اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٩ أيلول ٢٠٢٦
خمسون عاماً من العلاقات الفيتنامية ـ الكويتية: من الصداقة التقليدية إلى شراكة استراتيجية من أجل التنمية المستدامة
في عام 2026، تحتفل فيتنام والكويت بالذكرى الـ50 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين (1976 ـ 2026). وعلى مدى خمسة عقود، بُنيت العلاقات بين البلدين على أسس الصداقة والتضامن والثقة السياسية، وتوسعت تدريجياً من الصداقة التقليدية إلى تعاون ملموس في مجموعة واسعة من المجالات. وقد شكّل الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الفيتنامي إلى الكويت في نوفمبر 2025، بداية فصل جديد، إذ وفر إطاراً أقوى وزخماً جديداً لتعميق وتوسيع نطاق التعاون بين البلدين.
صداقة صمدت أمام اختبار الزمن
تغذت أواصر العلاقات بين فيتنام والكويت على مشاعر التضامن والدعم التي أبداها الشعب الكويتي خلال نضال فيتنام من أجل الاستقلال الوطني وإعادة توحيد البلاد. ففي الماضي، خرج العديد من الكويتيين إلى الشوارع للتعبير عن معارضتهم لحرب فيتنام، فيما عبّرت وسائل الإعلام الكويتية بصوت عالٍ عن دعمها وإعجابها بإرادة وصمود الشعب الفيتنامي. وفي المقابل، دعمت فيتنام بشكل كامل جهود الكويت لاستعادة سيادتها عقب الغزو العراقي. وقد أرست مظاهر التضامن هذه أساساً مهماً للصداقة الراسخة والمستمرة بين شعبي البلدين.
وفي يناير 1976، أصبحت الكويت أول دولة في منطقة الخليج تقيم علاقات دبلوماسية مع فيتنام. وخلال مرحلة إعادة إعمار فيتنام بعد الحرب، قدمت الكويت مساعدات عملية من خلال الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية (KFAED) لتنفيذ العديد من مشاريع النقل والري والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في عدد من المناطق الفيتنامية. وخلال جائحة كوفيد-19، قدمت الكويت أيضاً في الوقت المناسب 600 ألف جرعة من اللقاحات إلى فيتنام. وقد أسهم هذا الدعم القيّم في تعزيز أواصر الصداقة بين البلدين.
وفي السنوات الأخيرة، وفي مواجهة التحديات المشتركة في المنطقة والعالم، واصلت فيتنام والكويت تبادل وجهات النظر والتنسيق في المواقف دعماً لبعضهما البعض في مختلف المحافل الدولية. وأُعطي التعاون أولوية في قضايا من بينها الحفاظ على بيئة من السلام والاستقرار والتنمية، والمشاركة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واحترام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، وتعزيز حل الدولتين للشعب الفلسطيني، وتقوية التعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC) ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، وتوسيع التبادلات الثقافية بين الدول والمناطق.
العلاقات الاقتصادية تدخل مرحلة أكثر ديناميكية
أصبحت العلاقات الاقتصادية ركناً أساسياً في العلاقات بين فيتنام والكويت. وتعد الكويت حالياً أكبر مستثمر لفيتنام من منطقة الشرق الأوسط، بإجمالي استثمارات يتجاوز 3.5 مليار دولار أميركي، تتركز في مجمع مصفاة ومجمع البتروكيماويات نغي سون في إقليم ثانه هوا. ولا يمثل المشروع استثماراً كبيراً فحسب، بل يعد مثالاً واضحاً على التكامل بين الاقتصادين والمصالح المشتركة التي تقوم عليها الشراكة بين البلدين.
كما تعد الكويت أكبر شريك تجاري لفيتنام في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي ما بين 7 و7.5 مليار دولار أميركي خلال السنوات الثلاث الماضية، بما يعكس النمو المتزايد في حجم وعمق العلاقات التجارية بين البلدين. وتستورد فيتنام من الكويت بشكل رئيسي النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والمدخلات الصناعية، في حين أصبحت المنتجات الفيتنامية، بما في ذلك الإلكترونيات والهواتف المحمولة والمنتجات الزراعية والبحرية والمنسوجات والملابس والمنتجات الخشبية والسلع الاستهلاكية، تحظى بحضور متزايد في السوق الكويتية.
