اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة غدا بعنوان: «قل إصلاح لهم خير» الهدف المراد توصيله: حث المجتمع على رعاية اليتيم وتقديم النصح والمعونة بما يكفل تقويمه وصلاحه.
والخطبة الثانية: «التحذير من خطورة الشائعات»، كما نبهت على جميع الأئمة الإلتزام بموضوع الخطبة ومدتها.
الشائعات من أخطر الآفات التي تُهدِّد تماسك المجتمعات واستقرارها؛ إذ تنتشر كالنار في الهشيم، حاملةً معها قدرًا كبيرًا من التضليل والبلبلة، فتُشوِّه الحقائق، وتزرع الشكوك، وتُضعف الثقة بين الأفراد، لا سيما في هذا الزمات الذي اتسم بالسرعة فباتت الكلمة غير الموثوقة أشدَّ وقعًا وأسرع انتشارًا، مما يجعل أثر الشائعة أعمق وأخطر من أي وقتٍ مضى، ومن هنا تبرز أهمية الوعي بخطرها، والتحلي بروح المسؤولية في نقل الأخبار، حفاظًا على أمن المجتمع وسلامة نسيجه.
مفهوم الشائعات:
الشائعات هي أخبار أو معلومات تُتداول بين الناس دون التحقق من صحتها، وقد تكون مختلَقةً من الأصل أو مُحرَّفةً عن حقيقتها، تُنشر بقصدٍ أو بغير قصد، وغالبًا ما تعتمد على الإثارة والتضخيم لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار السريع. وهي في جوهرها تعبير عن خللٍ في نقل المعلومات، إذ تغيب عنها المصداقية والدليل، مما يجعلها أداةً خطيرة تُسهم في تضليل الرأي العام، وزعزعة الثقة، وإثارة القلق والاضطراب داخل المجتمع.
أولًا: التأصيل القرآني (المنهج الإلهي)
في رحاب القرآن الكريم، تتجلَّى معالمُ المنهج الإلهي الرشيد، حيث لا مكانَ للعجلة، ولا موضعَ للظنون العابرة، وقد وضع في سبيل ذلك منهجا محكما، يتجلى في الآتي:
التبين: يجعل القرآن أصل التثبّت وقاعدةُ التبيُّن حصنًا منيعًا يحول دون الانزلاق في مهاوي الكذب والافتراء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فهي الحصن الأول ضد الشائعات.
قال الزمخشري: 'وفي تنكير الفاسق والنبأ: شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبإٍ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه' [الكشاف].
حسن الظن بالمسلمين: يُربِّي القرآنُ المؤمنين على حسن الظن، فلا يُسارعون إلى تصديق الباطل، ولا يُسهمون في ترويجه، بل يقفون موقف المتأمِّل العاقل، الذي يزِنُ الأمور بميزانِ الحقِّ والعدل، ففي حادثة الإفك، عاتب الله المؤمنين بقوله: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢].
يقول الشيخ محمد أبو زهرة: ' (لَوْلَا) للتحضيض على ظن الخير من المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم خيرا، فإذا تلقى المؤمن والمؤمنة خبرًا احتمل الصدق والكذب، وفيه شر يسارع إلى رده، ويقول: هذا إفك مبين، أي بيِّنٌ واضح، وخصوصا إذا كان ذلك الخبر، يمس من عُرف بالطهر والعفاف، ومن يكون من شأنهم الطهر والعفاف والأمانة والإخلاص؛ وذلك أن الناس في تلقي أخبار السوء قسمان:
أحدهما: يظن في المؤمن الخير، ويحمل كل أحواله على الصلاح، فلا يقبل الإفك عليه، ويكذبه، ويقول: هذا إفك مبين بين واضح، ويرى من الصلاح في حال المؤمنين دليلا على الكذب، ودافعا إلى التكذيب.
