اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
المطربون الجدد لم يلتزموا بشروط التجربة الرقمية فتقلصت دورة نجوميتهم في السوق لأن ولاء الجمهور لم يعد مطلقاً
يحتفي المطرب محمد الشرنوبي في هذه الأيام بصدور ألبومه الجديد 'بعد الليل'، بعدما قضى أربع سنوات كاملة في التحضير والاختيار للخروج بلون موسيقي يرضى عنه. محمد الشرنوبي الذي كان في فترة من الفترات يبدو أنه الأوحد في ساحة المطربين الشباب وربما الممثلين أيضاً، إذ قدم نفسه للجمهور في المجالين بالقوة نفسها، يحاول استعادة مكانته بعد أن تنحى عن المنافسة الغنائية للبحث عن جديد، وهو أمر محمود أن يمنح الفنان التجربة حقها بلا استعجال.
لكن، في العصر الذي نعيشه تبدو تلك الفترة وكأنها دهر، حيث عاد والساحة في مصر قد تبدلت تماماً، كما أنه لم يصدر جديد غنائي طوال تلك السنوات إلا قليلاً، وغالبيتها كانت أغنيات دعائية لأعمال درامية. حالة الشرنوبي تطرح تساؤلات حول ولاءات الجماهير، ومدى إخلاصها لمطربي الجيل الجديد، وحول فكرة الحفاظ على مبدأ الاستمرارية، ودورة حياة مطربي الغناء في هذا العصر.
الوصول إلى مرحلة الشهرة والنجومية بات أمراً شديد السهولة، وأيضاً لم يعد صعباً صنع أغنية تريند، وهي المرحلة التي تأتي معها تعاقدات إعلانية وظهور إعلامي مكثف، وطلبات متواصلة للمشاركة في الحفلات الكبيرة، والأنشطة الفنية المهمة. لكن، البقاء في دائرة الضوء وتقديم أعمال غنائية تحقق الرواج والمتعة الفنية وتحمل بصمة مختلفة، وتضمن لصاحبها البقاء أمر بات محل شك، إذ إن كثيراً من النجوم الذين ظهروا على ساحة الطرب في مصر أخيراً تعثروا لأسباب غامضة، لم يختفوا بالطبع، لكن الزخم يتناقص بصورة ملاحظة، وكأن هناك شيخوخة فنية مبكرة أو اكتفاء بالشهرة الجارفة التي تصنعها مواقع التواصل الاجتماعي، بينما الوجود على الأرض قد يتناقص منسوبه، لأن عملية صناعة النجم الصحيحة يجب أن تمر بمراحل كثيرة ولا تعتمد على العالم الافتراضي فقط.
بعد جيل عمرو دياب وهاني شاكر ومحمد منير وأنغام ومحمد فؤاد وجيل التسعينيات بصورة عامة، ظلت الساحة الغنائية في مصر تفتقر للتجديد إلى أن جاءت حفنة أصوات دفعة واحدة تبحث عن نجوميتها مع مطلع الألفية كان من بينهم تامر حسني وشيرين وهيثم شاكر وتامر عاشور وآمال ماهر وبهاء سلطان، ومعهم جنباً إلى جنب الفرق المستقلة، إذ تنوعت الألوان الغنائية، وهذه التجارب عموماً مرت بالطرق التقليدية لمرحلة صناعة النجومية بالاعتماد على فريق عمل وشركات إنتاج وإدارة أعمال وطاقم لاختيار الكلمات والألحان وخطط للظهور وتعاقدات ترويجية، وبحث عن التجديد وسط منافسة تزيد المشهد الفني ثراء، وفي حين قد يغيب هؤلاء لبعض الوقت ثم يعودون، لكنهم لا يطيلون الاحتفاء، كما أن قاعدتهم الجماهيرية المبنية على أساس صلب وأكثر كلاسيكية لا تزال تمثل قوة كبيرة تحمي نجوميتهم وولاء الجماهير يطمئنهم، ويجعل مكانتهم على الساحة محفوظة.
