اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٨ أيار ٢٠٢٦
لا يوجد حصر دقيق بعددها وتنتشر في أنحاء البلاد كافة والتمويل أبرز التحديات التي تواجهها وثقافة اللجوء إليها من قبل المتضررات تبقى غائبة
شهدت الفترة الأخيرة في مصر تصاعد أزمات عدة ارتبطت بالنساء في المجتمع المصري، أثارت معها جدلاً واسعاً، من بينها حوادث عنف أو قتل أو اعتداءات وتحرش وصولاً إلى الانتحار، بسبب تبعات لنزاعات أسرية، ومع كل حادثة تتصدر المشهد يثور التساؤل أين جمعيات المرأة الداعمة لحقوق النساء؟ وما أدوارها؟ ولماذا لا تلجأ إليها من تتعرض لأزمة وتحتاج إلى مساعدة أو دعم؟ وما الأدوار المنوطة بها بالأساس؟ ولماذا لا يشعر الناس بأن لها دوراً فاعلاً في مواجهة كثير من الأزمات التي تعانيها المرأة؟
تاريخ الكيانات الداعمة للنساء في مصر ليس حديثاً، بل يمتد إلى أكثر من قرن، وكان ظهور أول كيان منظم يُعنى بالعمل على المطالبة بحقوق المرأة من خلال أهداف واضحة هو 'الاتحاد النسائي المصري' الذي أنشئ في مارس (آذار) عام 1923، ولاحقاً توالت المؤسسات والجمعيات الأهلية التي ظهرت تباعاً، وعملت على المطالبة بحقوق المرأة. و'سبق الاتحاد النسائي المصري' بعض الإرهاصات لوجود كيان يهتم بحقوق النساء، فظهرت بعض المبادرات في أوائل القرن الـ20، من بينها 'جمعية الرقيّ الأدبي للسيدات' و'اتحاد المرأة المصرية المتعلمة'، وهي مبادرات كانت تهتم في المقام الأول بتحسين وضع النساء والعمل على أن يحصلن على فرص متساوية في الحقوق، وعلى رأسها التعليم مثل الذكور، باعتبار أن هذا سيحسن من وضعهن لاحقاً. ومع حلول عام 2000 أنشئ المجلس القومي للمرأة في مصر، وهو المؤسسة الأهم في ما يتعلق بحقوق النساء، ويمثل آلية وطنية لدعم المرأة وتمكين النساء، وله فروع في كل محافظات مصر.
وإضافة إلى الكيانات الرسمية، فإن هناك آلاف الجمعيات الأهلية المنتشرة في كل المحافظات التي تهتم بالمرأة ودعمها وتمكينها كما تشير في الأسس والمبادئ التي تقوم عليها عند إنشائها، لكن ما وضعها وما طبيعة الأدوار المنوطة بها؟ وهل هناك حصر دقيق لعدد هذه الجمعيات؟ بالتالي تقدير مدى فاعلية دورها على كل المستويات؟
يجيب رئيس الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية طلعت عبدالقوي أن 'في مصر حالياً 36 ألف جمعية أهلية مشهرة في كل مجالات العمل الأهلي، ولا يمكن حصر عدد الجمعيات المعنية بالمرأة بصورة دقيقة، ذلك أن هناك كثيراً من الجمعيات تكون المرأة من ضمن نشاطها، لكنها ليست النشاط الوحيد، فقد يكون نشاطها الأساس تنمية الأسرة على سبيل المثال، ومن بينها المرأة، أو قد تكون الجمعية معنية بتنمية المجتمع عموماً، ومن بين نشاطاتها المرأة، ولهذا فإنه لا يمكن تحديد رقم دقيق لعدد الجمعيات العاملة في مجال المرأة'.
ويوضح أن 'غالبية الجمعيات المعنية بالنساء يتركز نشاطها في خدمات الرعاية والصحة والتعليم ومحو الأمية وتنظيم الأسرة والمشاريع الصغيرة والقروض الميسرة، إضافة إلى التوعية والاستشارات الأسرية والقانونية، فضلاً عن الجمعيات الحقوقية التي تهتم بصورة رئيسة بالقضايا والأزمات التي تعانيها النساء في المجتمع والتوعية بها والمطالبة بحقوقها'.
وعلى رغم حصول النساء على فرص عدة وتقلدهن أرفع المناصب وحصول كثيرات على أعلى الدرجات العلمية من الداخل والخارج، فإنه لا تزال هناك نساء أخريات يحرمن من حقوقهن الأساسية، وقد يعانين الاضطهاد في كثير من السياقات الاجتماعية باسم العادات والتقاليد أو التفسير الخاطئ لصحيح الدين، ومن المفترض أن تكون القضايا الأساسية التي تؤثر في واقع النساء ضمن أولويات الجمعيات المعنية بها سواء في المطالبة بها بكل الوسائل أو في وجود آلية معينة تعمل على إيصال وجهة نظر النساء ورؤيتهن إلى صناع القرار لأخذ هذا في الاعتبار بغرض النهوض بالنساء وتمكينهن على كل المستويات سياسياً واقتصادياً، واجتماعياً، فضلاً عن تقديم الدعم والمساندة لمن يتعرضن لأزمات أو عنف أو يحتجن إلى دعم مالي.