والقسم الثاني: وهو الخاضع للشيطان يحسبه نهزة فينتهزها لإشاعة السوء، والسمر به في المجالس، ويجعله ملهاته ويغتاب أخاه المؤمن، ويأكل لحمه، ويعبث بكرامته مستهينا متندرا عابثا، وهذا يكبر أخبار السوء فيشيعها وقد نماها الخيال الفاسد، والعبث العابث.
وفى الآية الكريمة إشارتان بيانيتان، ِأولاهما: في قوله تعالى: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ) فالتعبير (بِأنفُسِهِمْ) يشير إلى الأخوة الإيمانية الرابطة التي تجعل إشاعة السوء عن بعضهم إشاعة عن جميعهم، وتوهين للرابطة التي تربطهم، وإشاعة السوء تنبعث من تفكك في بعض جوانب المجتمع، وتنتهي إلى تفكك رابطته كلها.
الثانية: نصت الآية على ذِكر (الْمُؤْمِنَات) مع أن كل حكم أو أمر يعم المؤمنين والمؤمنات من غير نص على المؤمنات، وذلك لأن النساء كثيرا ما يقعن في هذا النوع من الغيبة من غير احتراس ولا تحفُّظ، ألم تر إلى أن حمنة بنت جحش وقعت في إشاعة هذا الإفك، تحسب أن في ذلك ما يرضي أختها أم المؤمنين زينب، وهذه كانت برة تقية، وكانت تنفي عن السيدة عائشة ولا تقر كلام أختها، بل ترده، وبالتعبير بالوصف في المؤمنين والمؤمنات يشير - سبحانه - إلى أن الإيمان يقتضي ذلك، والله على كل شيء شهيد'. [زهرة التفاسير]
خطورة الكلمة: حذر الله من الاستهانة بما يتناقله الناس: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
قال الطاهر ابن عاشور: ' وأما قوله: 'وتقولون بأفواهكم'، فوجْهُ ذِكْرِ 'بأفواهكم' مع أن القول لا يكون بغير الأفواه أنه أريد التمهيد لقوله: ما ليس لكم به علم، أي هو قول غير موافق لما في العلم ولكنه عن مجرد تصور لأن أدلة العلم قائمة بنقيض مدلول هذا القول فصار الكلام مجرد ألفاظ تجري على الأفواه.
وفي هذا من الأدب الأخلاقي أن المرء لا يقول بلسانه إلا ما يعلمه ويتحققه وإلا فهو أحد رجلين: أفن الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن يقول الكذب فيحسبه الناس كذابا، أو رجل مموه مُراء يقول ما يعتقد خلافه' [التحرير والتنوير].
وناهيك بجملة الآداب والوصايا التي أمر الله المؤمنين بالتزامها في واقعة الإفك، يقول الزمخشري: ' كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها'. [الكشاف]
ولا نعجب أن وصف القرآن نشر الشائعات بالكذب والباطل بالإرجاف، قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦١]، والإرجاف من الرجف، أي: الهزّة والاضطراب، فهو كل خبر كاذب يُلقيه الإنسان في المجتمع يشبه ريحًا عاتية تهبّ على النفوس، تقلب الصفو، وتزرع الخوف والبلبلة.
ثانيًا: السنة النبوية (التحذير النبوي)
حذَّر النبيُّ ﷺ تحذيرًا بليغًا من الكذب، ومن التهاون في نقل الأخبار دون تثبّتٍ وتمحيص، وجعل ذلك بابًا من أبواب الإثم التي قد يزلّ فيها الإنسان وهو لا يشعر، فلم يكن الكذب سوى خُلُق مذموم يهدم الثقة، ويُفسد العلاقات، ويزرع الفتنة بين الناس.
وقد وضع ﷺ ضابطًا دقيقًا يحفظ اللسان من الزلل، فقال صلى الله عليه وسلم : «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع» [رواه مسلم]، فبيَّن أن مجرد نقل كل ما يَرد إلى السمع دون تحقّق، قد يُوقع صاحبه في الكذب، ولو لم يتعمّد اختلاقه، وفي هذا تنبيهٌ إلى خطورة التسرُّع، وأن الصدق لا يكون فقط في القول، بل في التثبّت قبل القول.