وتشهد فيتنام والكويت فرصاً جديدة في الوقت الذي يعمل فيه البلدان على تحويل نماذج النمو الاقتصادي وتعميق اندماجهما في الاقتصاد الدولي. وتسعى فيتنام إلى تحقيق نمو قوي، مع التركيز بصورة كبيرة على الاستثمار في البنية التحتية والعلوم والتكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي. وقد نما الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 8.02 في المئة في عام 2025، وتستهدف الحكومة تحقيق معدل نمو من خانة العشرات في السنوات المقبلة.
كما احتل إجمالي تجارة فيتنام المرتبة ضمن أكبر 15 اقتصاداً تجارياً في العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز 1 تريليون دولار أميركي في عام 2026. وأبدى المستثمرون الأجانب تفاؤلاً كبيراً، مع تسجيل استثمارات أجنبية مباشرة تقدر بنحو 41 مليار دولار أميركي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بزيادة تتجاوز 55 في المئة على أساس سنوي.
وفي الوقت ذاته، تمضي الكويت قدماً في مسار التنمية الاقتصادية وتنويع الاقتصاد في إطار رؤية الكويت 2035. وفي ظل التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، تواصل الكويت تعزيز قدرتها على الصمود، وترسيخ أسس اقتصادها، والاضطلاع بدور متزايد النشاط في منطقة الخليج. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للكويت بنسبة 3.8 في المئة في عام 2026، فيما يُتوقع أن ينمو القطاع غير النفطي بنسبة 3.0 في المئة. ويعكس ذلك الأهمية المتزايدة للتنويع الاقتصادي باعتباره محركاً للنمو، ويفتح المجال أمام مزيد من التعاون الدولي، فضلاً عن شراكة أكثر كثافة بين الكويت وفيتنام.
فصل جديد من الشراكة الاستراتيجية
أرسى الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في عام 2025 إطاراً مواتياً لتوسيع وتنويع التعاون بين البلدين. وحدد الجانبان هدفاً طموحاً يتمثل في رفع حجم التجارة الثنائية إلى 12 ـ 15 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مع توسيع مجالات التعاون لتشمل الاستثمار والطاقة والنفط والغاز والبتروكيماويات والتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن الغذائي والدفاع والأمن، فضلاً عن مواجهة التحديات غير التقليدية.
ومن الجدير بالذكر أن بإمكان الكويت بحث فرص استثمارية لتوسيع حضورها في فيتنام، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. وفي المقابل، يمكن لفيتنام مواصلة تطوير صادراتها إلى الكويت، بما في ذلك المنتجات الزراعية والبحرية والأغذية الحلال والإلكترونيات والسلع الصناعية.
ويبرز الأمن الغذائي باعتباره أحد المجالات التي تتمتع بإمكانات واضحة، من خلال الجمع بين حاجة الكويت إلى تنويع مصادر الإمدادات ونقاط القوة التي تتمتع بها فيتنام في الإنتاج الزراعي وتصنيع الأغذية. وعلاوة على ذلك، يوفر الاقتصاد الرقمي والتعليم والسياحة والتبادل الثقافي وتنمية الموارد البشرية مجالات إضافية لتعزيز التعاون بين البلدين.
وتولي فيتنام أهمية كبيرة للصداقة والدعم العملي اللذين قدمتهما أجيال من القادة والشعب الكويتي. وتمثل الذكرى الـ50 محطة مهمة للبلدين لاستذكار مسيرة حافلة بالفخر والتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقاً. وتشكل الأسس التي أُرسيت على مدى السنوات الخمسين الماضية، والثقة السياسية التي يتمتع بها قادة البلدين، قاعدة صلبة للمضي قدماً بالشراكة الاستراتيجية بصورة أكثر جوهرية وديناميكية وفاعلية.
وفي السنوات المقبلة، يمكن للبلدين الاستفادة بصورة أفضل من نقاط القوة المتكاملة لديهما، وتوسيع تدفقات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتبادلات بين الشعبين، وتعزيز الترابط بين منطقة جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج.
ومن خلال هذه الجهود، ستواصل العلاقات الفيتنامية ـ الكويتية، التي ترسخت على مدى نصف قرن، تحقيق إنجازات جديدة في مجال التعاون، بما يعود بفوائد ملموسة على شعبي البلدين، ويسهم بصورة إيجابية في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة.
سفير فيتنام الاشتراكية لدى البلاد نغيون دوك ثانغ


