تبدل الوضع تماماً في السنوات الأخيرة، إذ باتت أغنيات المهرجانات والراب هي الأكثر سيطرة، ومن ثم أصبح نجوم الغناء في المرحلة الحالية في مصر أقل تنوعاً بشدة، كما أن المشاريع الفنية نفسها تبدو كأنها غير مكتملة، أو أن أصحابها يفقدون الشغف سريعاً، هذا في الأقل ما يصل إلى الجمهور، فيما المؤسسات المعنية بالحفلات وفرص الظهور وحملات الدعاية أصبحت تستبدل الأسماء بصورة متكررة بحثاً عن المطرب الأكثر تداولاً، وكأن النجومية أصبحت مرتبطة بوقت محدد يجب الاستثمار فيه سريعاً، قبل أن يقل الاهتمام الجماهيري بصورة مفاجئة.
يرى خبير التسويق محمود صالح أن السوق لم تعد ترحم، لافتاً إلى أنه قديماً كان يمكن أن يغيب المطرب سنوات ثم يأتي ليجد مكانه محفوظاً، لكن الآن المهمة شديدة الصعوبة، إضافة إلى أن فكرة صناعة النجم تتطلب شروطاً يهملها كثيرون فيقعون في مأزق، فهناك صناع على سبيل المثال المنتج والملحن والشاعر نصر محروس الذي يعرف كيف يدير المواهب التي يعمل معها، فيهتم باختيار الأعمال والوجود والاستمرارية وبناء الشخصية الفنية نفسها.
ويتابع 'من يفعل ذلك باتوا نادرين للغاية، في حين أن الموهبة وحدها لا تكفي فيجب أن يكون الفنان لديه فكر وخطط طويلة الأمد للظهور والانتشار، في ظل المنافسة الشرسة وسهولة الظهور وسهولة عرض الأغاني البشرية وتلك المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، فالمنافسة تتعقد بصورة غير مسبوقة'.
وحول موقف عودة محمد الشرنوبي بعد غياب طويل على وجه التحديد، وكيف أن مهمة استعادة نجوميته قد تكون أكثر تعقيداً مقارنة بسهولة تحقيقه الشهرة والانتشار في البداية، يقول خبير التسويق الرقمي محمود صالح، إن هذا أمر مفروغ منه، لأن السوق تتغير، والجمهور لم يعد لديه الولاء المطلق ولا الانتظار بلا أفق مثلما كان في الماضي، لافتاً إلى أن الخطة التي يعود بها محمد الشرنوبي تنم على أنه قرأ المشهد بصورة سليمة، ويعرف ما يجري، ولهذا اختار العودة بشخصية موسيقية مختلفة وغير متسرعة.
الساحة مليئة بالمواهب التي نجح أصحابها في العودة القوية بعد خفوت طارئ استمر سنوات، بينهم أحمد سعد وبهاء سلطان ومحمود العسيلي على سبيل المثال، وثلاثتهم كانت بداية نجاحاتهم مرتبطة بالأسلوب شبه التقليدي في صناعة النجومية القائم على شركات إنتاجية وفرق عمل متكاملة واستمرارية في طرح الألبومات في الأقل خلال السنوات الأولى لانطلاقتهم، وفي المقابل هناك أصوات عمرها الفني أحدث حققت حضوراً قوياً في فترة، ثم توارت في ظروف غامضة بينهم مصطفى حجاج وأحمد جمال ومحمد عدوية.
حتى في ما يتعلق بمطربي الراب والمهرجانات مثل حسن شاكوش وعمر كمال ومسلم فقد وقعوا في الفخ نفسه، في المقابل يبدو أن هذا العام هو عام توليت المطرب المقنع الذي يغني بروح تسعينياتية ويسيطر على الحفلات والإعلانات، وبمقاييس الأرقام والمشاهدات والأمسيات الغنائية في الفترة الأخيرة تجاوز ويجز الذي كان رقماً صعباً منذ عامين تقريباً.