ولم يقف التحذير عند هذا الحد، بل صوَّر صلى الله عليه وسلم عاقبة الكذب تصويرًا يهزُّ القلوب، ففي حديث الرؤيا رأى رجلًا يُعذَّب عذابًا شديدًا، يُشرشر – يقطع - شدقه إلى قفاه، وفسر بأنه كان يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق؛ ففي صحيح البخاري: 'وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ'، إشارة إلى خطورة نشر الأكاذيب، واتساع أثرها، خاصةً إذا تناقلها الناس دون وعيٍ.
كما نهى ﷺ عن الخوض في 'قيل وقال'، ففي البخاري: 'كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِليَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».
وذلك لما فيه من نشرٍ للأقاويل بلا تثبّت، وإشاعةٍ للفوضى، وإضاعةٍ للحقائق. فالمؤمن الحقّ لا يكون ناقلًا لكل ما يسمع، بل يكون رقيبًا على كلمته، واعيًا بأثرها، مدركًا أن كل لفظةٍ تخرج منه هي أمانةٌ سيُسأل عنها.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: « إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ».
وهذا وصف مبكر لما يعرف باسم 'الذباب الإلكتروني' ، حيث تقوم اللجان الإلكترونية والحسابات المجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي بنفس الدَّور، إذ تنشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة بطريقة منظمة، فتثير الخوف، وتزرع الشكوك، وتشوّه الحقائق، وتدفع المجتمع نحو الانقسام، وبناءً على ذلك، يؤكد الإسلام على ضرورة التثبت والتحقق قبل تصديق أو نشر أي خبر، ليكون سدًّا منيعًا ضد كل أشكال التضليل الرقمي، ويجعل المجتمع أكثر وعيًا وحصانة أمام هذه الحملات المغرضة.
أثر الشائعات على الفرد والمجتمع
أولًا: أثرها على الفرد:
تدمير الأعراض وتشويه السمعة، فالشائعة غالبًا ما تستهدف 'السمعة'، وهي أغلى ما يملكه الإنسان، فتُدمر حياة إنسان بريء، أو تتسبب في طلاق، أو قطع أرزاق بناءً على خبر كاذب.
الاضطراب النفسي، سماع الشائعة يثير القلق والخوف والاضطراب الداخلي، ويؤدي أحيانًا إلى فقدان الطمأنينة والسكينة.
تأجيج الغضب والعدوانية، قد يدفع الفرد لتصرفات غير محسوبة بدافع الدفاع عن نفسه أو الانتقام، فينزلق إلى أفعال تضر به أكثر مما تفيده.
ثالثًا: أثرها على المجتمع
هدم الثقة والتلاحم، الشائعات تزرع الريبة بين الناس، وتقوّض الثقة المتبادلة، فتضعف روابط المجتمع وتفتح المجال للفرقة والخصومة.
زعزعة أمن واستقرار المجتمع، تُستخدم الشائعات كأداة في 'الحروب النفسية' لهدم الدول من الداخل، وذلك من خلال: بث الرعب: بنشر أخبار كاذبة عن كوارث، أو أوبئة، أو أزمات اقتصادية، ما يدفع الناس إلى القلق والاضطراب.
تفكيك الوحدة، تهدف الشائعات أحيانًا إلى إثارة الفتن الطائفية أو القبلية، مما يؤدي إلى تصادم أبناء الوطن الواحد.
انحراف السلوك الجماعي، فالمجتمع الذي تنتشر فيه الشائعات يصبح حساسًا وسريع التأثر بالكذب، ويضعف فيه الحس النقدي والقدرة على التمييز بين الحق والباطل.
إضاعة الحقائق وهدر الأوقات، عندما تكثر الشائعات، يختلط الحق بالباطل، ويفقد الناس الثقة في المصادر الرسمية وفي بعضهم البعض، فضلا عن إهدار طاقات المجتمع في تفنيدها والرد عليها، على حساب العمل والإنتاج والبناء.


































