اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
الصناع ينتقلون إلى العروض المسرحية للاحتفاء بمسيرة كبار النجوم بحثاً عن مساحة أكثر رحابة ومواجهة عقبات وتحديات التليفزيون والسينما
خلال عامين فقط صعدت سيرة أربعة من نجوم الفن إلى المشهد، اثنتان منها عُرضتا مسرحياً بالفعل، والباقي يجري العمل عليه على قدم وساق، وعلى رغم أن فكرة تقديم جوانب من قصص حياة المشاهير المؤثرين في الوجدان ليست حدثاً جديداً في المسرح المصري، فإنه أخيراً بات أشبه بالظاهرة، فبعدما كنا نشاهد عرضاً واحداً كل سنوات عدة، وغالبيتها ذات موازنة متوسطة وليالي عرض محدودة فإنه باتت تُرصد لتلك الأعمال ميزانيات كبيرة، وتصنف على أنها مشروعات قوية، بل وتتصدر التريند كثيراً، وتحصد الإعجاب والإشادات وتنجح في كسب ود الجمهور وبكائه كذلك، نظراً إلى التأثير القوي والتفاعل المباشر لفكرة العرض الحي التي تسرد سيرة شخصية محبوبة رافقت أحلام الجماهير وذكرياتهم.
يبدو أن النجاحات المتوالية لتلك الأعمال شجّعت الصناع لتقديم المزيد، في المقابل فإن الأمر يصبح مقلقاً للغاية فيما يتعلق بمشاريع السير الذاتية السينمائية لنجوم الفن المصريين، إذ تمثل بالنسبة إلى البعض حقلاً شائكاً وملغماً، وأحدث مثال هو فيلم 'الست' لمنى زكي الذي تناول سيرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وعرض نهاية العام الماضي، فرغم تميز العمل فنياً وإنتاجياً وتمثيلياً، فإنه كان محور جدال.
الوضع مختلف تماماً مع الأعمال المسرحية، إذ تبدو أكثر رحابة، ومساحتها أكثر أمناً، كما أنها تحمل ألواناً من التجريب ربما لا تتسع لها السينما في الوقت الحالي، ففي حين تظهر العودة إلى تقديم أفلام سينمائية استعراضية غنائية بمثابة حلم يراود محبي الفن السابع بعدما كان هذا اللون من الأكثر انتشاراً في مصر، لكنه وفقاً لمعطيات كثيرة يظل حلماً شديد الصعوبة، بينما المسرح أكثر يسراً في تحقيق مثل تلك الأمنيات، ومن هنا تجتمع عوامل كثيرة تجعل سيرة مشاهير مصر تجد مكانها على المسرح فيما يشبه الظاهرة أو المشروع الذي يطمح الصناع، لأن يشمل قائمة أطول من أسماء الكبار.
الجمهور على سبيل المثال على موعد في مارس (آذار) المقبل مع مسرحية 'حليم... زمن الرومانسية'، التي ستعرض بالتزامن مع مرور نصف قرن على رحيل العندليب الأسمر، إذ يقف وراء خروجها للنور بشكل أساس شركة 'العدل جروب' والمؤلف مدحت العدل اللذان سبقا وقدما سيرة كل من تشارلي شابلن وكوكو شانيل في عملين مسرحيين حققا نجاحاً كبيراً أيضاً، والأول 'تشارلي' بطولة محمد فهيم والثاني شهد عودة النجمة شريهان للمسرح بعد غياب طويل، أما الضلع الثالث فهو المخرج أحمد فؤاد وذلك بعد الاستقبال المميز الذي حظيت به مسرحية 'أم كلثوم.. دايبين في صوت الست'، التي تناولت سيرة أم كلثوم منذ طفولتها وحتى النضج والمجد، من خلال قالب موسيقي استعراضي قوبل بحفاوة نقدية واهتمام جماهيري.