يحاول الناقد الموسيقي محمد الأسواني تفسير ظاهرة غياب المشروع الفني التي تؤدي حتماً إلى تعثرات غير متوقعة في مسيرة المطربين الجدد، إذ يلفت النظر إلى أن الاستهلاك الرقمي للموسيقى سبب رئيس في تعدد حالات عدم الثبات على القمة وقتاً طويلاً، مضيفاً أن الأغنيات تصنع وتستهلك رقمياً بصورة شبه كاملة، مما قلص الارتباط بين الفنان والمستمع، ويتابع 'بات ينظر للمطرب وكأنهم مقدمو محتوى غنائي وليس فناناً مفضلاً لديه فانز، ففي وقت يظهر فيه محتوى آخر أكثر جاذبية يتوقف تقريباً استهلاك المحتوى السابق تلقائياً، وهو أمر يشبه أو يتداخل مع عمل الخوارزميات على مواقع التواصل، التي تتحرك وفق الاهتمامات الآنية واللحظية، وقد لا تعرض المحتوى الذي يتابعه المستخدم عن قصد من الأساس'.
ويضيف الأسواني 'بالتالي الولاء يتحول تلقائياً إلى نوع المحتوى الغنائي المقدم سواء كلاسيكي أم راب أم بوب، وليس لشخص الفنان الذي كان ينتقل معه الجمهور من لون غنائي إلى آخر بإخلاص، إضافة إلى الوفرة الكبيرة للأغاني، ونزول آلاف الأغاني يومياً، وآلاف الأصوات المكتشفة أسبوعياً حول العالم، بالتالي الارتباط الشخصي تناقص، وأصبح شبه معدوم في أغلب الحالات، وبمجرد ظهور صوت رائج جديد تنتهي العلاقة بالقديم، وكأنه تقليعة أو تريند أو موضة موقتة تشبه تحديثات التطبيقات على الإنترنت'.
يرى الأسواني أنه في أجيال سابقة كانت الوسائل المادية، مثل اقتناء البوسترات وشراء أشرطة الكاسيت والأسطوانات، تعزز شعور الانتماء عند الجمهور، وشعور الولاء للفنان، لأن الجمهور اختار عن قصد أن يسمع هذا الفنان، ويخرج من منزله ليشتري مجلة عليها صورته أو ألبوماً موسيقياً يضعه بنفسه في جهاز التشغيل مراراً ليستمتع به، وهي سلوكيات تزيد من إحساس أنه يسهم بصورة مباشرة في نجاح الفنان وصنع ملامح تجربته.
بالفعل فالعلاقة بين الفنان والجمهور قد تكون بالكامل افتراضية حتى المشاهدات التي قد تقترب من مئات ملايين هي لا تزال افتراضية وترجمتها على أرض الواقع تحتاج إلى جهد كبير على أكثر من مستوى وليس مجرد صوت جميل وأغنية لافتة، لأن الزحام الكبير في سوق الفنون بصورة عامة لا يتيح الوقت الكافي لنضوج التجربة وبناء جمهور راسخ إلا بعوامل مساعدة كثيرة، فقديماً كانت هناك فرصة، لأن يتابع الجمهور كل ما يخص النجم، ويذهب إليه في حفلاته.
لكن الآن وعلى رغم وجود النجم شخصياً عبر مواقع التواصل يرد ويظهر في فيديوهات ويشارك في تحديثات ويعلق على الأحداث، لكن القدرة على المتابعة تضعف بشدة في ظل المحتوى الذي لا يتوقف والتريندات المتلاحقة، وأيضاً في ظل تقلص عدد الحفلات الحية التي في متناول الشريحة الأكبر من الجمهور في مصر، وهي رابطة أساسية كانت توثق العلاقة بين النجوم ومحبيهم.
الخبير الرقمي محمود صالح يرى أن كثيراً من المطربين الصاعدين يتعاملون مع فكرة التسويق بصورة خاطئة، ويلقون بالمهمة كاملة على نقطة واحدة في منظومة التسويق، وهي التواصل ونشر الأخبار والمعلومات والترويج عبر السوشيال ميديا، متغافلين عن عناصر أخرى مثل فن اختيار الأعمال التي تليق بالصوت والدأب على صناعة الهوية الشخصية والأسلوب الفني واستمرار طرح الألبومات بانتظام، وكذلك المشاركة في حفلات بالمحافظات المختلفة والدول المختلفة أيضاً، لافتاً إلى أنه لا توجد حجة هنا إلا الكسل أو عدم الاهتمام، لأن صناعة الموسيقى لم تعد تخسر بسبب زيادة منافذ العرض ومنصات الاستماع، وسبل الانتشار فالتربح عن طريق المشاهدات وغيرها من الطرق يمكنه أن يعوض المطرب عما ينفقه، بالتالي فما عليه سوى الاستدامة والاجتهاد.
