اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
مع اتساع رقعة الحرب الإيرانية، تحولت لبنان إلى ساحة مواجهة جديدة، حيث تكشف العمليات الإسرائيلية عن رغبة واضحة في التدمير أكثر من الردع. ووصفت صحيفة ذا ناشيونال هذه الاستراتيجية بأنها 'شهية للتدمير'، مشيرة إلى أن إسرائيل لم تكتف بضرب مواقع عسكرية لحزب الله، بل عمدت إلى استهداف البنية التحتية المدنية بشكل واسع، بما في ذلك الجسور والمنازل والمرافق الحيوية.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي قد أعلن صراحة أنه أمر الجيش بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني، مؤكدًا أن القوات تسرع عملية هدم المنازل في المناطق الحدودية 'وفق نموذج بيت حانون ورفح في غزة'. هذا الإعلان يعكس بوضوح أن إسرائيل تسعى إلى تطبيق ما تسميه 'نموذج غزة' في لبنان، أي سياسة الأرض المحروقة والتهجير القسري، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بانهيار الدولة اللبنانية.
تحذيرات المنظمات الإنسانية
أطلقت منظمة أوكسفام تحذيرًا شديد اللهجة، مؤكدة أن إسرائيل تستخدم 'دليل غزة' في لبنان، عبر استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية مثل شبكات المياه والصرف الصحي. المنظمة أوضحت أن ضرب هذه المنشآت يمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، وأن حرمان المدنيين من المياه يعد جريمة حرب. أوكسفام أشارت إلى أنها كانت تعمل على إعادة تأهيل 19 منشأة مائية تخدم نحو 60 ألف شخص في جنوب لبنان، لكن القصف الإسرائيلي منع فرقها من الوصول لتقييم الأضرار أو ضمان استمرار عمل هذه المرافق. مدير أوكسفام في لبنان، بشير أيوب، قال إن إسرائيل تكرر نفس النمط الذي اتبعته في غزة: 'استهداف المدنيين، البنية التحتية، الطواقم الطبية وعمال الإغاثة، بهدف نشر الخوف والفوضى بين السكان'.
سياسة التدمير الممنهج
يوضح التحليل الذي نشره موقع ناشيونال إنترست الأمريكي The National Interest أن إسرائيل انتقلت من سياسة الردع إلى سياسة الهيمنة. فبعد سنوات من المواجهات مع حزب الله، قررت إسرائيل أن الحل يكمن في فرض واقع جديد عبر الاحتلال الجزئي وتدمير البنية التحتية، حتى لو أدى ذلك إلى تفكك لبنان داخليًا. هذه المقاربة تستند إلى ما يُعرف بـ'عقيدة الضاحية'، التي تقوم على استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين والبنية التحتية بهدف إضعاف المجتمعات التي يُعتقد أنها حاضنة لحزب الله. في هذا السياق، يصبح تدمير الجسور والطرق والمستشفيات والمدارس جزءًا من إستراتيجية أمنية شاملة، لا مجرد عمليات عسكرية محدودة.
أزمة إنسانية متفاقمة
تؤكد الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة حجم الكارثة. قأكثر من مليون لبناني نزحوا من مناطقهم، فيما يواجه كثيرون خطر فقدان القدرة على العودة إذا أقامت إسرائيل منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية. المدن والقرى الجنوبية تعيش حالة حصار فعلي، حيث انقطعت طرق الإمداد بعد تدمير الجسور، وتعرضت شبكات الكهرباء والمياه للدمار. الحكومة اللبنانية، التي كانت قد نجحت في انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة في يناير الماضي، تجد نفسها عاجزة عن مواجهة الانهيار المتسارع، فيما يواصل حزب الله هجماته التي تزيد من حدة الرد الإسرائيلي.
المجتمع الدولي في دائرة الاتهام
اتهمت أوكسفام المجتمع الدولي بالتواطؤ عبر صمته ودعمه لإسرائيل، مؤكدة أن 'الإفلات من العقاب' الذي تمتعت به إسرائيل في غزة يتكرر اليوم في لبنان. المنظمة شددت على ضرورة فرض وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، محذرة من أن السماح لإسرائيل بتكرار 'حرب المياه' سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة. الباحث باسل دويك من منظمة ACLED أشار إلى أن إسرائيل تسعى عمليًا إلى 'تشريح لبنان' عبر فصل الجنوب عن الشمال، وهو ما يعيد إلى الأذهان سيناريو الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
سيناريوهات مستقبلية
وفق تحليل الخبراء، هناك سيناريوهان محتملان: الأول أن تستمر إسرائيل في احتلال مناطق جنوب الليطاني لفترة طويلة، ما يؤدي إلى نزوح دائم للسكان ويخلق حالة من الجمود العسكري والسياسي. الثاني أن تنهار شعبية حزب الله تحت ضغط الحرب، ما يدفعه إلى تقديم تنازلات جزئية بشأن سلاحه، ويفتح الباب أمام محادثات تطبيع غير معلنة بين بيروت وتل أبيب، ربما برعاية أمريكية. لكن كلا السيناريوهين يحملان مخاطر كبيرة، إذ يهددان بترسيخ الاحتلال أو بفرض تسوية غير متوازنة على لبنان.
وتكشف التكتيكات الإسرائيلية في لبنان عن توجه نحو التدمير الشامل كوسيلة للضغط السياسي والعسكري، وهو ما يعكس انتقال إسرائيل من سياسة الردع إلى سياسة الهيمنة. وبينما تتواصل الغارات وتتصاعد الأزمة الإنسانية، يبدو أن لبنان يواجه خطر الانهيار الكامل إذا استمرت هذه الإستراتيجية. النموذج الذي طبقته إسرائيل في غزة يُعاد اليوم في لبنان، لكن نتائجه قد تكون أكثر كارثية، ليس فقط على لبنان، بل على استقرار المنطقة بأكملها.


