ويقول عبدالقوي 'تلجأ بعض النساء بالفعل إلى الجمعيات الأهلية، ويحصلن على الدعم والمساندة والمساعدات بحسب الحالة والوضع سواء دعم مادي أو عيني أو استشارات قانونية أو أسرية، وهذا يحدث بصورة مستمرة، لكن هناك من لا يعلمن بإمكان الحصول على هذه المساعدة أو قد يرَيْن أنهن من وضع اجتماعي معين لا يقبل اللجوء إلى المؤسسات أو الجمعيات الأهلية لمساعدته ويعتبرنه انتقاصاً منهن، وقد تكون هناك أسباب أخرى، لكن هذا لا ينفي أن هناك كثيرات بالفعل حصلن على دعم في مجالات مختلفة من الجمعيات الأهلية المعنية بالنساء، بل إن كثيراً من هذه الجمعيات تصل إلى مناطق بعيدة داخل القرى والأماكن النائية وتنفذ برامج ومشاريع لدعم النساء وتمكينهن وتترك أثراً واضحاً'.
ويضيف أن 'الجمعيات الأهلية لها دور قائم بالفعل في المشاركة في القضايا المجتمعية، فمثلاً بالتواكب مع الإعلان عن العمل على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، أُعلن بصورة رسمية أن الاتحاد العام للمؤسسات والجمعيات الخيرية سينظم جلسات حوارية لعرض الرؤى المختلفة والوصول بتصور يجمع رؤية القائمين على العمل الأهلي في مصر باعتبارهم يعملون بصورة مباشرة على أرض الواقع، ويدركون الأبعاد المختلفة لهذا الأمر، على أن يجري إعداد تقرير ورفعه للقيادة السياسية، فقانون الأحوال الشخصية لا بد من أن يراعي جميع الأطراف ويضع مصلحة الطفل في المقدمة'.
وعلى رغم عدم وجود إحصاء دقيق لعدد الجمعيات المهتمة بالمرأة، فإن تقريراً صادراً عن محافظة القاهرة عام 2023 كشف عن نسب الجمعيات الأهلية التي تخدم المرأة على مستوى مناطق محافظة القاهرة، وأفاد بأن هناك في القاهرة 7583 جمعية أهلية من بينها 697 جمعية أهلية معنية بالمرأة و50 نادياً نسائياً و31 مركزاً لتدريب الفتيات و148 مشغلاً للفتيات. والرقم السابق الذي يقارب الـ 700 جمعية أهلية في محافظة واحدة ليس قليلاً ومن المفترض أن يكون ذا أثر على كل المستويات، فما التحديات التي تواجهها؟ وما الذي يجعل دورها متفاوت القوة والتأثير؟
يقول عميد كلية الخدمة الاجتماعية في جامعة الفيوم ومؤسس الاتحاد المصري لسياسات التنمية والحماية الاجتماعية صلاح هاشم، 'على رغم وجود نحو 36 ألف جمعية أهلية في مصر، فإن العدد الفعلي الذي له نشاط مكثف وأثر ملموس في تقديري لا يصل إلا إلى نحو 10 في المئة من إجمال هذه الجمعيات، ويوجد نحو 17 مجالاً تنموياً تعمل فيها الجمعيات الأهلية بصورة عامة، بما فيها المعنية بالمرأة التي لا يمكن حصر عددها على نحو دقيق، لأن هناك جمعيات لا يعبّر اسمها عن طبيعة نشاطها والجمعيات المعنية بالنساء ليست فقط التي تحمل اسم المرأة في عنوانها، لكن هناك كثيراً من الجمعيات المعنية بالرعاية الاجتماعية عموماً، ستكون المرأة عاملاً مشتركاً فيها سواء المعيلة أو المسنة أو ذات الإعاقة، فهناك فئات من النساء تكون أكثر استحقاقاً للرعاية الاجتماعية'.
ويضيف أن 'التمويل هو الركيزة الأساسية التي تستند إليها الجمعيات الأهلية، وهي المعيار الأساس الذي سيحكم نشاط الجمعية، وفي ما يتعلق بالجمعيات الحقوقية التي تهدف إلى المطالبة بحقوق النساء، فإن تمويلها غالباً يكون من المؤسسات الدولية المعنية بدعم النساء في العالم لأنه في مجتمعنا لن يدفع أحد تبرعاً لمثل هذه النوعية من الجمعيات، ففي ثقافة الناس التبرعات يجب أن توجه إلى أشياء عينية مثل العلاج أو الطعام أو التعليم وهكذا، بالتالي فإن الجمعيات الحقوقية المعنية بالنساء قوة نشاطها وتأثيرها تعتمد على استمرار توافر التمويل، مما لا يمكن ضمانه، بالتالي تتفاوت قوة تأثيرها، ولا يمكن إنكار أن الأحداث الإقليمية والدولية في العالم أخيراً أثرت في تمويل كثير من البرامج الحقوقية في العالم كله، ومن بينها المعنية بالمرأة والأثر الأكبر كان في دول العالم الثالث'.