ويتابع 'الاستمرارية وغزارة الإنتاج والبحث عن جديد أمور لا يمكن الاستغناء عنها أبداً بالنسبة إلى المغني، ولا يمكن أن تعوضها أية نجومية مهما كانت كاسحة، فالغياب لا يغتفر بالنسبة إلى الجمهور هذه الأيام، وعلى سبيل المثال فقد نجحت تلك العناصر في الحفاظ على وجود فنانين مثل أحمد سعد ورامي جمال وتامر عاشور على رغم تعثرهم الموقت، في حين الظهور الفني المنقطع يخصم كثيراً من رصيد نجوم موهوبين، وكان لهم حضور كبير مثل محمد عدوية، فالولاء الجماهيري مرهون باستدامة الإنتاج الفني والانتشار في الحفلات والأنشطة، ومقولة إن النجم يجب أن يعزز نفسه ولا يظهر إلا نادراً هي مقولة غير صالحة أبداً لهذا العصر، بدليل أن عمرو دياب نفسه استغنى عن هذا المبدأ، لأنه يعلم أن قواعد السوق تغيرت'.
المشهد بكل هذه المتغيرات يشير إلى أن نجوم الغناء من الأجيال الجديدة في حال ركونهم للنشوة الرقمية والنجاحات الافتراضية، والتخلي عن فكرة المشروع سيتخبطون أسرع من المتوقع، بخاصة في ظل عدم وجود فنان شاب حتى الآن يتمتع بصفات النجومية طويلة المدى والانتشار بين شرائح مختلفة من الجماهير، ولهذا لا يزال النجوم التقليديون أو القادمون من عصر ما قبل السوشيال ميديا هم الأكثر سيطرة، فالوسط الغنائي المصري كما هو بحاجة إلى التجديد، أيضاً بحاجة إلى أن يكون هذا الجديد قادراً على الصمود وعلى تقديم منتجه الفني بصورة دائمة، وأن تلقى تلك الأعمال قبول أكبر قدر من الجماهير.
يلخص الناقد الموسيقي محمد الأسواني المعضلة التي تواجه كثيرين ممن لا تنقصهم الموهبة ولا القبول، لكنهم لم يعرفوا قراءة متطلبات السوق جيداً أو في الأقل أخذوا منه فقط فكرة النجاح السريع والقدرة على الوصول من دون تعقيدات مقارنة بأجيال سابقة، ثم لم يعملوا على ترسيخ حضورهم، بتأكيد أن الأمر على قدر إيجابيته في ما يتعلق بحرية الاختيار وعدم احتكار مؤسسات بعينها فكرة صناعة النجوم، فإنه أيضاً يضغط على الفنان.
يقول 'كان لدى المطربين قديماً مساحة زمنية معقولة يمكنهم من خلالها العمل في صمت لبعض الوقت ووضع خطط لتشكيل صورتهم ومسيرتهم على مراحل، من دون القلق من أن ينساهم الجمهور، فكثير من نجوم الغناء بدأوا بألبومات فاشلة أو لم تنتشر كما ينبغي، ولكنهم مع ذلك أكملوا المشوار واستمروا وكان لديهم فرصة للتجريب، بعكس الآن إذا قدم مطرب ما أغنية منفردة وفشلت سيواجه سيلاً من التدوينات والكوميكس للسخرية لتظل سمعة الفشل تطارده كلما ظهر على أية منصة، وحينها سيبذل مجهوداً مضاعفاً للعودة لقواعده'.


































