اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
تكشف التطورات المتسارعة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تخوضها واشنطن بالتنسيق مع إسرائيل، عن مشهد سياسي معقد يتداخل فيه العامل العسكري مع الحسابات الداخلية والضغوط الاقتصادية. فالرئيس دونالد ترامب، الذي صعد إلى السلطة بشعار “لا حروب جديدة”، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي مع تزايد الدعوات داخل إدارته لاتخاذ قرارات أكثر حسمًا، بما في ذلك دراسة تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران خلال أسابيع قليلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية لإنهاء النزاع سريعًا.
ووفقا لمجلة كومنت دريمز، في الوقت الذي أظهرت فيه استطلاعات الرأي أن نحو 79% من قاعدة ترامب الانتخابية ترغب في إنهاء الحرب، تتكشف خلف الكواليس شبكة معقدة من القوى المؤثرة التي دفعت نحو هذا الصراع. فبحسب تحليلات صادرة عن معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، لا يمكن فهم الحرب بمعزل عن نفوذ ما يعرف بـالمجمع الصناعي العسكري، الذي يستفيد بشكل مباشر من تصاعد الإنفاق العسكري، حيث تشير تقديرات إلى أن تكلفة الحرب قد تصل إلى نحو مليار دولار يوميًا، في ظل طلب متزايد على الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية.
ولا يقتصر الأمر على المصالح العسكرية فقط، بل يمتد إلى قطاع الطاقة، إذ ساهمت الحرب في رفع أسعار النفط عالميا إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. هذا التطور انعكس مباشرة على الداخل الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار الوقود، ما زاد من حالة القلق لدى الناخبين الذين دعموا ترامب على أساس وعود بتحسين الأوضاع المعيشية.
من زاوية أخرى، يسلط هذا الصراع الضوء على العلاقة التاريخية بين واشنطن وتل أبيب، حيث يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكا استراتيجيا ضمن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ ما بعد حرب الأيام الستة. ورغم أن بنيامين نتنياهو لطالما ضغط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لمواجهة إيران عسكريا، فإن إدارات سابقة، مثل إدارة باراك أوباما، فضلت المسار الدبلوماسي عبر الاتفاق النووي، وهو ما يعكس اختلافا جذريا في مقاربة التعامل مع طهران.
غير أن التحول الحالي يعكس صعود تيار أكثر تشددًا داخل الولايات المتحدة، يضم شخصيات سياسية مثل جون بولتون، الذي دعى منذ سنوات إلى ضرب إيران، إضافة إلى جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل مثل إيباك، فضلًا عن تيارات دينية وسياسية ترى في المواجهة مع إيران ضرورة استراتيجية أو أيديولوجية.
وفي خضم هذه التعقيدات، يبرز عامل داخلي آخر لا يقل أهمية، وهو البعد السياسي الشخصي للرئيس ترامب. إذ تشير بعض التحليلات إلى أن التصعيد العسكري قد يخدم أهدافًا داخلية، سواء عبر تعزيز صورة القيادة القوية أو صرف الانتباه عن أزمات سياسية وقانونية تحيط به. كما أن الحرب توفر، تاريخيًا، فرصة لتوحيد القاعدة الشعبية مؤقتًا، وإن كان هذا التأثير يبدو محدودًا في الحالة الراهنة، مع تزايد الانقسام داخل معسكره نفسه.
على المستوى الميداني، لم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى توسيع رقعة المواجهة إقليميا، حيث تلعب أطراف حليفة لإيران مثل حزب الله وحماس أدوارا غير مباشرة في الصراع، سواء عبر الضغط على إسرائيل أو استهداف مصالح أمريكية في المنطقة. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان نمط “الحروب بالوكالة” التي طبعت الشرق الأوسط لعقود.
ورغم أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا تؤيد الحرب بشكل صريح، فإن غياب احتجاجات واسعة النطاق يعكس ما يصفه بعض المحللين بـ”تطبيع الحروب” داخل الثقافة السياسية الأمريكية، حيث باتت العمليات العسكرية الخارجية أمرا معتادا، حتى في ظل تكاليفها البشرية والاقتصادية.
في المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية تحديا متزايدا في إيجاد “مخرج آمن” من هذا النزاع، خاصة مع تزايد الحديث داخل البيت الأبيض عن ضرورة إعلان “نصر سياسي” يتيح وقف إطلاق النار دون الظهور بمظهر المتراجع. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية وسياسية خطيرة، ليس فقط على المستوى الدولي، بل أيضًا على مستقبل ترامب السياسي.


































