اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٥ شباط ٢٠٢٦
وليد منصور -
لم يأتِ السؤال هذه المرة من فيلسوف أو باحث أكاديمي، بل خرج من فم أحد أكثر رجال العالم ثراءً، وانتشر كالشرارة في الفضاء العالمي: هل تشترى السعادة بالمال والسلطة؟
جملة قصيرة قالها إيلون ماسك، حين أشار إلى أن المال، رغم قدرته على توفير الراحة، لا يضمن السعادة الحقيقية. لم يكن التصريح جديدا في مضمونه، لكنه كان كافيا لإعادة فتح نقاش قديم ظل يتردد لعقود، وعاد اليوم بقوة إلى الواجهة.
منذ تلك اللحظة، تحول السؤال من تعليق عابر إلى قصة خبرية كاملة، تتقاطع فيها الصحافة مع العلم، والتجربة الإنسانية مع الأرقام.
سرعان ما التقطت الصحف العالمية الخيط. تقارير وتحليلات ومقابلات، من «الغارديان» البريطانية إلى «ذا إيكونوميك تايمز» وغيرها كثير، كلها حاولت الاقتراب من السؤال ذاته، لكن من زوايا مختلفة: إذا كان المال لا يشتري السعادة، فلماذا نلاحقه بهذا الإصرار؟ وأين يقف دوره الحقيقي في حياتنا؟
شروط الحياة
تشير التقارير إلى أن المال يؤدي دورا لا يمكن إنكاره في تحسين شروط الحياة اليومية. فهو يخفف القلق المرتبط بتكاليف السكن، والرعاية الصحية، ومتطلبات المعيشة. لكنه، كما تقول التقارير، يتوقف عند هذا الحد تقريبا.
فبحسب ما أوردته «ذا إيكونوميك تايمز»، فإن المال يقلل الضغوط المادية، لكنه لا يعالج القلق الوجودي، ولا يداوي الشعور بالعزلة، ولا يمنح الإنسان إحساسا دائما بالمعنى. وهي عناصر تُعد أساسية في تقييم الإنسان لمدى سعادته.
العلم يدخل على الخط
لم تكتف التقارير بسرد الآراء، بل استعانت بالعلم. دراسات حديثة منشورة في دوريات متخصصة في علم النفس والاقتصاد الاجتماعي كشفت أن العلاقة بين الدخل والسعادة ليست مستقيمة كما يعتقد.
في المراحل الأولى، يؤدي ارتفاع الدخل إلى تحسن ملحوظ في الرفاهية النفسية، خاصة لدى من يعانون ضغوطا مالية حادة. لكن بعد الوصول إلى مستوى معين من الأمان المالي، يبدأ هذا التأثير في التلاشي.
وتوضح أبحاث أمريكية مرموقة أن المال يخفف ما يعرف بـ«الألم النفسي»، لكنه لا يصنع تلقائيا الرضا العميق أو السعادة الطويلة الأمد. فالطمأنينة التي يوفرها المال مؤقتة، وسرعان ما يعتادها الإنسان، ليعود البحث من جديد عن شيء آخر.
نافذة أوسع
التحليل الأعمق جاء من صحيفة «الغارديان» البريطانية، التي نقلت النقاش من الفرد إلى المجتمع. ففي مقابلة موسعة مع العالمة الاجتماعية كيت بيكيت، طرح سؤال مختلف: ماذا لو لم تكن المشكلة في مقدار المال، بل في طريقة توزيعه؟
تشير بيكيت إلى أن المجتمعات التي تعاني فجوات كبيرة في الدخل تسجل مستويات أعلى من التوتر والقلق، حتى بين الفئات الميسورة. فالمقارنة المستمرة، والخوف من فقدان المكانة، والشعور بعدم العدالة، كلها تولد ضغطا نفسيا صامتا يقوض الإحساس بالسعادة.
وتلفت «الغارديان» إلى مفارقة لافتة: ففي بيئات غير متوازنة اجتماعيا، قد يتحول المال من مصدر أمان إلى عبء، ومن وسيلة للراحة إلى سبب دائم للقلق.
لماذا لا تكفي الثروة وحدها؟
تتقاطع خلاصات التقارير مع نتائج العلم عند ثلاث نقاط رئيسية تفسّر لماذا يفشل المال أحيانا في شراء السعادة:
1 - التكيف النفسي
إذ يعتاد الإنسان بسرعة على أي تحسن مادي، فتفقد الزيادة في الدخل بريقها مع الوقت.
2 -المقارنة الاجتماعية
الشعور بالرضا لا يتحدد بما نملك، بل بما يملكه الآخرون من حولنا.
3 - غياب المعنى
المال لا يصنع علاقات إنسانية عميقة، ولا يمنح بالضرورة إحساسا بالهدف أو الانتماء.
حتى الثروة، كما تؤكد تقارير صحافية أخرى مثل «نيوزويك»، لا تحصن أصحابها من الاكتئاب أو القلق أو الشعور بالفراغ.
نهاية مفتوحة لسؤال قديم
يكشف تصريح إيلون ماسك أن السؤال لم يعد: هل المال مهم؟ الإجابة واضحة: نعم، هو مهم وضروري. لكن السؤال الحقيقي بات أكثر عمقًا: هل المال وحده يكفي؟
الإجابة التي تتقاطع عندها التقارير والعلم واحدة تقريبا: المال يحسن جودة الحياة ويخفف أعباءها، لكنه لا يصنع سعادة مستدامة بمفرده.
السعادة، كما خلصت «الغارديان» و«ذا إيكونوميك تايمز» والدوريات العلمية، هي نتاج منظومة أوسع تشمل العدالة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية، والصحة النفسية، والشعور بالمعنى.
وهكذا، يعود السؤال القديم إلى الواجهة، لا بوصفه لغزا فلسفيا، بل حقيقة إنسانية بسيطة: المال قد يخفف ثقل الحياة، لكنه لا يحدّد وحده إن كانت الحياة سعيدة.


































