اخبار اليمن
موقع كل يوم -موقع حيروت الإخباري
نشر بتاريخ: ٤ نيسان ٢٠٢٦
كتبه/حسن الكاف
أصدر الداعية الحبيب علي الجفري باكورة سلسلة مقالاته الصحفية تحت عنوان 'الإنسانية قبل التدين'خواطر حول الإشكاليات الفكرية وتحديات الخطاب الإسلامي وقضايا الشباب في خضم الأحداث المتشابكة، طباعة دار الفقيه، أبو ظبي، ٢٠١٥م.
ولعل أبرز ما يؤخذ على الكتاب تمريره مفاهيم فلسفية معقدة بأسلوب وعظي ومؤثرات عاطفية، أكثر من التأصيل العلمي الرصين، ما يؤدي القارئ أو المتلقي لتبني نتائج فكرية عميقة دون وعي كافٍ بجذورها أو مآلاتها.
حيث تعود جذور أطروحة 'الإنسانية قبل التدين' كمفهوم فلسفي إلى عصر النهضة الأوربية، حيث دعت الحاجة لفصل الدين عن الدولة، أما في السياق الفكري الحديث والمعاصر، فقد تبلورت هذه المقولة بشكل أوضح مع صعود التيارات العلمانية والإنسانوية، التي جادلت بأن الأخلاق تسبق الدين وجودا وقيمة. وفي الغرب يُعتبر الفيلسوف الألماني 'لودفيج فيورباخ' من أوائل من وضعوا حجر الأساس لهذا التوجه في كتابه 'جوهر المسيحية' (1841)، حيث دعا إلى تحويل اللاهوت إلى 'أنثروبولوجيا' (علم إنسان)، معتبراً أن حب الإنسان للإنسان يجب أن يكون هو الدين الجديد.
أما في الفكر العربي المعاصر ارتبطت هذه الأطروحة بشكل وثيق بالدكتور محمد شحرور، الذي ركز في مشروعه 'القراءة المعاصرة' على أن القيم الإنسانية الكونية هي الثابت، والشعائر هي المتغير، وكذلك المفكر أحمد القبانجي الذي طرح المفهوم كعنوان صريح لمشروعه، داعياً إلى 'أنسنة الدين' وجعل الإنسانية هي المقياس لصحة النص الديني وتأويله.
من المهم أن نوضح أولاً أننا لا نحاكم مبدأ 'الإنسانية قبل التدين' كفكرة مجردة أو نناقش صوابيتها الفلسفية، ولكن المقام يسع القول:
أن القيم الإنسانية (كالعدل والرحمة) هي جزء أصيل من ماهية التدين الصحيح وليست سابقة عليه أو منفصلة عنه، وعنوان 'الإنسانية قبل التدين' يوحي بوجود انفصال بينهما؛ وهذا الفصل يخشى منه أن يؤدي إلى جعل الإنسانية مرجعية عليا تحاكم الدين وتقصيه إذا تعارض مع أهواء العصر، وأهواء من يحدد معاييرها. فإذا كانت الإنسانية هي المرجعية، فمن الذي يحدد قيمها؟ هل هي المنظمات الدولية؟ أم الفلسفة الليبرالية؟
أم يحددها من يسعى لتمرير القيم الغريبة عن المجتمعات المسلمة، مثل شرعنة أنماط حياة اجتماعية أو أسرية تخالف الشريعة، بدعوى أنها 'إنسانية'!!
ومن المهم أيضا التوضيح أنه لا يعنينا تأصيل بعص أتباع الحبيب الجفري لهذا الطرح مؤخرا، فهو لا يجيرنا من خطورة تمرير هذه المفاهيم بالأسلوب الوعظي كما أسلفنا، ولا يعنينا حيث النقد لا يستهدف الدعوة للرحمة واللطف ، بل يستهدف 'الاستخدام الوظيفي' لهذا المبدأ لتمييع الهوية وفتح الأبواب للمشاريع الاستراتيجية الأجنبية التي تسعى لتفكيك الحصانة الفكرية للمجتمعات المسلمة.
إن إشكالية أطروحة 'الإنسانية قبل التدين' تأتي في سياق تقاطعها مع ما يسمى بـ 'مشاريع الإسلام المعتدل' والمبادرات الدولية التي تدعمها مراكز الفكر الاستراتيجية الغربية.
