اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
عبد العزيز أمزيان*
«عتبة تشايكوفسكي» الديوان الشعري الرابع للشاعرة أمل الأخضر، طبع بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع الثقافة – منشورات بيت الشعر في المغرب، مطبعة دار المناهل سنة 2022، وقد جاء في حلة أنيقة، من الحجم المتوسط. يقع الديوان في مئة وخمس وعشرين صفحة، ويضم خمسا وثلاثين قصيدة. تتفاوت بين الطويلة والمتوسطة والقصيرة.
بشفافية عالية، تفصح عن روح رقيقة، تمضي الشاعرة أمل الأخضر، في ابتكار عوالمها التخييلية، بكثير من الإنصات الصوفي الحارق، كأنها تود بهذه الحالة، أن تتعطر من صفاء عميم، وبرهافة لطيفة، تنم عن وجدان حساس، تنصرف إلى خلق أكوانها التصويرية، بزخم من التماهي الروحي اللافح، كأنها تتوق عبر هذا الطقس، إلى أن تتنشق من نقاوة غامرة، لتكون في أتم الحلم، وتكون في ذروة الهيام، وتكون في غاية الشغف، لا يعكر صفو مزاجها شيء، ولا تشوب أفق تحليقها شائبة، تكون أشبه بمن استيقظ توا من الكون الأول، ليستقبل الأصوات من فجره الخالص، وتكون مثل من استفاق من الزمن الماضي، ليتلقى الأجراس من سحره الصافي، لذلك يتفتق ذهنها بإشراقات متقدة، غارقة في الجمال والحسن، وينكشف وجدانها بالتماعات متوهجة، مغمورة بالبهجة والنضارة.
أَمْضِي.. وَأُحَرِّضُ الأُغْنِيَاتِ فِي صَدْرِي، وَالْكَمَنجَاتِ الرَّاقِدَةَ فِي جُيُوبِ
الذَّاكِرَةِ، وَأُحَرِّضُ أَيْضا الدَّندَنَاتِ العَالِقَة بِحُنْجُرَتِي، مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ.
أَمْضِي وَلَا أَطْمَعُ فِي أَيِّ شَيْءٍ، وَأُهَيِّئُ كُلَّ شَيْءٍ: السَّتَائِرَ العَاكِسَةَ لِأَشِعَّةِ
الرُّوحِ، وَالمَائِدَةَ بِصَحْنَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، الشَّمْعَ بِضَوْءٍ خَافِتٍ، أُسْطُوَانَاتِ الزَّمَنِ
الجَمِيلِ، ونثَارَ زَهْرٍ مرشوش عَلَى صَفْحَةِ سجَّادٍ تُرْكِيٍّ. (من قصيدة أمضي في الحب)
الكلمات/ الأصوات، كأنها تخرج من عطر الغيم، كزفرة دافقة بدم الصلصال، تنساب بلذاذة شفيفة، وتنبثق من صدى الطين، كشهقة غزيرة بنجيع التراب، تتسلسل بروعة مدهشة، ترى عبرها الوجود وكأنه يرخي ظلاله الأولى على خرائط الأرواح، فيلقي فيها النور والشعاع والخيوط، التي توصلك إلى جوهر الحياة، وتشاهد خلالها الكون، وكأنه يسدل أفياءه المديدة، على جغرافيات الأفئدة، فيمدها بالومض والبريق والنفحات، التي تنقلك إلى لب العمرː
في الحُبِّ فَرَاشَاتُ الرُّوحِ مِن كوَاتِ القَلْبِ تَتَنَاثَرُ، طَرِيقٌ أَعْمَى، وَعصَا
الرُّؤْيَةِ تَتَكَسَّرُ، نَوَارِسُ اللهِ غَيْمَاتٌ تُظَلِّلُ سَفِينَةَ عُشَّاقٍ تَاهَتْ.
فِي الحُبِّ، بُرُوقٌ وَنِيرَانٌ.. خَطَايَا وَصَبوَاتٌ.. طِينٌ وَصِلْصَالٌ، وَأَيَادِي
العِشْقِ تُحَاوِلُ. (قصيدة في الحب)
الكلمات تنضح بالشعر، وتفيض بالأخيلة، كأنها آتية من عالم شفيف، المفردات ترشح بالبوح، وتمتلئ بالأطياف، كأنها نابعة من كون متسربل بالنور، يمر أمامك هذا الشعاع من الكلمات، فتشعر بأنك تستعيد مهد الحياة، ويعبر قبالتك هذا الوهج من المفردات، فتحس بأنك تسترجع منشأ الوجود، حتى الوجع الذي ينسرب من ثناياه، يكون بردا وسلاما على الروح، وبرقة تستوعب، والألم الذي ينبثق من طياته، ينزل بأمن ووفاق على القلب، وبخفة تحتمل، تدرك أنه حزن يرشفك برحيق غامر، ويحتسيك بنسغ فائضː
حزينة.. كشجرة زيزفون وحيدة
في صحراء شاسعة
حزينة.. كحصاة دحرجها اليم
وسحقتها خطوات خشنة
لصيادي الليل البهيم
حزينة كخطى عاشق مخذول،
وكعناق في فيلم قصير لم يكتمل (من قصيدة عازف سكسفون)
الحروف عذبة، كسحابة تنسكب في المدى، تغمرك بأحلام الميلاد، والألفاظ جميلة، كدوحة تملأ البصر، تفعمك بخيالات الطفولة، يشع منها ضباب غارق في كائنات الوجود، يومض من أبجديتها سديم منغمس في ذوات الكينونة، إنها حروف تفتح عينيك على رؤية الأشياء، في صميمها، وأصوات تملأ جفنيك على مشاهدة الأمور في جوهر معانيهاː
تَمرُّ الوُجوهُ غائِمَةً في رَأسي..
