اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
القدس المحتلة - سبأ:
حين تأتي الأعياد الصهيونية إلى القدس، لا تتهيأ المدينة للاحتفال بقدر ما تستعد لأسابيع جديدة من الحواجز والإغلاقات والتفتيش والعسكرة؛ شوارع تُفرغ من أهلها، وأسواق تُغلق أبوابها، وتجار يراقبون مواسم رزقهم وهي تتآكل، في مشهد يتجاوز الخسارة الاقتصادية ليطال قدرة الفلسطينيين على البقاء في مدينتهم والحفاظ على هويتها.
ومع حلول مواسم الأعياد اليهودية الصهيونية المتعاقبة خلال سبتمبر الجاري ومطلع أكتوبر المقبل، تتحول البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى إلى منطقة أمنية شديدة التحصين، تنتشر فيها قوات العدو الإسرائيلي وتُغلق الطرق والمداخل، فيما تُفرض قيود واسعة على وصول الفلسطينيين إلى المدينة ومقدساتها وأسواقها.
ويكشف رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر لـ وكالة (سند للأنباء) الفلسطينة، أن نحو 55 مناسبة صهيونية تُستخدم على مدار العام كفرص لتكثيف الحشد والسيطرة وفرض الوقائع الميدانية، موضحًا أن كل موسم عيد يشهد تصعيدًا في الإجراءات الأمنية والعسكرية، بما يطوّق المسجد الأقصى ويدفع الوجود الفلسطيني تدريجيًا نحو الهامش.
ويشير خاطر إلى أن هذه الإجراءات لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تستهدف تقديم صورة توحي بأن المناسبات الإسرائيلية جزء طبيعي من هوية المدينة، فيما يتحمل الفلسطينيون وحدهم كلفة العسكرة من خلال التضييق على الحركة ومنع المصلين والزوار من الوصول إلى مقدساتهم.
وخلال هذه المواسم، تستغل جماعات الهيكل المزعوم الأعياد لتنفيذ اقتحامات للمسجد الأقصى وأداء طقوس توراتية علنية بحماية قوات العدو الإسرائيلي، بالتزامن مع تقييد وصول الفلسطينيين، في مسار يقول الفلسطينيون إنه يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد ومحيطه.
لكن آثار الحصار لا تتوقف عند أبواب الأقصى، بل تمتد إلى الأسواق التي اعتادت أن تعج بالمتسوقين والزوار، لتترك خلفها محال مغلقة ورفوفًا بلا مشترين وتجارًا مثقلين بالإيجارات والضرائب والمصاريف التي لا تتوقف حتى عندما تتوقف الحركة التجارية.
ويؤكد أمين سر الغرفة التجارية الصناعية بالقدس ورئيس لجنة تجار القدس السابق محمد حجازي الرشق أن الإجراءات المشددة خلال مواسم الأعياد تلحق خسائر كبيرة بتجار البلدة القديمة، بعدما أدت القيود على الوصول إلى تراجع المبيعات بنحو 70% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، الذي لم يكن بدوره عامًا طبيعيًا من الناحية التجارية.
ويوضح الرشق أن المشكلة لا تكمن في إغلاق بعض المحال فحسب، وإنما في عزل البلدة القديمة عن محيطها الفلسطيني، إذ يعتمد اقتصادها بصورة أساسية على زوار المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمتسوقين القادمين من مختلف المناطق، فيما يؤدي منعهم أو عرقلة وصولهم إلى شل الحركة التجارية.
وتضم البلدة القديمة نحو 1400 محل تجاري، بينها قرابة 462 متجرًا للتحف الشرقية والقطاعات المرتبطة بالسياحة، وهي من أكثر الأنشطة تضررًا عندما يغيب الزوار والسياح وتخلو الأسواق من الحركة.
وتشير بيانات الغرفة التجارية إلى حجم الضرر الذي يمكن أن تسببه أيام الإغلاق؛ ففي إحدى الفترات السابقة لم تكن تعمل بصورة طبيعية سوى نحو 9% من محال البلدة القديمة، معظمها محال المواد الغذائية، فيما أصيب القطاع السياحي بشلل واسع.
ولم تكن تلك الخسائر عابرة؛ إذ سجلت الغرفة التجارية في موسم سابق إغلاق 2018 محلًا تجاريًا قسرًا خلال يوم الغفران وحده، بينها 1372 محلًا داخل البلدة القديمة و646 محلًا في الشوارع التجارية المحيطة بها.
وبينما يواجه التاجر هذه الخسائر، تبقى الضرائب والإيجارات والالتزامات التشغيلية قائمة، ما يجعل كل يوم إغلاق أو حصار فاتورة جديدة تضاف إلى سنوات من الأزمات، ويمنع الأسواق من استعادة أنفاسها بين عيد وآخر.
وهكذا، لا يبدو حصار القدس خلال الأعياد مجرد إجراءات أمنية مؤقتة؛ فخلف كل باب تجاري مغلق عامل يخشى فقدان عمله، وخلف كل سوق خالٍ تاجر يراكم الديون، وخلف كل حاجز طريق مقطوع اقتصادٌ مقدسي يُستنزف بصمت.
وفي مدينة تتشابك فيها التجارة مع الحياة اليومية والهوية، يصبح بقاء المحال العربية مفتوحة أكثر من مسألة رزق؛ إنه جزء من بقاء القدس الفلسطينية نفسها.
فكلما أُغلقت الأسواق، وتراجعت الحركة، وتقلص وصول الفلسطينيين إلى البلدة القديمة، يتسع الفراغ الذي يهدد المدينة في ذاكرتها وهويتها ووجود أهلها، لتتحول الأعياد الصهيونية من موسم عابر إلى موعد جديد لاستنزاف القدس وأهلها.
إكــس













