يرى المخرج أحمد فؤاد أنه على رغم وجود أعمال خالدة استعرضت سير كبار نجوم الفن، بينهم مسلسل 'أم كلثوم' 1999 بطولة صابرين وإخراج إنعام محمد علي، و'أيام السادات' 2001 بطولة أحمد زكي وإخراج محمد خان، فإنه يشدد أن أكثرية الأعمال التي تنتمي إلى نفس النوعية أخفقت، لافتاً إلى أن الأمثلة كثيرة، من هنا تكمن صعوبة الاقتراب من أعمال السير الذاتية، لا سيما أن الجمهور يكون متحفزاً بشدة نظراً إلى الرصيد الوجداني الذي يملكه لتلك الشخصيات، إذ يرتفع سقف التوقعات نظراً إلى القيمة الفنية والإنسانية والشخصية لتلك الرموز. واصفاً محاولة الاقتراب بأنها 'شديدة الخطورة'.
محاولات تقديم السير الذاتية لمشاهير الفن في مصر عبر عروض مسرحية، شهدت تجارب متعددة، لكنها كانت إنتاجياً ذات قدرات محدودة، قبل أن تنتقل في العامين الأخيرين إلى مستوى مختلف تماماً في التحضير والإنفاق والرؤية البصرية، فقبل الطفرة الأخيرة ظهرت عدة محاولات لإحياء سير مبدعين يحظون بالتقدير الشعبي والنقدي، حيث تصدّى الفنان إيهاب فهمي عام 2019 لأداء شخصية الموسيقار بليغ حمدي في مسرحية 'سيرة حب' من إخراج عادل عبده، وحقق العمل نجاحاً متوسطاً، كما أن عنصر الإبهار به كان أقل كثيراً مقارنة بالأعمال الجديدة، وقدم المخرج مازن الغرباوي سيرة الثنائي الطربي الشهير ألمظ وعبده الحامولي في مسرحية 'ألمظ وسي عبده' من بطولة مروة ناجي ووائل الفشني، وهو العمل الذي عرض عام 2021.
كذلك خاض المخرج خيري بشارة في العام نفسه التجربة بعرض غنائي تناول سيرة كفاح وصعود عبد الحليم حافظ من خلال مسرحية 'حبيبتي من تكون' التي كتبتها عزة شلبي، واعتمد فيها المخرج البارز على وجوه جديدة تقوم بالأدوار الرئيسة، وبالطبع التدقيق في تلك الأعمال لا يقارن بمستوى التدقيق والترصد الذي يلاحق الأعمال السينمائية والتلفزيونية، التي تتصدى للشخصيات ذاتها، وربما الأمر يعود إلى أسباب كثيرة بينها قلة عدد مشاهدي العرض المسرحي مهما كان نجاحه مقارنة بجمهور الشاشات والمنصات، فعلى سبيل المثال 'حبيبتي من تكون' كانت مسرحية محدودة العرض بين السعودية ومصر.
ربما هناك فرصة جديدة أمام الجمهور لمتابعة سيرة عبدالحليم حافظ مرة أخرى في 'حليم... آخر زمن الرومانسية' التي يقوم أحمد فؤاد بالتحضير لها حالياً، ويجري الاستعانة فيها أيضاً بوجوه جديدة مثلما حدث في مسرحية أم كلثوم، إذ فكرة الدراما الغنائية الاستعراضية كانت حاضرة بقوة شديدة، وهو أمر يمكن تنفيذه في العمل المسرحي بصورة أقل تعقيداً من السينما، فعلى الرغم من أن ميزانيته كبيرة كذلك، لكنها تظل أقل من إنتاج مشروع سينمائي.
يقول أحمد فؤاد 'أعتبر مشروع سيرة عبدالحليم حافظ المسرحية أكثر تطوراً مقارنة بأم كلثوم نظراً إلى اختلاف مسيرة كلتا الشخصيتين، ونوعية الموسيقى والصورة الذهنية أيضاً للنجمين، والجمهور بات لديه مرجعية، فهو يريد أن يرى عملاً في مستوى (دايبين في صوت الست)، بينما نحن كصناع نرغب في تجاوز هذا السقف، والحقيقة أن الصعوبة الكبرى هنا أننا نحاول تقديم طرح جديد وتناول طازج لشخصيات الجمهور يعرف حكايتها بالفعل دون أن نبالغ في التركيز على إيجابياتها أو نمعن في إظهار السلبيات، وكل هذا من خلال استعراض متقن وديكور مبهر وطريقة سرد مشوقة، سعيد بأنني أسهم في عودة المسرح الغنائي الاستعراضي الذي اشتهرت به مصر منذ عشرينيات القرن الماضي'.