والمشكلة الحقيقية التي تستوجب اليقظة ليست في جوهر المقولة، بل في 'السياق المشبوه' الذي تُدفع فيه هذه الأطروحة اليوم لتكون بمثابة أداة ناعمة لتمرير مشاريع أجنبية، تهدف في محصلتها إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي بعيداً عن الجذور الراسخة للمجتمعات.
هذا الشعار لا يطرح اليوم كدعوة عفوية للتعايش، بل يتحرك ضمن استراتيجية دقيقة تتبناها شبكات 'الاعتدال المصطنع' وتدعمها تقارير مراكز الفكر الدولية (مثل مؤسسة راند)، والهدف هو رسم 'إطار ثابت' ومقدس يُدعى الإنسانية، ثم وضعه في كفة موازية للدين أو سابقة عليه.
هذا الفصل المفتعل بين الإنسانية والتدين ليس مجرد تلاعب بالكلمات، بل هو تمهيد لتذويب الخصوصيات الحضارية ضمن ما يسمى بـ 'المشاريع الإبراهيمية'. فمن خلال هذا السياق، يتم تقديم نسخة من 'الإنسانية' تُفصل قياساتها في مطابخ القرار السياسي الخارجي لتصبح هي المرجعية العليا التي تُقاس عليها الأديان والأخلاق.
إن خطورة هذا التوجه تكمن في محاولة خلق 'إنسان عالمي' بلا مرجعية ذاتية، بحيث يسهل توجيهه وقبوله بسياسات الهيمنة تحت لافتة 'المشترك الإنساني'. وبدلاً من أن تكون الإنسانية دافعاً للكرامة، يتم توظيفها في هذا السياق لتصبح وسيلة لشرعنة التبعية الثقافية وتمرير أجندات الجيوسياسة الدولية.
الإشكالية هي أن هذا الطرح يسعى لتحويل الشعوب إلى كتل بشرية رخوة، يسهل تشكيلها وإدماجها في نظام عالمي جديد لا يعترف بالهوية إلا بقدر خدمتها لمصالحه، مستخدماً 'الإنسانية' كغطاء أخلاقي لتمرير ما كان يوماً مرفوضاً من التدخلات والمشاريع المشبوهة.
لماذا نفتح هذا الملف اليوم؟
قد يتساءل البعض عن جدوى نقد كتاب صادر قبل أكثر من عقد من الزمان، لكن الإجابة تكمن في الواقع المرير الذي نشهده اليوم؛ فبذور ذلك الطرح التي غُرست بالأمس قد نبتت وتسللت إلى عمق الأوساط الدينية لدينا، وظهرت آثارها الجلية في كيفية التعاطي مع قضايا الصراع الوجودي التي تخوضها الأمة.
إن ما نشهده اليوم من 'تميع' في المواقف ليس مجرد صدفة، بل هو ثمرة مباشرة لتلك المفاهيم التي قُدمت بأسلوب وعظي جذاب. فليس غريباً —والحالة هذه— أن نجد اليوم من خطباء الجمعة، المحسوبين على مدرسة دينية عريقة، من يتحدث في خضم المواجهات الدامية عن 'التعايش السلمي' بين المسلمين واليهود، في خلط عجيب يثير الدهشة والاستنكار؛ إذ كيف يستقيم هذا الطرح مع واقع الصراع؟ وكيف يغيب عن هؤلاء الفرق بين التعايش كقيمة إنسانية في زمن الاستقرار، وبين التخاذل وتخذيل الأمة في زمن المواجهة؟
إن هذا التباين الصارخ بين الطرح والواقع ينبئ عن سوء فهم عميق وخلط خطير في المفاهيم. لقد تحولت 'الإنسانية قبل التدين' من مقولة فلسفية في كتاب، إلى أداة تخدير فكري تُستخدم لتفكيك الحصانة النفسية للمجتمعات، مما يجعل مراجعة هذا الفكر ونقده ضرورة شرعية وواقعية ملحة، لحماية الوعي الجمعي من الانزلاق في متاهات المشاريع التي تسعى لتذويب الهوية تحت لافتات براقة.













