ويمضي هاشم في حديثه أن 'الأمر هو نفسه بالنسبة إلى الجمعيات المعنية بالنساء التي توفر برامج معينة لتنمية المرأة أو تدريبها، ففي الغالب يكون هناك تمويل لمشروع محدد من جهة بعينها دولية على الأرجح، وبعد انتهائه تبحث الجمعية عن مصدر آخر لتمويل مشروع جديد، ولا شك في أن مثل هذه المشاريع ساعدت كثيراً من النساء في تعلم حِرَف أو مهارات ساعدتهن في الحصول على عمل ودخل، وكان لها أثر في التمكين الاقتصادي وتغيير واقع هؤلاء النساء، بخاصة في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً التي لا تتوافر فيها فرص العمل بسهولة'.
ويتابع أن 'واقع المرأة في مصر ليس بالسوء الذي يصوّره بعضهم، فلدينا كيانات كثيرة معنية بشؤونها من بينها المجلس القومي للمرأة، وكثير من المؤسسات والجمعيات الأهلية، ولولا جهود هذه الكيانات لما حصلت النساء على كثير من المكاسب، فدور هذه المؤسسات هو الدعوة وكسب التأييد وتبني قضايا المرأة، وساعدت الـ’سوشيال ميديا‘ أخيراً في هذا على نحو كبير بالوصول إلى قطاعات عريضة من الجماهير'.
عند الحديث عن واقع النساء في أي مجتمع ومن بينه المجتمع المصري، فإن هذا يشتبك بصورة مباشرة مع علم الاجتماع، فالنظرة إلى المرأة وطبيعة الأدوار الموكلة إليها في أي مجتمع وطبيعة الواجبات والحقوق التي من المفترض أن تقدمها وتحصل عليها ترتبط بطبيعة كل مجتمع وسياقاته الاجتماعية، والشيء نفسه يرتبط بالنظرة إلى الكيانات الداعمة للمرأة على اختلاف أنواعها سواء كانت حكومية أو أهلية، فبينما يراها بعضهم أدوات لتحقيق العدالة والتمكين ورفع الظلم عن قطاعات من النساء، ينظر إليها بعضهم الآخر على أن أنها أدوات لتخريب المجتمع وتدمير الأسر وتقليد للغرب الذي لا تناسب عاداته ولا ثقافته المجتمعات العربية.
ووفق رؤية أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الإسلامية بمينيسوتا هاني جرجس، 'يرجع هذا إلى أفكار ذكورية للأسف تسود عند قطاعات كبيرة من المجتمع، وهي أن المرأة يجب أن تكون في فئة ثانية بعد الرجل، وهذا الفكر واقع وموجود بالفعل، ولا يمكن إنكاره فهناك اقتناع كامل عند بعضهم بأن النساء إذا توافر لهن الدعم والحماية والمساندة فإنهن سيثُرن على الرجل، وسيكُنّ في موقع قوة، بالتالي فإن هذه الفئة من الناس ترفض كل ما من شأنه دعم النساء ومن بينه كل المؤسسات المعنية بحقوق المرأة، بكل أنواعها وتوجهاتها سواء كانت رسمية أو أهلية، ولديها قناعة كاملة بأن المرأة الضعيفة تسهل السيطرة عليها'.
ويضيف جرجس أن 'الحوادث الأخيرة التي وقعت في المجتمع المصري بالنهاية فردية، ولا تعكس واقع النساء في مصر على الإطلاق، بل على العكس فإن المرأة حصلت خلال الآونة الأخيرة على كثير من الحقوق التي كانت مسلوبة في فترات ماضية على كل المستويات، واقتحمت كل المجالات، فلا بد من أن ننظر إلى المجتمع بصورة أشمل، ولا نقصره على مجموعة من الحوادث الفردية بالنهاية، لكن هذا لا ينفي أن هناك أفكاراً متجذرة عند فئات من المجتمع، تغييرها ليس أمراً سهلاً'.ويتابع، 'خلال الأعوام الأخيرة ومع التحول الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، زاد ظهور ووجود المرأة فيها، وانتشرت وسائل التعريف والدعاية بالمؤسسات الداعمة لها عبر هذه الوسائل، وكان لهذا جانبان الأول ساعد في انتشار التعريف بها ونشر مفاهيم متعددة عن حقوق النساء على نحو أكبر، والثاني هو أنه زاد من كم الهجوم عليها من الرافضين لهذه الأفكار الذين استغلوا هذه الوسائل بكثافة للتقليل من شأن النساء وكل المؤسسات الداعمة لهن'.


