المفارقة هنا أن أسرة عبدالحليم حافظ هي التي تحمّست لتقديم سيرته بعد نجاح عرض أم كلثوم، وهو أمر من الصعب أن يحدث، بخاصة أن ورثة المشاهير عادة يحاربون تقديم مسلسلات وأفلام عن حياتهم، ونادراً ما يتصالحون مع طريقة صياغة صورتهم الدرامية، ففي حين أن جانباً من ورثة أم كلثوم قد منحوا الموافقات القانونية بالفعل لتقديم سيرتها بفيلم 'الست' إلا أن جزءاً آخر منهم كان معترضاً، وبادر برفع دعاوى إيقاف عرض العمل بدعوى تشويه صورة كوكب الشرق، وهي الدعوى التي رفضت، بالمقابل اجتمع الفريقان على العرض المسرحي من دون اعتراضات.
من جهته يرى الناقد طارق الشناوي، أن الفيصل هنا هو عدم خدش فكرة الأسطورية حول الشخصيات العامة الراسخة في أذهان الجماهير. ضارباً المثل بنماذج عدة وبينها بالطبع مسلسل أم كلثوم، ومنوها إلى أنه لا يفهم سر الغضب الذي تصاعد بعد عرض فيلم 'الست' حتى ممن لم يروا الفيلم وشعورهم بأن هناك مؤامرة للنيل من ثومة. مضيفاً: 'في النهاية القانون قال كلمته وهي حماية العمل الإبداعي، الذي من ينظر إليه بشكل محايد لا يرى به أي إساءة لهذا الرمز، أو أي ملمح سلبي عنها على الإطلاق'.
الجمهور أيضاً ينتظر سيرة الموسيقار محمد فوزي في عمل مسرحي يجري العمل عليه حالياً وسط ترقب كبير، نظراً إلى ندرة ظهور شخصية الملحن والمطرب والممثل محمد فوزي في أي أعمال فنية وإذا حدث عادة ما تكون لقطات هامشية، أما خصوصية التجربة المنتظرة فتتمثل في أنها بتوقيع المخرج والمؤلف محمد زكي الذي كانت له تجربة كانت حديث الجمهور والنقاد وهي 'الأرتيست' التي سردت مشوار حياة الفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وتضمنت مواقف من حياتها الدرامية التي تراوحت ما بين القتامة والابتهاج، وقامت بأداء شخصيتها هايدي عبدالخالق، حيث ركز العمل على ملامح شديدة الإنسانية من مشوار فنانة لم تحظ بالتقدير الكافي، فيما التناول المرهف والمشاهد المتقنة جعلت 'الأرتيست' التي عرضت قبل عامين حدثاً في حد ذاته، ولهذا يعول الجمهور كثيراً على مسرحية محمد فوزي التي ستعرض قريباً، فسهولة إنجاز مشروع سيرة ذاتية على خشبة المسرح أمر مشجع للغاية، ولهذا تتعدد التجارب بهذا الصدد في الفترة الأخيرة.مع ذلك، يعتقد المخرج أحمد فؤاد أن أعمال السيرة الذاتية بشكل عام قد تجلب معها نجاحاً ضخماً أو هجوماً وإخفاقاً مؤلماً، وينبغي التعامل معها بحذر، بينما يشير الناقد طارق الشناوي إلى أن أي اقتراب من تفاصيل الشخصية الإنسانية بعيداً من الصورة الذهنية المحفوظة قد يعتبرها الجمهور طعناً ومحاولة للنيل من السيرة يقف وراءها مغرضون.


