دونِ مَلامِحَ.
تَمرُّ خُيوطُ النُّورِ مُتَعَرِّجَةً تَتَراقَصُ،
تَمرُّ سَحابَةُ أَفكارٍ غَرْقى
تَمرُّ أَسْرابُ الطَّيْرِ.. مُهاجِرَةً
يَمُرُّ ضَبابٌ رَمادِيٌّ جِدًّا (من قصيدة دون ملامح)
الصور الشعرية فاتنة، كأنها آتية من أعماق روح مفعمة بالسحر والدهشة والإبهار، واللوحات التخييلية آسرة، كأنها نابعة من وجدان مملوء بالبهاء والروعة والرونق، الصور تتشكل من مجازات مبتكرة خلاقة، واللوحات تنشأ من استعارات ساحرة مبهجة، ترسم في العين مشاهد فنية، مزينة بتلوينات الحياة الفضلى، وتنحت في الروح مناظر جمالية، مزخرفة بلمسات الوجود الأبهىː
أستمر في الحياة
أعد الفطور لأمي،
أتعهد شتيلة صغيرة في باحة البيت،
ومثلها داخل صدري،
أعلق الثياب على سلك البلكونة
وأعلق أحلامي كما أربعين عاما أو أكثر، (من قصيدة أستمر في الحياة)
الدلالات التي رصدتها الشاعرة، تغوص في أعماق الروح، فتتراءى بتكثيف بلوري مشوق، والمعاني التي تولتها، تبحر في أغوار الوجدان، فتتبدى بزخم شفيف مثير، مضامين لها أبعاد إنسانية، رفيعة المقام، تنطوي على قيم وفضائل، فائقة الأثر، وإيحاءات لها جوانب عاطفية، جليلة المنزلة، تتضمن ثوابت ومبادئ، عميقة الوقعː
أيتها الموسيقى القادمة
ضجي، ارتفعي ارتفعي..
افتحي الأبواب الموصدة.
المواويل نائمة في حنجرتي،
أيقظيها من سباتها الطويل،
الدندنات في غرف الروح المعتمة، تنشج
أرخي سيولك
واملئي المكان غناء ودندنة. (من قصيدة دندنات)
لنا أن نتوقف عند هذا المقطع الشعري فحسب، لنلمس جوهر المعنى، ورهافة الإحساس، وقيم الحياة المثلى، التي تحرك الشاعرة، إلى ترجمة ما ينطوي عليه وجدانها من أحلام، ونرى سر الدلالات، والوجود البديع، وجمال الفضائل العليا، التي تهز مشاعرها، إلى مكاشفة ما انطبع عليه قلبها من رؤىː
أدندن طويلا، لكني لا أدعي الغناء
أثرثر كثيرا غير أني لا أدعي الشعر
أعصر خمرة العمر ولا أدعي الحكمة. (قصيدة لا أدعي الغناء)
…….
ما لم تنبس به الشفاه
ما لم تهم به الرعود الماطرة
يجرح الآن أوتار حلقي …
يريد أن يستريح (رعود ماطرة)
أتوقف هنا، لكن تواصلي مع قصائد ديوان «عتبة تشايكوفسكي»، سيظل متكرر الحدوث « ولهذا التكرار ما ينبئ عن حقيقة التواصل، فإن أحدنا ليقرأ القصيدة عدة مرات، وكلما فرغ من قراءتها مرة، شعر بأنها أحدثت في نفسه أمرا. فهو لا يقرؤها إلا من أجل أن يقف على متعة، لم تتح له أن يقف عليها من قبل، وأن يقع على معنى لم يكن قد انتهى إليه نظره وتفكيره في مرات سابقة» (سمير شريف استيتية. ثلاثية اللسانيات التواصلية. مجلة عالم الفكر، العدد 3، المجلد 34، يناير-مارس 2006).
سيظل تواصلي مع عوالم الديوان مستمرا، وقائما ما حييت، لأنه عالم شعري ثري، بكل مقوماته اللغوية والصوتية والتصويرية والإيحائية، وكون خيالي غني بقيمه ومعانيه وجواهر عواطفه وبدائع أسلوبه.
*كاتب مغربي













































