير، وخرابٍ، وتقويضٍ، مأساةٌ لا يمكن أن تفوقها مأساة في الكون.
في الأثناء تشير الساردة لجلبة في الممر الآتي من البيت الذي أعيد بناؤه بعيد الحرب السابقة. وهذه لمسَة أخرى عفْويَّة من الكاتبة تنم عن أن المكان الذي أفسدته هذه الحرب شهد حروبا سابقة، وتدميرا، وإعادةَ عمران. ومن هو كريم الذي ُذكر اسمه في هذه اللحظة التي علا فيها الصَخَبُ؟ شهيدٌ لم يجدوا من جسمه سوى يديه، وقطعةٍ من ملابِسِه. نموذج من الآلاف الذين قتلوا، وتناثرت أجسادهم أشلاء بهذه الصورة. كان البيتُ قد استهدفته دبابة في اليوم الثالث والسبعين بعد المئة من الحرب. تراجعت الساردة في الأثناء، وتذكرت (زهرة) التي أصابتها مُسيَّرةٌ في شارع الرشيد، فيما كانت تردِّدُ بصوتها الرخيم أغنية عن بحر غزة. وعلى وقع هذه الأغنية التي توقفت، راحت الساردة ترنو لأبيها، وهو يحيط أجزاء من الخيمة تسمّى مطبخا، بقطعة من القماش المتطاير في الهواء، وفي الجانب الآخر الأمُّ تدعو لمن قتلوا واحدا تلو الآخر، فيما كانت الساردة تسمع اسمها فيمن تدعو لهنَّ، فأخذت تتحسَّس جسدها لتتأكد ما إذا كانت صمدت لليوم التالي من الحرب، أم أنها هي الشهيدة.
عزلة فسيحة
هذه الحيرة بين الحياة والموت التي تعاني منها الساردة تهيمن على المعتقل الذي مُنح عزلة فسيحة في زنزانة، فيحاول أن يقنع نفسه بذلك الاتساع، على الرغم من أن الفسحة لا تتسع لا لجسمه الذي يملأ السرير، ولا لرأسه الذي يضج بأفكارهِ، ولا لعينيه اللتين تطلان من ثقب يسمى نافذة، فيرى عالما وراءَ الجدران يملأ رأسَهُ، فيضيق به السِجْن. أما البطلة إذا جازَ التعبير في قصة بستان الجنيّات فتعاني هي الأخرى مما تعانية سائر النساء في القِصَص؛ القلق من أن الحياة تعبٌ، ومع ذلك نرغب بالزيادة منها وفيها. فحياة واحدة قد لا تكفي، وقد تكفي، ولأنها ترغبُ في المزيد، تكابرُ، زاعمة أن واحدة تكفي. فلم إذن تحاول استعادة الذكريات؟ أليسَ البحثُ عنها، واستعادتُها، ضربا من الطمع في حياة أخرى؟
الأرنب العجيب
في خيمة العجائب تقترب المؤلفة من السرد الغرائبي. فالأرنب ذو الفرو القطني الأبيض، والذنب القصير، المتكوّر، يلوح للساردة بالساعة التي تشير إلى الوقت، وتعبر عن مرور الزمن، داعيا، ملحّا لكي تتبعه فقد ترى شيئا عجبا. وانسل في خيمة تقع على طرف قصيٍّ من المخيم. خيمة صغيرة جدا. وتبعته لتكتشف ما هو أغرب من العجائب، فالخيمة الصغيرة تبين لها أنها من السعة بحيث تتسع لمدينة أقامت فيها ذات يوم. والذي يؤكد لها ذلك، ما تجده فيها من شجرة ياسمين شامية تهدلت فروعها على مدخل البيت، وخالات وعمات يتحدثن كالعادة بعضهن إلى بعض، وأطباق من الطعام تثير شهية الساردة، وعلى نحو مفاجئ دوَّت الأعيرة النارية، وتصاعد صوت القصف متبوعا بالانفجارات، واختفى كل شيء: الساعة، والأرنب، والأرجوحة، وها هي ذي في العراء، تنتظر قدوم الساعة. فالسردُ – ها هنا – يعتمد على حكاية رموزها لا تقع في دائرة الاحتمال، وقبول المحاكاة. فالأرنب العجيب يظن أن القيامة قد حان موعدها، أو فات موعدها بكلمة أدق، والعالم كله على كفِّ عفريت، وهذا هو الدليل. وشعور الساردة بالوحدة في العراء، وقد انتهى كل شيء، توكيدٌ، لا يقبل الشك، لصحة ما تتوقعه الأرانب، فالأرانب مثلما تقول الخبرة عنها من أكثر الدواجن شعورا بالخوف، وإحساسا بالخطر. فهو اختيار موفق سواء قصد ذلك بذلك، أم جاء اتفاقا عن غير قصد.
صحافية
في قصة لافتة للنظر بعنوان «عن الحب والحرب «تروي لنا ابتسام الحسبان في نص اختزلت مشاهده المتعددة في مشهد واحد يخلو من الفجوات. فالصحافية زوجة الصحافي حاتم، الذي حل بغزة أثناء الحرب، ولم تسلم خيمة الصحافيين من قذائف النتن ياهو، تتساءل عما جاء بها من أمريكا- مثلا- مع حاتم الذي أغراها باعتناق الإسلام. فصامت وصلت خلف أم حاتم، ورددت آياتٍ وأدعية لا تفهم إلا القليل من معانيها. تحاول في لحظة بين الشك، واليقين، أن تغادر ما دام حبيب القلب قد رحل مع الراحلين، واستشهد مع الشهداء الخالدين. وفي الأثناء، والسيارة الصفراء تتجه بها إلى المطار في عمان، يعتادها الحب من جديد، فتلعن الحرب، ودعاتها من الإسرائيليين، وتطلب من السائق تغيير الاتجاه نحو الجسر الذي سيعيدها إلى حيث غزة. فهي لا تريد عالما لا حاتم فيه، ولا مكان فيه لذكراه: أخرجت بطاقتها الصحافية، وشرعت تجري مكالمة لتضمن عبورها للضفة الأخرى. قد يقال: إن الجيد في هذه القصة هو أنها ليست مباشرة، وبعيدة عن الخطابيّة السياسية، والشعارات، ولكنها من حيث البناءُ كأنها الديباج الخسرواني، على رأي الأصمعي، يستحسنها القارئ من دون أن يعرف سبب ذلك الاستحسان، فعندما يقع التأثير، لا حاجة بنا للتفسير.
*كاتب أردني













































